Menu Close

قبل عام من هذا اليوم ، كنت مع تهاني شاكر في رحلة مع محمود درويش – كان ذلك في هايدلبيرغ في ٩ كانون الثاني من العام ١٩١٨

الثلاثاء الموافق ٩ كانون الثاني ٢٠١٨

ها قد إستيقظتُ في الصّباح الباكر عندما كان الجميع نياماً .

نعم ، الجميع في الشَّقّة كان لا يزالوا في أَسِرَّتَهم يلتحفون الليل، هذا رغم أصوات العَرَبات المتحركة في الشّوارع تَنقلُ الصَّاحين في هذا الوقت الباكر من الصباح ليَكونوا في أماكِن عَمَلِهم دون تأخير عندما يَحل وَقت العَمَل …

إسْتَيْقَظت ، فماذا أفعل في هذا الوقت ،… ؟!

شَغّلت التِلفزيون على مَحطة الـ CNN ، وهناكَ أخذتُ أستمع الى حوارٍ حول الصِّحة العَقْلِيّة للرئيس الأمريكي “ترامب” ، وهل يَقبَل أنْ يَخْضَعَ لفَحصٍ طِبٍِّي من هذا النّوع …؟

وقَرأتُ على الشّريط الإخباري على شاشة الـ ” سي إِنْ إنْ ” نبأٌ كذلك عن إحتمال تَرَشُّح ” أوبْرا “، مُقَدِّمة برنامج تلفزيوني شَهير ، لمَنصِب الرِّئاسة بعد تكريمها ليلة أمس في سان فرانسيسكو مع باقة من المُمَثّلين والمُمَثِّلات …!

قَرّرتُ بعدها أن أعودّ إلى تلفوني الموبايل ، والبَحث في الچوچل عن بَحثٍ حول الأُسطوره في شعر محمود درويش ،…

وَجَدتُ بحثاً مُثيرًا كَتَبَته “تهاني شاكر” في سَعيها لنيلِ شهادة للدكتوراة من جامعة دِمَشق ،.. قَرأتُ أجزاءٌ مهمة من البَحث ،… وأعجَبَني التحليل الذي قَدَّمَته ،… وأعجَبَني تَحليلها لقَصيدةٍ ظَهَرت في ديوان لمحمود درويش تحمل إسم ” لا تَعْتَذِر عَمّا فَعَلت ..!” ، وفيها يَصِفُ محمود حالَه عندما زار أُمه في بيتها بعد عشرين عاماً من خُروجِه من فلسطين ،… فَيَنْقَسِم محمود في قصيدته إلى ” مَحمودين ” ؛

” مَحمود الذي بَقِيَ في فلسطين ، ورأى صُورَته وهو في العشرين مـن عُمـرِه مُعلقةً على جدار البيت، فـ” حـاور تلـك الصورة وتذكّر أيام الشّباب، فَحَنَّ إليها، وحَنَّ إلى النَّاي القَديم، وشَعَرَ أنٌَ قَلْبَه مَثقـوب بريشة العَنقاء ( طائر الفنيق ) ، لأنّه لا يمكن أن يكون مثلها ، فَيَحرق نفسه ليَنْبَعِث من رَمَادِه شابا ً كمـا كان في الصورة ، فهو يقول؛

في بَيٍتِ أُمّي صُورَتي تَرنو اليَّ

ولا تَكَفُّ عن السّؤال ، أأنتَ ،يا ضَيْفي ،أنا ؟

هل كُنْت في العَشرين من عمري،

بلا نظّارة طبية،

وبلا حَقائب؟

كانَ ثُقْبٌ في جِِدارِ السّورِ يَكفي

كي تُعَلِّمك النّجوم هِواية التّحديق

في الأبَديّ…

وما الأَبَدي؟

قُلتُ مخاطبا ً نَفسي ويا ضَيفي…

أأنتَ أنا ، كَما كُنّا؟

فَمَنْ مِنّا تَنَصَّل من مَلامِحه؟

أتَذْكُر حافِرَ الفَرَس الحَرّون على جَبينِك

أَمْ مَسَحتَ الجُرْح بالمَكياج

كي تبدو وَسَيم الشّكلِ في الكاميرا؟

أأنتَ أنا؟ أتُذْكُر قَلبَك المَثقوب

بالنّاي القديم وريشة العَنقاء؟

أَمْ غَيّرت قَلبكَ عندما غَيّرت دَرْبَك؟ ”

و

مَحمود الآخر الذي غَادَرَ فلسطين إلى المنفى ،

حين عادَ إلى وَطَنه فلسطين كَهلا ً بعد أن غادَرها شابا ً، وإغتربّ عنها أكثر من عشرين سنة، لم يُصَدِّق أنّه قادِرٌ على العَودة إلى البِداية أو إلى الوطن، وشَعَرَ بالنّـدم لأنّه فارَقَ ذاتَه وشَبابَه في فلسطين قديما ً. والآن عاد إليها ليكون شاهِدا ً على ما فَعَلَـه في الماضي.

وهو رغم ما حَقَّقَه من مَجْدٍ أَدَبِيّ وشُهرة بعد خُروجه من فلسطين ، فإنّه قد حَنّ إلى الشِّباب، وإلى الماضي والبِداية، وتَذَكّرَ أُسطورة العَنقاء، لأنّه لو كان مثل طائر العَنقاء لأحرقَ نَفسه، وانبعث من رَماده شابّا ً، وَلَمْ يَخْرُج مـن فلـسطين، لأنّ حياتَـه خارجها قد إفتقرت إلى الاستقرار إلى الحدّ الذي شَعَرَ مّعه أنّه كان يعيش دائما ً علـى الجِسر ….”

بعد أنْ تَناولنا طَعام الفُطور ؛

بَعْضٌ من ” تَطْلي ” المارميليد Marmelade، والـ Toast ، والقَهوة ،…

تَحَرَّكتُ أنا وهِبَه إلى مكتب تجديد أو تمديد الإقامات في هيدلبيرغ، وهو قَريبٌ من الشّقة ،.. وهناك تم الحصول على تمديد لإقامتي لمدة ثلاثة شهور تنتهي في ٢٠ نيسان ٢٠١٨.

أَعْجَبَتني كلمات البوستر المُعَلّق على أحد جُدرانِ غُرفَة مُوظفة مكتب الإقامة ،

وهي تقول ؛

“Believe that good things will happen and they will” .

وأخبرتنا المُوظَّفة المَسؤولة كذلك ، وهي مُواطنة ألمانية من أُصول سريلانكية ، أن الزُوّار الأجانب ، ومن ضِمنهِم الكَنَديّين ، يَتِم مَنحهم إقامة أُتوماتيكية عند الدخول لمدة (٩٠) يوماً ،… وأنه يَتعين عَليهم تَمديدها إذا ما نووا الإقامة لمُدة أطول ،…

على ذلك ، فقد إكتَشَفَتْ هِبَه في هذه الزيارة أنَّ إقامتها في ألمانيا لمدة أطول تستدعي ، بالنسبة لها ولمُنى الحُصول على كتاب ٍ من المُستشفى ،..!

أتناولُ الآن قهوة الإسبرسّو مع هِبَه في إحدى مقاهي هايدلبيرغ. قَهوة بمذاق ٍ لا يُقاوم ورائحة فَوّاحة تَعْبِِق فَضاء المكان… !

في المَقهى ، كَتَبَتْ هبة للبروفسور بيتر إيميل Email جَديد يتعلق بظهور بُقَع تَغَيَّر فيها لون جِلْدي تحت ” باط ” ( armpit) اليدين اليُمنى واليُسرى .

حَسْبَ تفسير هِبَه ،… فهذه أيضاً من العَوارِض الناتجة عن العِلاج والأدوية والتي تم إخبارنا عن إحتمال حُدوثها خلال مرحلة ” المائة اليوم بعد الزِّراعة ” ( زراعة الخلايا الجذعية / النخاع العظمي)

مُنى ، أخبرتنا أن طَبخة ” الملوخيّة ” على وَشَك أن تُصبح جاهِزة للأَكل خلال دقائق ،…!

أرى على الطاولة ” طُنْجَرة الرُّز ” ، ووِعاءٍ فيه قِطَعٍ صغيرةٍ مُحَمَصّةٍ من الخبز ، وكذلك ” كُزْبَرة خَضراء “،…، وهي مُنْشَغِلة الآن في تَقطيع ” راس بَصَل ” إلى قِطَع صغيرة جداً ، تمهيداً لغَمْرِها بالخَل ، وأرى أيضا حَبَّتَي ليمون قبل ” نَحْرِها على المَذْبَح ” ، أيضاً تمهيداً لاستعمالها …!

تلك هي لَوازم عّمَل ” فَتِّة ” الملوخية …!