Menu Close

الخاطرة رقم (٧) – الخميس الموافق ١٠ كانون الثاني من العام ٢٠١٩

الخاطرة رقم (٧) – الخميس الموافق ١٠ كانون الثاني من العام ٢٠١٩

في الخاطِرة رقم (٦) تحدثت عن غزة ، وهي التي تقع في قلب القطاع الجنوبي من الأراضي المُخصصة للدولة الفلسطينية العربية في قرار التقسيم رقم ١٨١ والصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧.

لم أتطرق في الخاطِرة الى جانب معين أرى ضرورة أن يتم التخاطب معه في أية استراتيجية جديدة أو برنامج وطني نضالي جديد يتم بلورتها/ بلورته فيما يتعلق بالقضية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، وعلى الأخص في هذه المرحلة من مراحل التحرر الوطني الفلسطيني .

هذا الجانب ، يتعلق بمصر ، الدولة العربية الركن في إقليمنا العربي.

في ١٥ أيار من العام ١٩٤٨ وبعدة ، دخلت وحدات من الجيش المصري أراضي فلسطين في إطار تطبيق قرار جامعة الدول العربية المتخذ في ١٢ نيسان ١٩٤٨.

لم تُفْلِح وحدات الجيش المصري التي دخلت فلسطين في العام ١٩٤٨ في تحقيق أية أهداف ، وإضطرت بعد تسعة شهور من مشاركتها في القتال في فلسطين ، أي في ٢٤ شباط من العام ١٩٤٩ للتوقيع في رودوس على إتفاقية هدنة مع دولة الكيان الصهيوني ” اسرائيل ” ، وكانت بالتالي أول دولة عربية توقع مع دولة الكيان الصهيوني الوليدة إتفاقية معها .

وبموجب هذه الاتفاقية ، إنسحبت القوات المصرية من القطاع الجنوبي من فلسطين الى خطوط هدنة جديدة ، وإشتملت الأراضي التي تولت الولاية عليها بعد خروجها من فلسطين أراضي قطاع غزة الفلسطيني، وهو جُزءٌ طفيف من الاراضي التي خصصها قرار التقسيم للدولة العربية في فلسطين .

تجاهلت مصر ( أو أرجئت النظر ) في إتفاقية الهدنة التي وقّعتها مع دولة الكيان الصهيوني في شباط من العام ١٩٤٩ الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بما في ذلك حقوقه في الأراضي التي خصصها قرار التقسيم لإقامة دولة فلسطينية عربية فيها ، وتجاهلت أحكام إتفاقية ، الهدنة تلك حقوق الفلسطينيين في الأراضي التي كانت ترابط فيها وحدات الجيش المصري في القطاع الجنوبي من فلسطين، والتي إضطرت للانسحاب منها، وآلت بالتالي لأن تقع تحت سيطرة قوات دولة الكيان الصهيوني ، كما لَمْ تولِ أحكام تلك الاتفاقية أو تُعطِ أي إعتبار أو أولوية لربط تفعيل أحكام إتفاقية الهدنة بإلتزام دولة الكيان الصهيوني بإعادة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم بموجب أحكام القرار الأُممي ١٩٤ الصادر عن الامم المتحدة في ١١ كانون اول ١٩٤٨ ، أي قبل أقل من شهرين من توقيعها في رودوس لاتفاقية الهدنة، أو حتى بإعادة ذلك الجزء من فلسطينيي القطاع الجنوبي من فلسطين الى دِيارهم فيه .

ومع أن دولة الكيان الصهيوني قد أعلنت في وثيقة الاستقلال التي أصدرتها حكومتها المؤقتة في ١٤ أيار ١٩٤٨ انها تقيم دولتها في فلسطين بالاستناد الى أحكام قرار التقسيم رقم ١٨١ ، وبالرغم أيضاً من التزامها امام اللجنة السياسية الخاصة بفلسطين Ad Hoc Political Committee التي شكلتها الجمعية العامة للأمم المتحدة من أعضائها في نيسان ١٩٤٨ للنظر في طلب حكومة دولة الكيان دخول الامم المتحدة بتنفيذ احكام القرارين الأمميين ١٨١ و ١٩٤ ، فقد تَهَرَّبَت دولة الكيان الصهيوني من الالتزام بتطبيق ما التزمت به وراء منطق ، أو بذريعة أن تنفيذها للقرارين المذكورين مَرهون بأن تقوم الدول العربية التي “هاجَمتها” او ” شَنَّت العُدوان عليها ” بالإعتراف بحقها بالوجود ضمن الحدود المرسومة لها في قرار الشرعية الدولية رقم ١٨١ ، وبأن توقع إتفاقيات سلام معها.

بقيت أحكام إتفاقية الهدنة المذكورة ( المُوَقّعة في شباط ١٩٤٩) قائمة بين مصر ودولة الكيان الصهيوني الى العام ١٩٦٧، حيث إنهارت مع نجاح قوات دولة الكيان الصهيوني في خزيران من ذلك العام باحتلال شبه جزيرة سيناء وقِطاع غزة والضفة الغربية والجولان السوري .

ثم انهار الإلتزام قرار وقف إطلاق النار التي صدر بعد حرب حزيران ١٩٦٧ من جديد في ٥ تشرين أول من العام ١٩٧٣ ، عندما شَنَّت مصر وسورية حرباً إستهدفت إسترداد أراضيهما التي إحتلتها قوات دولة الكيان الصهيوني في حزيران من العام ١٩٦٧. وقدانتهت هذه الخرب بقيام مصر بالتوقيع على أول إتفاقية سلام ما بين دولة عربية ودولة الكيان الصهيوني في ١٧ أيلول من العام ١٩٧٨ المعروفة بإتفاقية كامب ديڤيد.

ومرَّة أُخرى ، قَفَزت “مصر السادات” على الحقوق الوطنية التاريخية للشعب الفلسطيني ، وقفزت أيضاً عن حقوقه المُستَنِدة للشرعية الدولية أي حقوقه بموجب القرار ١٨١ ، وتجاهلتها بالكامل ، بالإضافة إلى تجاهلها حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة وفقاً لمتطلبات القرار الأممي ١٩٤ ( الصادر في ١١ كانون أول من العام ١٩٤٨) ، ومَسَخَت حقوقهم في إتفاقية كامب ديڤيد المشؤومة بأن سَجَّل الاتفاق المذكور في مَتْنِ ما سُمِّيَ بِـ (إتفاق إطار السلام) أنه ستكون هناك ” ترتيبات إنتقالية بالنسبة إلى الضِّفة الغربية وغزة لفترة لا تتجاوز خمس سنوات، ولتوفير حكم ذاتي كامل لسكان الضفة الغربية وغزة”.

وفِي مَواد الإتفاقية تلك ، هنا إشارات كثيرة وردت فيها الى ما أسْمَته الإتفاقية “بالحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الإنتداب” ومُقتضيات مثل “دون المَساس بما يتعلق بوضع قطاع غزة”، وقضت الإتفاقية المذكورة كذلك بأن ” يطبق الطرفان فيما بينهما أحكام ميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي التي تحكم العلاقات بين الدول في وقت السلم” ، و …” يُقر الطرفان ويَحترم كل منهما سيادة الآخر وسلامة أراضيه وإستقلاله السياسي، ويُقرّا بحق كل من الطرفين في أن يعيش في سلام داخل حدوده الآمنة والمعترف بها”.

إنَّ الإستقلال السياسي لدولة ” اسرائيل ” الوارد الإشارة اليه في مَتْنِ الإتفاقية المذكورة ، لا يوجد مَرجِع له في الاتفاقية وخارجها الا وثيقة إعلان الاستقلال التي أصدرتها حكومة اسرائيل المؤقتة في ١٤ أيار ١٩٤٨، والذي أشار فيه إعلان الاستقلال الى القرار ١٨١.

إن قرائتي الجديدة لإتفاقية كامب ديڤيد وملاحقها و أحكامها تجعلني أتساءل :

ما هي حدود دولة إسرائيل التي إعترفت مصر بها في هذه الاتفاقية ؟!

هل هناك غموض حول هذا الأمر …!؟

هذا الغموض ، إذا كان موحوداً ، يجب البناء عليه لتشكيل موقف مصري جديد .

وكما سبق وأن ذكرت، فإنه ، وعند إعلان إقامة دولة إسرائيل في ١٤ أيار ١٩٤٨، فقد أقَرَّت وثيقة إعلان الإستقلال المشار اليها آنفاً بأن حدود دولة إسرائيل هي تلك المرسومة في قرار التقسيم رقم ١٨١ الذي صدر في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧، وفِي الرسالة التي وجهتها الوكالة اليهودية للرئيس الامريكي في ذلك الوقت والمؤرخة في ١٤ أيار ١٩٤٨ ، طلبت الوكالة من الرئيس الإعتراف بدولة إسرائيل ضمن الحدود المرسومة لها في قرار التقسيم.

كما أن الدول التي إعترفت بها فور نشرها لوثيقة ” إعلان الاستقلال” في ١٤ أيار ١٩٤٨ بما فيها الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوڤييتي ، قد اعترفت بدولة ” إسرائيل ” ضمن حدودها المرسومة في قرار التقسيم رقم ١٨١.

وبتاريخ ١١ أيار من العام ١٩٤٩، فان القرار الذي أصدرته الجمعية العامة للامم المتحدة تحت رقم (٢٧٣) القاضي بقبول عضوية اسرائيل في الأُمم المتحدة يشير الى قرار التقسيم رقم (١٨١) ، الذي يرسم حدوداً واضحة جداً للدولة اليهودية التي قضى القرار بإقامتها على ٥٥٪؜ من مساحة فلسطين.

وفِي حينه، فقد أيدت القرار رقم (٢٧٣) ما مجموعه (٣٧) دولة من أصل (٥٨) دولة عضو في الأُمم المتحدة ، وقد إعترفت كل تلك الدول بهذه الدولة وفق حدودها التي أقرَّتها لها الشرعية الدولية والمرسومة في قرار التقسيم رقم ١٨١.

يعترف بدولة الكيان الصهيوني ” اسرائيل ” الآن نحو (١٦١) دولة ، والإعتراف بها مبني على قرارات الشرعية الدولية ، بمعنى بحدود تلك الدولة المُقرّّة لها من قبل الشرعية الدولية ، أي حدودها وفق القرار ١٨١.

لا يوجد قرار دولي واحد أقر لدولة الكيان حدودا جديدة عير حدودها المرسومة بموجب القرار (١٨١) .

التقديم أعلاه، يَجعلني أكثر تشدداً وإنحيازاً لضرورة تمسك الشعب العربي الفلسطيني بحقوقه الوطنية التاريخية، على أن لا تقل عن تلك التي عَرّفها قرار التقسيم رقم (١٨١)، بما في ذلك حَقّه في إقامة دولته الفلسطينية العربية على (٤٤٪؜) من مساحة فلسطين وضمن الحدود المرسومة لدولته في القرار المذكور.

بناء على ذلك ، فإن أية أراضي تُسيطر عليها دولة الكيان الصهيوني خارج حدودها المرسومة في القرار الأُممي رقم ١٨١ هي وحسب معايير وأحكام الشرعية الدولية اراضْ محتلة بالقوة العسكرية، وتخضع لأحكام القانون الدولي في هذا الخصوص.

وأرى ، أن أول ما يجب أن تقوم به منظمة التحرير الفلسطينية في هذا الوقت ، هو إعلان تمسكها وقبولها لقرارالتقسيم رقم ١٨١ ، وأن تُطالب بتفعيل قرارات الشرعية الدولية وذلك فيما يتعلق بإقامة كيان دولتها الفلسطينية العربية ضمن الحدود المرسومة لهذه الدولة بموجب القرار المذكور .

وأن يتم السعي لإنتزاع قرار من جامعة الدول العربية وبلدانها يؤكد تمسكها بتطبيق قرارات الشرعية الدولية الصادرة بحق فلسطين ، وعلى رأسها القرار ١٨١ والذي يرسم بدقة حدود دولة فلسطين العربية ، وبالتالي انتزاع إعتراف عربي بأن الحدود المرسومة لدولة فلسطبن العربية في قرار التقسيم هي الحدود التي تعرف بها لها.

ويتعين أن يتم الإتصال بكل البرلمانات العربية ، والأحزاب العربية الحاكمة ،وغير الحاكمة ، والحكومات العربية، وشن حملة إعلامية واسعة وحملةعلاقات عامة لإنتزاع تأييد رسمي وشعبي عربي لهذا المفهوم ، لأنه المفهوم الوحيد المتوافق مع أحكام الشرعية الدولية وقراراتها ، ولأن عدم التزام الحكومات العربية بهذا المفهوم يعني إنتهاكها لأحكام الشرعية الدولية.

من هنا أرى أن نبدأ ، وأرى أيضاً أن هذا يجب أن يكون في صلب البرنامج الوطني النضالي الفلسطيني الجديد .

أما خاطرة يوم غد ، فبعد تناولي في خاطرة سابقة غزة ، فسأتناول فيها الضفة الغربية ، وأراضي الدولة العربية الفلسطينية المنشودة في قطاعها الذي تقع الضفة في قلبه ، مل ذاك وبما يتوافق مع مقتضيات أحكام القرار الأُممي رقم ١٨١ .

هذا هو رأيي .

عبد الرحمن البيطار