Menu Close

الخاطرة رقم (٨) – الجمعة ١١ كانون الثاني ٢٠١٩

الخاطِرة رقم (٨) – الجمعة ١١ كانون الثاني ٢٠١٩

رداً على ملاحظة للمناضلة ماجدة المصري على ما نَشَرتُ مُؤخراً من خواطر ، كتبتُ لها في ١١ كانون الثاني ٢٠١٩ أقول :

“ماجدة

قبل نحو نصف قرن ، وكُنّا في عِزِّ شبابنا، يا ماجدة ، شاركنا معا في النشاط النِّضالي في ذلك الوقت ،…

لَمْ نُشارِك في حينه في وضع الإستراتيجيات ( للعمل الوطني الفلسطيني ) وفِي صياغة السياسات …!

كانت قياداتنا أكثر إنهماكاً في هذه الامور …

كُنّا في الواقع مُتَلَقِّين ،… وكُنّا ، بلا شك ، نَثِق بقياداتنا ، ونَعمل ونُشارك في تنفيذ البَرامج والسِّياسات ،…

كما كُنّا بين حين وآخر نشارك في الدِّراسة والتعليق وربما النّقد ،…

أنا الآن، يا ماجدة ، أُراجِع إستراتيجيات العَمَل تلك ، البرنامج أو برامج النِّضال التي وُضِعَت ، السياسات التي اتبعت …في تلك الفترة …

وبمراجعتي يا ماجدة ، فإني أعتقد أننا أخطئنا في الكثير من المَحطّات ،… وتوصلتُ الى قناعة بأنه ودون إخضاع إستراتيجيات العمل التي إتُّبِعَت ، والمُتَّبَعة الآن للتحليل والنقد ،.. فإننا سنُكون كَمَن يَجترُّ طعامه، ليعود ويرتكب نفس الأخطاء …

لماذا ، يا ماجدة ، لم نحقق أو تتحقق ، إنجازات حقيقية لشعبنا خلال نصف القرن الماضي …؟

لماذا لم نُحقق قَدْرٌ من حقوقنا الوطنية ومطالبنا يوازي التضحيات الهائلة التي بذلناها أو حتى جُزْءاًً منها …؟

لماذا لم ننجح في إحداث تراكم يُحقق تحولاً نوعياً في حياة شعبنا ، وفِي عملية استرداد حقوقه …!؟

لماذا تزداد عذابات شعبنا، يا ماجدة ، في ساحات الصِّراع كلها داخل فلسطين ، بكل ساحاتها ، وخارج فلسطين في مخيمات تأبيد اللجوء ، وفِي الشّتات …!؟

أين أخطئنا يا ماجدة …؟

هل نستطيع أن نؤشر بأصابع أيدينا على مواضع الخطأ او التقصير ،…؟!

هل ، أخفقنا ، لأن التحديات كانت أعظم ، وعَدُوّنا كان اكثر وعياً وتنظيماً وفعاليةً فقط ؟ …

نعم ، عدونا يا ماجدة ، منظم ، ويملك مَوارد وقُدرات عالية جداً على التعبئة والحَشد والتنظيم ،.. ويملك قدرات وخبرات في القتال وفِي المواجهة …!

وهو أيضاً يملك مراكز أبحاث ودراسات ، ويُخضِع كل سياساته ، وبرامجه وتجاربه للمراجعة والتحليل والنقد ،… ويستخلص منها العِبَر ، ويحاسب قياداته ، ويُغيرها ان استدعى الامر ذلك ،….!

هو لا يتركها تضيع في مجاهل غرف حفظ الملفات او في الذاكرات التي تضعف او تنمحي مع الزمن ….!

لكنَّ ذلك ليس كل شيء، يا ماجدة ….!

شعبنا يَملِكُ أيضاً ، مفكرين ودارسين كبار ،…!

لكن قياداتنا في الحركة الوطنية الفلسطينية ، يا ماجدة ، لم تَتعود على العمل مع هؤلاء وعلى تجنيد المفكرين والدارسين من أجل تحقيق الدِّراسات وفِي بلورة الإستراتيجيات وفِي إستخدامهم في صياغة السياسات ووضع برامج وخطط العمل وفِي مراجعتها باستمرار ….!

في عقد الستينات من القرن الماضي ، أسّسنا ” مؤسسة الدراسات الفلسطينية ” و ” مركز الأبحاث الفلسطيني “…. وجَمَعنا فيها خِيرة من الدارسين والمفكرين ،…

لكن قياداتنا في تلك الفترة وبعدها ، وربما حتى هذه اللحظة ، كانت في واد،… ومُخرجات مؤسسة الدراسات ومركز الأبحاث في واد آخر …وكأنهما في جزيرتين مستقلتين … لا علاقة لهما ببعضهما البعض ….!

وكأن قياداتنا في ذلك الوقت أرادت ، يا ماجدة ، أن تَتخلص من عِبء الإستماع والإنصات والإستفادة مما يخرج به الدّارسين والمُفكرين الفلسطينيين والعرب وغيرهم في هذه المراكز وفِي خارجها ، وذلك من إستخلاصات واستنتاجات ، عبر إلهائهم بتخصيص مراكز ومؤسسات أبحاث لهم ، يُفرِّغوا فيها طاقاتهم وشحناتهم الذهنية والفكرية والسياسية ،…أقول ، وكأن قياداتنا قد فضلت أن تنحاز لتصورات واستخلاصات القادة انفسهم ، وهم ، يا ماجدة ، الذين كانت تشغل بالهم عشرات القضايا والمواجهات والتحديات اليومية، المُهِمّة وغير المُهِمّة ، والتي كانت تستنفذ الجزء الأكبر من وقتهم …!

نعم ، لقد أراحوا ضَميرهم بأن خَصّصوا للمُفكرين والدّارسين الفلسطينيين والعرب مراكز تمتص طاقاتهم في بيروت وربما في رام الله وفِي عمان ودمشق والقاهرة أيضاً

وقد أراحتهم اسرائيل عندما إحتلت بيروت في العام ١٩٨٢ من دراسات مراكز الدراسات ، بأن رَحّلَتها معها عندما إضطرت للإنسحاب من بيروت…!

[ هل تعرفين أين آلت تلك الدراسات بعد استعادتها في اتفاقية تبادل اسرى مع العدو الصهيوني ….

لقد آلت الى احد الأقبية في مدينة الجزائر ، تحتضنها رطوبة المكان …!؟ ]

… لكني ، لا أعتقد يا ماجدة ،… بأن الدّراسات التي صنعها هؤلاء المفكرين والدارسين الفلسطينيين والعرب كانت تُستخدم ( او تستخدم تلآن ) في صياغة إستراتيجيات العمل الوطني الفلسطيني ، وفِي بلورة سياساته وفِي وضع خططه …!

[ قضيتنا معقدة جداً يا ماجدة ، وتحتاج لجهود عشرات الباحثين والدارسين باستمرار ، فوق قدرات وطاقات قياداتنا ومهاراتهم الذاتية ، لمواجهة سياسات واستراتيجيات عدونا المتحركة والمتطورة باستمرار أيضاً ]

كانت سياسات ومواقف الحركة الوطنية الفلسطينية منذ العام ١٩٦٨ يا ماجدة ( وحتى الآن) مرهونة لمرئيات قياداتنا واجتهاداتهم الذاتية ،…! ولَم تكن نتاج دراسات وأبحاث في القضية وفِي إتجاهات السياسة الإسرائيلية ، والعربية ، والإقليمية والعالمية ،

نعم ، لَم يتم الاستناد الى الدراسات والأبحاث في صياغة وإستخلاص ما يُفيد من سياسات ومواقف وبرامج حتى ولو لم يكن له او لها رواج شعبي ….

ماجدة

في الخواطر الأخيرة التي كتبتها ،.. أنا أُحاول أن أخرج برؤى إستراتيجية جديدة ،… وهي بالتأكيد تخرج عن كل أو أغلب ما هو قائم ويتم التعامل به على الساحة الفلسطينية في هذه المرحلة ….

إنّي أرى الآن أن المشروع الصهيوني في مأزق ، وان مأزقه يتفاقم ، ويَتجه إلى مزيد من التفاقم خلال السنوات العشر القادمة ….

وأرى أننا أيضاً في مأزق ،… ومأزقنا أيضاً يتفاقم، ويتجه إلى مزيد من التّفاقم خلال نفس الفترة ،.. وربما خلال فترة أقصر …

لذا ، فإني أرى أن هذا الوقت بالتحديد هو الوقت المناسب لإخضاع البرنامج الوطني الفلسطيني للمراجعة والتعديل للتكيف مع الأوضاع التي تَستَجِد ، ومُساهماتي الراهنة ، لا تستهدف مجرد تفريغ شحنة ،… وإنما توليد قناعة بضرورة إجراء مُراجعة إستراتيجية النِّضال الوطني الفلسطيني وإدخال التعديلات الجذرية الضرورية عليها …!

لقد نَجحت قيادة العمل الوطني الفلسطيني خلال العقد السادس والسابع من القرن الماضي في وقف عملية تغييب الشعب الفلسطيني ( وهي مُهمة عظيمة جداً ، وربما أنها أكبر إنجازات تلك القيادة ) ، ونجحت في إعادته عاملا فاعلاً الى الساحات الثلاثة ؛ الوطنية الفلسطينية ، والعربية والدولية بعد تغييبه ما بين العامين ١٩٤٨ و ١٩٦٤ ،…

لكني أعتقد ، مع ذلك ، أن الاستراتيجيات والسياسات التي إتبعناها في العقدين المذكورين من القرن الماضي ، وما بعدهما كانت تنطوي وما زالت ، على أخطاء جوهرية ، وهي تَستوجب التصحيح الان قبل أن يَستفحل الضّرر ،… !

ومن المُرَجّح ، أن ذلك سيُساهِم من الخروج من أسر مفاعيل الصِّراع العبثي القائم ما بين فتح وحماس في المرحلة الراهنة ،…!

لنخرج مما تعودنا عليه من إستراتيجيات عمل وسياسات وبرامج ، إلى فضاءات تفكير جديدة أيتها المناضلة باخلاص وتفانٍ لا مثيل له ، يا ماجدة

اشكرك على ملاحظاتك يا ماجدة

عبد الرحمن البيطار