السبت الموافق ١٣ كانون الثاني ٢٠١٨
بعد أنْ تناولتُ فُطوري هذا الصباح وكان مكونا من بيضتين مغليتين ” الى حدٍ قريب من الوصول الى الحالة الصلبة” ، وحَبّات من الزيتون الأسود والزّعتر البَّلدي مع الزيت، وخُبز عَرَبي مُحّمَّص ،.. مع فُنجان من القَهوة العَربية ،… طَلَبتُ من مُنى أن تُحَضِّر لي الحَمّام كي أستمتع بدوش من المَاء السَّاخن المُتَدَفِّق بقُوّة من فَتحات شَاوَر حَمّام الشَّقّة ، و ” يَصْفِق جِلْد الجِسْم ” صَفْقاً يكاد يُقارب حدود “الصَفْع”….!
خِلال الفُطور وقَبْلِه ، كنتُ أستمعُ الى مَحَطّة الـ CNN ، وهي تُغطّي ردود الفعل على تصريحات ترامب العنصرية التي وصف فيها بلاداً في إفريقيا وأمريكا الجنوبية على أنها بلادُ ” حُثالات “،… ! وقُلتُ في نَفْسي ؛ ما هذا ..؟!
كيف يمكن أن يَحصُل ذلك في الولايات المتحدة ؟
وإستَدْرَكتُ، وقلتُ :لا ،.. ليس ذلك غريباً ….!
نعم ،.. الولايات المتحدة ودول أوروبا ؛ هذه ديمقراطيات …ولكنها فقط ديمقراطيات لشعوبها– ورُبّما في بعضِ الحالات ليس لكل مكونات تلك الشُّعوب– ، أمّا القِيَم العالَمِيّة وحُقوق الإنسان والمَبادىء الديمقراطية ( وحتى قوانين الشّرعية الدولية ) فهي مَنظومات ، وليستْ مَنظومة واحدة ، وهي تُطَبَّق على نحو كَيْفي – وفِي أحوالٍ كثيرة كأداة ضغط وإبتزاز ، ويَتِم تَناسيها في أحوال أُخرى عندما تَفْرِض مَصالح مُعَيَّنة لتلك الدول ضَرورة ذلك ، وهذه الدُّوَل تَتعامَل بمَعايير مُزْدَوَجة، وتُمارس نِفاقاً لا مَثيل له،.. والوقائع التاريخية القديمة والحديثة شَواهِد على ذلك ، حيث تَمَّ ويَتِم تَحييد أو تَجميد العمل بتلك القِيَم والمَبادىء والقوانين عندما يتعلق الامر بالكِيان الصهيوني ، أو ببلاد أخرى مثل اليمن ، ….!؟
وإذا كان لي أن أسْتَحضِرالتاريخ ، فإنه يَحضُرُني إعلان الرئيس الأمريكي ويلسون في العام ١٩١٩ في خطابه أمام مُؤتمر الصُّلح في باريس بعد الحرب العالمية الاولى نُقاطه الأربعة عشر ، والتي تَضَمَّنَت الإقرار بمبدأ يتمسك بحق تقرير المصير للشعوب التي كانت تحت الهيمنة العثمانية أو الألمانية .
ولما نُظِر َ في المُؤتمر المذكور في أمر مستقبل ومصير فلسطين بإعتبارها أرضاً كانت مَحكومة من قِبَل العُثمانيين، وإحتُلَّتْ من قِبَل بريطانيا في أواخر العام ١٩١٧ ،..فقد تَمَّ إستثنائها من تطبيق هذا المبدأ الذي أعلنه ويلسون نفسه ، وَوَصَل التّمادي إلى حَدِّ إقرار التعامل مع فلسطين وسُكانها وفق معايير مُغايِره أُخرى تقوم على قاعدة إنكار حقوقهم الأساسية والوطنية.
وفِي تناقض تام مع القِيَم التي أعلن عنها الرئيس ويلسون ، فقد إنتهى الأمر بالكونغرس الامريكي والرئيس ويلسون نفسه الى إقرار أن تُوضع فلسطين تحت الإنتداب البريطاني مع تضمين صك الإنتداب على فلسطين شرط إلزام الدولة المُنْتَدَبَة ( بريطانيا ) بأن تُهَيِّء ألأحوال في فلسطين لغايات تطبيق وعد بلفور ، وأن تَكْفَل أيضاً فتح أبواب الهجرة اليهودية إليها لليهود من مختلف أنحاء العالم – هذا في الوقت الذي قَرَّرت فيه الولايات المتحدة وبريطانيا إغلاق أبوابها امام هجرة اليهود اليها ، وفَرَضَت قيوداً على أعداد اليهود المًهاجرين المسموح لهم بالهجرة اليهما، كل ذلك بقصد توجيه اليهود الراغبين بالهجرة للهِجرة الى فلسطين ..!؟ –
أما الإنتداب ، فقد فرضته عُصْبة الامم المنتصرة في الحرب العالمية الاولى على شعب فلسطين ، وكأنه قضاءٌ مَقْضِي ، وحرمته من حقه في إبداء رأيه في فحوى صك الإنتداب وأحكامه ، وفِي مشروعية الوعد ( بلفور ) الذي أصدرته الحكومة البريطانية في تشرين الثاني من العام ١٩١٧ والذي عّبَّرَ عن ” تعاطف حكومتها” مع إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين.
وهو التصريح / الوعد الذي جرَّدت فيه الحكومة البريطانية شعب فلسطين من حقوقه الوطنية والسياسية ،وإعتبرته مُجرد جالية أو طائفة مُقيمة في فلسطين لها حقوق دينية ومَدَنية فقط ، وإعترف في ذات الوقت ، ليهود العالم أجمعين بحقهم التاريخي والديني في فلسطين ، وإعتبرهم وكأنهم ” أغلبية ” فيها ، وإن لم يكونوا قد زاروها على الاطلاق ، وإعتبر أهل البلاد ” أقلية ” فيها، وهُم الذين عاشوا فيها منذ مئات السنوات، وكانوا ما يزالون يُقيمون فيها في ذلك الوقت ..!
ومع كتابتي للسطور أعلاه ، تَذَكّرت مَقولة جمال عبد الناصر ؛
” ما أُخِذَ بالقوة لا يُستَرَدُّ الا بالقوة “،…! وقُلتُ في نفسي، إنَّ قُوة الحق تَتَمظهر في أشكال مختلفة ،…. فهل نحنُ في صراعنا من أجل حُقوقنا نُمارس كل هذه الأشكال بمهارة وجدارة ،..!؟
بينما كُنتُ في الشاوَر ،… فَكّرتُ في البروفسور بيتر دريچر ،… وخاطبتُ نفسي وقُلتُ :
عندما تزور البروفسور في مَكْتَبه ،… تَجِد مكتباً متواضعاً ، أَثاثه ” عَمَلي ” و ” أساسي ” يَخلو من أي قَدْرٍ من ” الفَخامة “، كَرَاسيه خشبية ومَعْدَنِية ، ترتاح على أرضية من بلاط الڤينيل ،.. في غرفة بشُبّاك بلا ستارة ،…
يَجلسُ البروفسور وأمامه شاشة كومبيوتر يقوم هو بإدخال وإستخراج المعلومات منها ، مَلابسه بسيطة للغاية ، وعلى الأرض ، وضع شَنطة الظَّهر Back Bag التي يَحملها عندما يأتِ أو يغادر .
وهو يَنتقل إلى مَكتبه على ظَهْر ” دَرّاجة ” ( بوسيكليت ) ، وعلى الحائط ترى أوراق رَسْم مُعَلَّقَة ، خَطَّ عليها أحد أطفاله رُسومات وأحرف وكَلمات وأشكال بألوان مختلفة ،..!
التواضع والبساطة وعدم التَّكَلُّف هو عنوان كل شيء في الغرفة ، بما في ذاك شخص البروفسور نفسه ، وهَيئته ومَلابسه وطريقته في التعامل ،…
وعندما يأتِ موعد لقاءك معه، يجيئ البروفسور بذاته إلى غرفة الإنتظار ويَصْطَحبك الى الغرفة ، ويُرَحب بك بحرارة ويُصغي لكل كلمة تقولها ، ويُجيب على كل تساؤل تَطرحه ، وتَراه مَشغولاً على الدوام ، بلا وقتٍ ضائع ،…!
ذلك هو سِر نجاح الألمان ؛… جِِدّيّة في العمل ، مهارة ، جدارة ، إتقان ، نظام ، انضباط ، معرّفة عميقة ، مواظبة ، إخلاص ، أمانة ، تَواضع ، بساطة وعدم تَكَلُّف،..!؟
كان أول المُتحدثين معي هذا الصباح ؛ قبل السابعة صباحاً …رعد حناينه، ثم سائدة ،.. وقد أخبرتني أن الجو في عمان صافٍ، بسماءٍ زرقاء ودرجة حرارة تصل الى (١٨) ، مع توقع حصول تغيير في أحواله خلال ساعات المساء ،… أمّا الطقس في هايدلبيرغ هذا اليوم ، فهو أيضاً غائم ، لكنه غير ماطر ،.. مع رياح خفيفة وبَرْد مُحتمل.
كان الغداء “صينية كفْتَه بالطّحينيّة ” ، وكانت ” زاكية كْتيرْ “… !
أما هِبَه ، فقد أمْضَت ساعة أو أكثر في النادي الرياضي التابع لفندق المار