الإثنين الموافق ٢٢ كانون الثاني ٢٠١٨
في التاكسي مع مَسعود الى فرانكفورت .
تأخر إنطلاقنا ساعة كاملة .
سامِر ( صديقنا السائق السوري ) لم يتمكن من القُدوم في المَوعد المُتفق عليه مُدَّعِياً أن حادِثاً كبيراً أغلقَ الطّريق على صديقِه أحمد الذي كَلَّفه بالقدوم بدلاً منه لإِحْضارِنا من هايدلبيرغ ….!
فَقَدَتْ دانا ساعةً كاملةً من الوقت بسبب ذلك ، فمَوعِد مُغادَرة رحلة الاردنية إلى عمان من مطار فرانكفورت هو في الثالثة بعد ظُهر هذا اليوم ،..وكان الترتيب أنْ نَترك هايدلبيرغ معاً في باصٍ صغير إلى فرانكفورت يُوصلها الى المطار أولا، ثم يُوصلنا إلى الفندق في فرانكفورت …. إسْتَقَلَّتْ دانا سيارة إلى المطار ،…..
ونادتْ هِبَه على مَسْعود …
وها نحن في الطريق الى فرانكفورت في تاكسيَّين …!
المُؤسِف أننا لَمْ نتمكن من وداع دانا إلا على التلفون …!
يَلفُّ الضَّباب الطريق ، ويَتَساقط المَطَر …!
حركةُ السّير على الطريق بالإتجاهين سالِكة ، ولا يبدو أن حادِثاً ما قد أغْلَقَ الطّريق …!
هل كان ” أحمد ” صَديق ” سامر ” يَتَذَرٌَع بحادثٍ لم يَحْصُل …!؟
لا أعرف …!
الرِحلة إلى فرانكفورت هي الأولى التي سَمَحَ لي فيها البروفسور بالسَّفر بعد عملية الزِّراعة …!
أما البارحة ، فقد حَلَقتُ ذَقْني مُسْتَعملاً معجون الحِلاقة والفُرشاة لأول مرة منذ ١٩ أيلول ٢٠١٧ ، عِندما دَخلتُ مَركز الحسين للسرطان … أي منذ اربعة أشهر كاملة ويومين …!
جَميلٌ ذلك الشُّعور بالبُرودة المُنْعِشة عندما تَتَكَدَّس رَغوة المَعجون على الخَدّين ، وعندما تُزيلها وتَمسحها شَفرة ماكينة الحلاقة…!
هي أشياءٌ صغيرة لا يُدْرِك المرء قيمتها إلا عندما يَفْقِدها او يُحْرَمّ من ممارستها ..!
فَتَحتَ تأثير كيماويين ما ببن ٢٠ ايلول و١٧ تشرين الثاني من العام ٢٠١٧، فَقَدتُ كل شَعْرةٍ في جِسْمي …! ، وكان أول الشَّعْر الذي تمكنت بُصَيْلاته من الإفلات من مَجزرة الكيماوِيَّين هو شَعْر الذَّقْن والشّارِبين …! اللذان عاودا النمو أولاً …
تَلّقّيتُ قَبْلَ قليل رسالة من صديقة رَفيقة ، رقيقة و جميلة ….
تلك الرفيقة إسمها ” خلود عباسي “،..
أخْبَرَتْني فيها بكلماتها ما يلي :
“مْبارِح تَبَرَّعت بشَعري لمُبادرة إسمها ‘خُصَلْ’ .. بيعملوا بَواريك لمَرضى السَّرطان” ،
وأَلْحَقَتْها بكلمة مُعَبِّرة :
“تْزَكَّرْتَكْ ..!” مع قلب أحمر يشتعل دفئاً وحرارة …!

خُلود … إنسانة رائِعة تَفيضُ ،مُنذُ عَرِفتها أول مَرَّة قبل سنوات، رِقّةً وعُذوبة ….
وكانت ناشِطة ونَشيطة ولا زالت …
لا بل أنها تحمل رؤية ورأياً ثاقباً لغُيوم السماء و لضّباب الطريق ،…
خُلود مُهندِسة ،.. وأَذْكُر حَرَكَتها التي لا تتوقف إبّان إنتخابات مجالس الفروع ومجلس نقابة المهندسين ،…
نعم، هي صاحبةُ رأي وموقف ، كانت ، ولا زالت ….!
لَمْ أسْتَغرب ما قامت به خُلود ،… فَخُلود تَمْلِك رَهَافة في الْحِسْ لا تُبارى .. ، وهي مُنذُ أن عَرِفتها كائنٌ اجتماعي ناشط ونشيط ، يَعْتَز بإنتمائه لمُجْتَمعه، وخِدْمَته لوَطَنه وإلتزامه بقضاياه …! وهي تُجاهر بذلك بجُرأتها المَعهودة…
يا خلود … أنا أَعْتَز بكِ وبِصداقَتِك…!
أنا أكتب هذه الكَلِمات مِنْ على مَقعد في ” لوبي ” فندق Westin في فرانكفورت … !
هِبة تُنْهي مُعاملات الإدخال والحَجْز في مَطاعمٍ في المدينة ،.. ويبدو أنها ” ضَرَبَتْ صُحْبَة ” صَبِيّة كاونتر الإستقبال في الفُندق ..!
جاءَت قبل قليل لتَسْتَشيرني : هل تحجز في مطعم تايلاندي هذا المساء أم لا ؟
شَجَّعتها على المُضِي في الحَجز ، فـ الـأمل التايلاندي Thai Food شَهِي المَذاق ..!
الغُرفة رقم (٣٣٨) التي نَزَلنا بها واسعة ومُريحة ،…! وقد نزلت هِبَه في الغُرفة المُجاوِرة (٣٤٠) …
يبدو أن هناك أصوات أعمال الصيانة والترميم التي تُنَّفَذ في غرف مجاورة ، وقد لَفَتَ هذا الأمر إنتباه هِبَه ،… فإتَّصلت بصَبٍية كاونتر الإستقبال ، وأخبَرَتها أنها تُفَضِّل الإقامة في غَرَف بَعيدة عن إزعاج أعمال الصِيانة والترميم ،.. لذا ، فإننا ، أنا ومُنى ، الآن بإنتظار تغيير الغرف .
أحد الأصدقاء ، أرسل الي هذا الصباح ، صورة لنهر الاردن ، ألتُقِطَت في العام ١٩٠٠.. وتَرى النّهر مليئاً بالمِياه وتَتَدَفَّق به بغَزارة ….
في العام ١٩٠٠، لم يكن المُهاجِرون الصهاينة الى فلسطين قد تَمَكَنّوا منها ،… فكان النّهر حيّاً ، يَفيضُ بالحياة ،.. وكانت الطّبيعة زاخِرة بالأحياء والحياة ، والجمال….!
بعد العام ١٩٤٨ ، عّمِلَ الكيان الصّهيوني على تَجفيف بُحيرة الحولة ، وعلى تحويل مياه نهر الأردن إلى صحراء النّقب لغرضين :
الاول : توفير المياه اللازمة لتبريد مُفاعل ديمونة النووي..!
الثاني : توفير المياه اللازمة للمُسْتَوطنات التي أُقيمت في صحراء النقب، وتلك المُخَطّط إقامتها هُناك لإستيعاب المُهاجرين الجُدُّد من صهاينة النِّصف الثاني من القرن العشرين ،…
وبتمويل أمريكي وأوروبي ،…. تَمَكَّنَت دولة الكيان الصهيوني العُنصري المُعْتَدِية على التاربخ ، والجغرافيا والبشر والمياه والحجر من القَضاء على “أقدس” نهر في التاريخ ، وعلى النهر الذي سُمِّيَت هذه البلاد بإسمه ،.. ” نهر الاردن “…!
هذا النهر ، الذي كان يُغَذّي البحر الميت بالمياه العذبة ،ويُقَلِّل من حِدّة مُلوحة مياهه … أصبحت مِياهه تُغذّي مستوطنات صحراء النقب ، على حساب التاريخ والجغرافيا والبيئة والحياة …!

سَمَحَ المجتمع الدولي ، والدول الإمبريالية المُهَيْمِنة عليه ، لدولة الكيان الصهيوني العِنصري بالقَّضاء على النّهر المُقَدَّس ،.. وإماتته وتَجفيفه …!
ولم يَحتج أحدٌ ما من حكومات هذا العالم ” المُنافِق “.. على مَسلَك وأفعال هذا الكيان وإنتهاكه حُرْمَة بيئة غور الأردن ، ونَهْرِه الذي تُرِك يموت عَطَشاً بعد سِرْقة مياهه ، وبَحْرِه المَيّت الذي تُرَكَت مياهه تَزداد مُلوحة ويَذوى منسوب المياه فيه ،…!؟
نعم ، لم يحتج أحد على الإعتداء الصارخ على التراث والقداسة والجغرافيا والتاريخ والبيئة ، وتُرك الكيان العنصري الإستيطاني الإستعماري الإحلالي المُصْطنَع ..! يَمضي في مُخططاته غير آبه بأي إعتبار ، ومُعتبراً نفسه فوق كل قانون طبيعي او سماوي او بشري ، وبالطبع فوق دستورنا وقانوننا الوطني الذي يحمل بلدنا من النهر الجريح المدني إسمه…!
الغَريب أيضاً، أن تشترك كل أجهزة الإعلام العالمي التي تتحكم بها إمبريالية الغرب في التغطية والتعمية على أفعال هذا الكيان الشاذٌة ، وحِرمان الرأي العام الاوروبي والغربي والعالمي من التّعرف على حقائق الأمور وحجم الجريمة التي إرتُكِبَت بحق النهر المقدس للإنسانية جمعاء ، وبحق نهرنا ؛” نهر الاردن “،
الذي نحمل ” إسمه ” والذي فشلنا في منع هذا الكيان من إماتته وفي المُرافعة عن قضيته أمام الرأي العام العالمي ، والإقليمي والعربي والوطني ، وامام العالم الإسلامي والمسيحي كذلك ..!
هل هناك جريمة أكبر من هذه الجريمة التي شاركنا بصمتنا وسكوتنا في صُنعها …!
أقترح ، وإلى أن نتمكن في مرحلة ما ، من تَصحيح وتَصويب ما أفسدته الصّهيونية العنصرية السوداء بحق نهرنا الجريح ؛ نهر الاْردن ،.. أن نُحَوِّل “متحف الدبابات” الذي يتم إقامته حالياً في أحد ضواحي عمان الى “متحف نهر الاْردن” ، نَعْرِض فيه صُوَراً عن النهر والحياة فيه وحوله ، وتاريخه ….الخ ،
أقول صورٌ من تاريخه الضارب في القِدَم لآلاف السنين وومن صوره حتى الآن ، مروراً على مراحل إغتياله ، وتشكيل لجنة وطنية لتحقيق ذلك ، وفتح باب التبرعات لتمويل إقامته والترويج له ، أو
أن نُخصص جناحاً فيه ، لنهرنا الذي يَستصرخنا منذ العام ١٩٤٨ ولا نسمع نِداءاته ، …!
ذلك هو أقل ما نقوم به ،وفاء لنهرنا المقدس …!
وأخيراً ، وفِي هذا المقام، إسمحوا لي أن أستعير من كبيرتنا زليخة أبو ريشة المُصْطلح الذي تَستخدمه في إنهاء مقالاتِها :
” دعونا لا نفقد الأمل…”!