الجمعة الموافق ٢٦ كانون الثاني ٢٠١٨
بعد أربعة أيام ، تَنتهي مَرْبَعانية الشتاء ، وما ذكّرني باصطلاح ” المَرْبَعانية ” أنّي استلمتُ هذا الصباح من صَديقٍ ، حِكاية التَّسْميات كما أُستُخْلِصت من تُراثِنا ، وكما سَجَّلها الأستاذ عِصام قاقيش ، وأنا أوردُ جُزءاً مما استلمته مع بعض التنقيح :
يَقولُ الأُستاذ قاقيش أن أجدادَنا رأوْا أن فَصْل الشِّتاء في بلادنا مُكَوَّنٌ من قِسْمين :
1- مربعانية الشتاء : و مُدّتها 40 يوماً ، تبدأ من 21 كانون الأول وحتى 30 كانون الثاني ..
2- خَمْسِينِيِّة الشِّتاء :و مُدَّتها 50 يوماً ، تبدأ من 31 كانون الثاني وحتى 21 آذار ..
وتَنْقَسِم الخَمْسينية الى أربعة أجزاء متساوية ، أُطْلِقَ على كل جزء منها إسم يبدأ بـ ” سَعِدْ ….” وكما يلي :
• “سَعِدْ ذابح ” و يبدأ من 31 كانون الثاني وهو كِناية عن البَرد الشديد الذي يحدث في فترته ، ويُعَبَّر عن “سَعِدْ ذابِحْ” بالمَثَل الشّعبي :
(سَعِدْ ذَبَحْ ، كَلْبو ما نَبَحْ ، وفَلّاحو ما فَلَحْ، وراعيه ما سَرَحْ)
• “سَعِدْ بَلَعْ” ويبدأ من 12 شباط ، وسُمِّيَ “بَلَعْ”، لأن الأّرْضَ فيه تَبْتِلع مائَها، فتَفيض الأنهار ، وتَمتلئ الآبار، ويُعَبَّر عن ” سَعِدْ بَلَعْ ” بالمثل الشعبي:
( بِسَعِدْ بَلَعْ، بتِنْزِل النُّقْطة وتِنْبَلِعْ ).
• “سَعِد السُّعود” ويبدأ من 25 شباط وفيه يَكسِر الجو بُرودَته ، ويَميل إلى الدِّفء،ويُعَبَّر عن ” سَعِد السعود ” بالمَثَل الشَّعبي :
(بِسَعِد السّعود ، بِتْدِّب المَيّة بالعُّود ، وبيِِّدْفى كُل مَبْرود ).
• “سَعِد الخَبايا”و يبدأ من 9 آذار ، وفيه تُزْهِر الأشجار ، وتَسْرَح الحَشَرات ، ويَدُبُّ في الأَرْضِ رَبيعها، ويُعَبَّر عن ” سَعِدْ الخَبايا” بالمثل الشعبي :
(بِسَعد الخَبايا ،بتِطْلَعْ الحَيايا ، وتِتفَتَّل الصَّبايا ) .”
ذَكَّرتني هذه الحِكاية ، وتلك المُصْطَلحات والأَمْثِلة ، بوالدتي ” أُمِّ العَبِد ْ” ، فقد كانت تَسْتَخدِم هذه المُصطلحات والأَمْثِلة ،… وكان ذلك هو مِقْياسها لحلول فّصْلَ الشتاء ولِغُروبه..!
الرَّحمة على روحك الطيبة يا أم العَبِد .
وفِي مَعْرَض هذا الحَديث ، فقد تساءَلت؛ هل يَخضع شِتاء هايدلبيرغ لمِقْياس الأَمْثِلة السّائدة في بلادنا ..؟
وبعيداً عن الشِّتاء ، وعن ” سَعِدْ دابِحْ ” القادم إلينا بعد أيامٍ قليلة، ولا نعرف ما سَيَحمله مَعَه من رَسائل ، دَعوني آخذكم معي الى رِحْلة نَزورُ فيها ليلة يوم الجمعة/السبت ١٥/١٤ من أيار من العام ١٩٤٨ .
في تِلكَ الّليلة ، قَرَّرت سُلطات الانتداب البريطاني على فلسطين إستكمال سَحب قواتها ومُوظَّفي إداراتها من فلسطين ، وإنهاء إنتدابها عليها ، مع أن قرار التقسيم (١٨١) أمْهَلها حتى الأول من آب ١٩٤٨ لتحقيق هذه المُهمة.
أمّا فِلسطين ، فكانت في تلك الليلة مَسْرحاً لفَوضى عارِمَة مُمَنهجة صهيونياً بصورة مُسْبَقة ،وذلك بعد أن تَمَكَّنَت قوات الهاچاناة الفاشِيّة والوِحدات الإرهابية الحَليفة لها من “شتيرن” وةالإرغون” – خلال الشهور الخَمْسة السابِقَة لإعلان قيام دولة الكيان في ١٤ أيار ١٩٤٨- من السَّيطرة على مُدُن وبَلْدات وقِرى رئيسيّة على الساحل الفلسطيني ، وفي منطقة الجليل وبَعض مناطق النقب، فقد سيطروا على طبرية (٤/١٩) و حيفا(٤/٢١) و صفد(٥/١٠) و القدس الغربية ( أيار ١٩٤٨) ، وبيسان(٥/١٣) وعشرات القرى والبلدات ، بِما في ذلك عدد من المُدُن والمَناطِق التي تَقع ضمن النطاق المرسوم للدولة العربية الفلسطينية حسب قرار التقسيم ، مثل يافا(٤/٢٥) و عكا( أيار ١٩٤٨ ).
وفِي الساعة الرَّابعة من مَساء يوم الجمعة المُوافِق ١٤ أيار ١٩٤٨ ، قرأ ديڤيد بن غوريون على المَلأ ، إعلان قيام ” دولة إسرائيل ” ، وتَضَمَّنَ الإعلان إشارة الى قرار التّقسيم (١٨١) الذي أَقَرَّتْه الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1947 .
وقد إعْتَبَر الإعلان المذكور أنَّ القرار (١٨١) يَدعو إلى إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل. وبذلك ، تكون الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وبموجب القرار المذكور قد طالبتْ “سُكّان أرض إسرائيل بإتخاذ الخُطُوات اللازمة من جانِبهم لتنفيذ ذلك القَرار”.
وإعْتَبَر الإعلان المَذكور أيضا أنَّ ” إعتراف الأُمم المتحدة هذا بحق الشعب اليهودي في إقامة دولة، هو اعتراف يَتَعَذَّر الرُّجوع عنه أو إلغاؤه”، وأنَّ حق ” الشعب اليهودي في إقامة دولة له ” هو ” الحَق الطبيعي للشعب اليهودي في أن يكون سَيّد نَفْسه ومَصيره ، مِثْلَ باقي الأُمم في دَوْلتِه ذات السِيّادة”.
وفي هذه الليلة كذلك ، أَعْلَنَتْ الولايات المُتَّحِدة إعترافها بـ ” دولة اسرائيل “، وتَبِعَتها بعد ذلك غواتيمالا و أيسلندا ونيكاراغوا ورومانيا وأورغواي و إيران التي كانت قد صوتت ضد قرار التَّقسيم .
أما الإتحاد السوڤيتي فقد إعترف بـ ” دولة إسرائيل ” في ١٧ أيار ١٩٤٨، وتَبِعَته خمسة دول هي بُولندا وتشيكوسلوفاكيا ويُوغسلافيا وايرلندا وجنوب إفريقيا .
وأشار إعلان قيام دولة الكيان إلى أن قِيام سُلْطات رَسْمية ومُنْتَخَبة للدولة طِبقاً للدُّستور الذي تُقِرّه الجمعية التأسيسية المُنْتَخَبَة سيتم خلال مُدَّة لا تتجاوز أول أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1948، وأنَّه ومُنْذُ تاريخ إعلان قيام الدولة وحتى إنتخاب الجمعية التأسيسية الآنفة الذِكْر ، فإن لجان الإدارة والتمثيل المُشَكَّلة في فِلسطين من قِبَل المنظمة الصهيونية في آذار ونيسان١٩٤٨والتي عُرِّفَت فيما بعد بـ’ مَجْلِس الشَّعب ‘ سَوفَ تُمارِس صلاحيات ‘مَجْلِس دَولة مُؤَقَّت ‘.
إنَّ الإشارة في إعلان قيام دولة الكيان الى الدولة اليهودية في قرار التقسيم ، أغْراني أن أعود الى الفقرة (أ) من الجزء الاول من القرار المذكور، حيث وَجَدتُ أنَّ لِسان حال نَص تلك الفقرة يقول :
“• تُنْشأ في فلسطين الدَّوْلَتان المُسْتَقِلَّتان العربية واليهودية، والحُكْم الدولي الخاص بمدينة القدس المُبَيَّن في الجزء الثالث من هذه الخُطَّة، وذلك بعد شهرين من إتمام جَلاء القوات المسلحة التابعة للسلطة المُنْتَدَبَة، على ألا يتأخر ذلك في أي حال عن 1 أكتوبر/ تشرين الأول 1948. أمَّا حُدود الدولة العربية والدولة اليهودية ومدينة القدس فتكون كما وضعت في الجزأين الثاني والثالث أدناه.
• تكون الفترة بين تبني الجمعية العامة توصيتها بشأن مسألة فلسطين وتوطيد استقلال الدولتين فترة انتقالية ”
أمَّا تِلكَ الإنتخابات ، فقد تَمَكَّنَ ‘ مَجْلِس الدَّولة المُؤَقَّت ‘ لدولة الكيان من تنظيمها في ٣١ كانون الثاني ١٩٤٩ ، أي بعد أربعة أشْهُر من المَوْعِد المُحَدَّد لها في قَرار التقسيم .
أما الإعلان الذي تم أذاعته في ذلك اليوم من أيار ١٩٤٨، فهو يقول :
“أرض إسرائيل هي مَهْد الشَّعب اليهودي، هُنا تَكوٌَنَت شخصيته الروحية والدينية والسياسية، وهنا أقام دولة للمرة الأولى، وخَلَقَ قِيما حَضارية ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كِتاب الكُتب الخالد.
بعد أن نُفِيَ عُنْوَةً من بلاده، حافظ الشعب على إيمانه بها طيلة مُدة شَتاته، ولم يَكُف عن الصلاة أو يَفقد الأمل بعودته إليها واستعادة حريته السياسية فيها.
سعى اليهود جيلا تِلْوَ جيل مدفوعين بهذه العلاقة التاريخية والتقليدية إلى إعادة ترسيخ أقدامهم في وطنهم القديم، وعادت جماهير منهم خلال عقود السنوات الأخيرة.. جاؤوا إليها رُوَّادا ومُدافعين، فجَعلوا الصَّحارى تَتَفتح وأَحْيوا اللغة العِبْرية وبَنوا المدن والقرى، وأَوْجَدوا مِجتمعاً نامياً يُسَيطر على اقتصاده الخاص وثقافته.. مُجتمعاً يُحَب السّلام لكنه يعرف كيف يُدافع عن نفسه، وقد جَلب نِعْمَة التَّقدم إلى جميع سكان البلاد وهو يَطْمحُ إلى تأسيس أمة مستقلة.
انعقدَ المؤتمر الصهيونى الأول في سنة 5657 عبرية (1897 ميلادية) بِدعوة من ثيودور هرتزل الأب الروحي للدولة اليهودية، وأعلنَ المؤتمر حَق الشعب اليهودي في تحقيق بَعْثِه القومي في بلاده الخاصة به.
واعترفَ وَعْد بَلفور الصادر في 2 نوفمبر (تشرين الثاني) 1917 بهذا الحق، وأكَّده من جديد صك الانتداب المُقرر في عُصْبِة الأمم، وهي التي مَنَحت بصورة خاصة موافقتها العالمية على الصِلّة التاريخية بين الشعب اليهودي وأرض إسرائيل واعترافها بحق الشعب اليهودي في إعادة بناء وطنه القومي.
وكانت النَّكبة التي حَلَّت مُؤخرا بالشَّعب اليهودي وأَدَّت إلى إبادة ملايين اليهود في أوروبا دَلالة واضحة أُخرى على الضرورة المُلِحّة لحل مُشْكِلة تَشَرُّده عن طريق إقامة الدولة اليهودية في أرض إسرائيل من جديد.. تلك الدولة التي سوف تَفْتَح أبواب الوطن على مِصْراعيه أمام كل يهودي، وتَمْنَح الشَّعب اليهودي مكانته المرموقة في مُجتمع أُسْرّة الأمم حيث يكون مؤهلا للتَّمَتُّع بكافة امتيازات تلك العضوية في الأُسرة الدولية.
لقد تابعَ الذين نَجَوا من الإِبادة النّازيّة في أوروبا وكذلك سائر اليهود في بقية أنحاء العالم عَملية الهِجرة إلى أرض إسرائيل غير عَابِئين بالصُّعوبات والقُيّود والأخطار، ولم يَكِفُّوا أبدا عن تَوْكيد حَقِّهم في الحياة الحُرّة الكريمة وحياة الكَدْح الشّّريف في وطَنِهم القومي.
وساهمت الجالية اليهودية في هذه البِلاد خلال الحرب العالمية الثانية بقِسْطِها الكامل في الكِفاح من أجل حُرِّية وسَلام الأُمم المُحَبّة للحُرِّية والسلام وضِدَّ قوى الشر والباطل النّازيّة. ونالتْ بدماء جُنودها ومَجْهودها في الحرب حَقّها في الإعتبار ضِمْن مَصاف الشُّعوب التي أَسَّسَت الأُمم المُتَّحدة.
أَقَرَّتْ الجَمْعِيَّة العامة للأُمم المُتَّحِدة في التاسع والعشرين من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1947 مشروعاً يدعو إلى إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل. وطَالبتْ الجَمعية العامة سُكّان أرض إسرائيل باتخاذ الخطوات اللازمة من جانبهم لتنفيذ ذلك القرار. إنَّ إعتراف الأمم المتحدة هذا بحق الشعب اليهودي في إقامة دولة هو إعترافٌ يَتَعَذَّر الرُّجوع عَنْه أو إلغاؤه.
إنَّ هذا هو الحَق الطبيعي للشعب اليهودي في أن يكون سَيّد نَفْسه ومَصيره مثل باقي الأُمم في دَوْلتِه ذات السِيّادة.
وبناءً عَليه، نَجْتَمِعُ هُنا نَحْنُ أعضاء مَجْلِس الشَّعب ممثلي الجالية اليهودية في أرض إسرائيل والحركة الصهيونية في يوم إنتهاء الإنتداب البريطاني على أرض إسرائيل. وبِفَضْلِ حَقِّنا الطبيعي والتاريخي ، وبِقُوّة القرار الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، نَجْتَمِعُ لنُعْلِن بذلك قيام الدولة اليهودية في أرض إسرائيل والتي سَوفَ تُدعى “دولة إسرائيل”.
ونُعْلِنُ أنّه مُنْذُ لَحْظة إنتهاء الإنتداب هذه الليلة عَشِيّة السَّبت في السادس من مايو (أيار) سنة 5708 عبرية (الموافق الخامس عشر من مايو سنة 1948 ميلادية) وحتى قِيام سُلْطات رَسْمية ومُنْتَخَبة للدولة طِبقاً للدُّستور الذي تُقِرّه الجَمعية التأسيسية المُنْتَخَبَة في مُدَّة لا تَتجاوز أول أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1948.. مُنْذُ هذه اللحظة سوف يُمارِس ‘مَجْلِس الشَّعب’ صلاحيات ‘مَجْلِس دَوْلة مُؤَقَّت’ وسوفَ يَكون جهازه التنفيذي الذي يُدعى “إسرائيل”.
وسَوف تَفْتّح دولة إسرائيل أبوابها أمام الهِجْرة اليَهودية لتَجميع شَمْل المَنْفِيّين، وسوف تَرعى تَطَوّر البلاد لمَنْفَعة جّميع سُكٌَانها دون تَفْرِقة في الدٌِين أو العُنْصر أو الجِنْس.
وسوف تَضْمن حُرَّية الدّين والعَقيدة واللغة والتعليم والثقافة، وسوف تَحمى الأماكن المقدسة لجميع الديانات وسوفَ تَكون وَفِيّة لمبادئ الأمم المتحدة.
إنَّ دولة إسرائيل مُسْتَعِدّة للتعاون مع وكالات الأُمم المُتَّحِدة ومُمَثِّليها على تَنفيذ قرار الجَمعية العامة في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 1947، وسوف تتخذ الخطوات الكفيلة بتحقيق الوِحدة الإقتصادية لأرض إسرائيل بكاملها.
وإننا نُناشِد الأُمم المتحدة أن تُساعد الشعب اليهودي في بِناء دَولته، ونَحن نَسْتَقبل دولة إسرائيل في مجتمع أُسْرَة الأُمم.
ونُناشِد السُكّان العرب في دَولة إسرائيل وسْطَ الهُجوم الذي يُشَن علينا ومنذ شُهور أن يُحافِظوا على السَّلام، وأن يُشارِكوا في بِناء الدَّولة على أساس المُواطَنة التّامة القائِمة على المُساواة والتَّمثيل المُناسِب في جَميع مؤسسات الدّولة المؤقتة والدائمة.
إننا نَمِدُّ أيدينا إلى جَميع الدّول المجاورة وشُعوبها عارضين السلام وحُسْن الجوار، ونُناشدهم إقامة روابط التعاون والمُساعدة المُتبادلة مع الشعب اليهودي صَاحِب السيادة والمُتَوَطِّن في أَرضِه. إن دولة إسرائيل على إستعداد للإسهام بنَصيبها في الجُهد المُشتَرَك لأجلِ تَقَدُّم الشرق الأوسط بأجمَعِه.
وإننا نُناشد الشّعب اليهودي في جميع أنحاء المنفى الإِلتفاف حول يهود أرض إسرائيل ومُؤازرتهم في مَهام الهِجرة والبِناء والوُقوف إلى جانبهم في الكفاح العظيم لتحقيق الحُلْم القديم.. ألا وهو خَلاص إسرائيل.
إننا نَضَع ثِقَتَنا في الله القَدير ، ونَحنُ نُضيفُ توقيعنا على هذا الإعلان خلال هذه الجَلْسة لـ ‘مَجْلِس الدَّوٍلة المُؤَقَّت’ على أرضِ الوطن في مَدينة تل أبيب عَشِيّة هذا السبت اليوم الخامس من مايو (أيار) سنة 5708 عبرية (الموافق الرابع عشر من مايو 1948).”
ووَقَّعَ على الإعلان ثمانية وثلاثون عُضواً من أعضاء ما تمً تَسْمِيَته فيه بـ ‘مَجْلِس الشَّعب ‘، ولم يَتَمَكَّن ثلاثة من أعضاء المَجْلِس التوقيع على الإعلان ، لأن إثنين مِنْهُم كانا محصوران في مَنطقة القدس غير قادِران على الوُصول إلى تل أبيب ، وكان الثَّالِث في الولايات المتحدة .
يفتح الأعلان الآنف الذكر الشََّهِيّة لمزيد من البحث والحاجة الى قراءة أكثر تعمقاً ،… فالمُنَظَّمة الصهيونية العالمية التي حَمَلَت على عاتِقها عِبء إقامة الوطن القومي اليهودي قد تَمَكَّنَت خِلال نِصْف قَرْن فقط من تاريخ إنعقاد المُؤتمر الصّهيوني الأول في آب ١٨٩٧من النّجاح في إنجاز ما يلي :
١- إقناع دولة عُظمى ( بريطانيا )بعد عشرين سنة من العمل المنظَّم والمُكَثَّف، بأن تُصدِر إعلاناً ( وعد بلفور) إلتزمت فيه بالعمل على إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين . كان ذلك في ٢ تشرين الثاني من العام ١٩١٧، وكانت قواتها في ذلك اليوم تحتل الأجزاء الجنوبية من فلسطين وتقترب من القدس.
٢- إقناع بريطانيا – وهي الدولة العظمى المنتصرة في الحرب الكونية الاولى – التي كانت قد إحْتَلَتْ مدينة القُدْس في كانون أوَّل ١٩١٧ ( وكامل فلسطين في تشرين أوَّل ١٩١٨) بأن تَعْمَل على تَرْجَمة إلتزامها الذي أصْدَرَته في مَطْلَع تِشرين الثّاني ١٩١٧ إلى سِياسَات وإجراءات وأفعال على أرض الواقع وذلك طيلة فترة إحتلالها لفلسطين والى حين سحب آخر قواتها منها في ٢٥ أيار ١٩٤٨ ، مروراً بِمَحَطَّة إقرار عصبة الأُمم لصك الانتداب على فلسطين في ٢٤ تموز ١٩٢٢.
٣-تحويل الإلتزام البريطاني ( وعد بلفور ) والمَشروع الصَّهيوني الذي حَمَلته المنظمة الصهيونية العالمية إلى إلتزام دُوَلِي بإقامة الوَطَن القَوْمي اليهودي في فلسطين وذلك عبر تَضْمين هذا الإلتزام في صَكِّ الإنتداب على فلسطين الذي أقرته عُصْبة الأُمم في ٢٤ تموز ١٩٢٢ ودَخَلَ حَيِّز التّنفيذ في أيلول ١٩٢٣، وذلك بعد توقيع الدولة التُّركية على إتفاقية لوزان في٢٤ تموز ١٩٢٣.
٤- رَفْع عَدَد اليهود في فلسطين من حوالي (٨٦) الف مهاجر في العام ١٩٢٢ الى (٥٢٠) ألف يهودي (فلسطيني ومُهاجِر) في كانون أول من العام١٩٤٧، عبر فتح أبواب فلسطين للهجرة اليهودية خلال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين ، وتمكين الصهاينة اليهود في فِلسطين خلال هذه الفترة من السيطرة على مقاليد الأمور الاقتصادية والإدارية فيها ، وفِي إنشاء قوة مسلحة ذات وزن وتأثير.
٥- نَقْل الإلتزام الدولي بإقامة الوَطن القومي اليهودي في فلسطين من عُصْبة الأُمم – التي تَمَّ حلَّها في نيسان ١٩٤٦– إلى مُنَظَّمِة الأُمَم المُتَّحدة التي أُعْلِنَ تشكيلها في فرانسيسكو في تشرين أول ١٩٤٥، وشارك في تأسيسها ستة دول عربية ( مصر ، العراق، السعودية ، لبنان ، سورية واليمن ) .
٦-إستثمار المأساة التي حَلَّت بيهود أوروبا على يد النازيين قبل وخلال الحرب العالمية الثانية ، لإستدرار عَطْف الدُّول الأوروبية وبلدان العالم لتأييد مَشروع تقسيم فلسطين وإقامة دولة لسكانها اليهود والفلسطينيين العرب على جزء من أرضها ، وحَل مُشكلة يَهود أوروبا بتهجير من يرغب منهم إليها، على حِساب الحقوق الوطنية للشَّعب الفلسطيني العَرَبي في وطنه ، وذلك عَبْر دَفع الجمعية العامة للأُمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ لإصدار القرار ١٨١ الذي قضى بتقسيم فلسطين ، والتخصيص لها بموجبه للحِصّة الأكبر من أرضها ( حوالي ٥٥٪ من مساحة فلسطين ) وذلك بقصد تمكينها من إستيعاب اللاجئين اليهود المُقيمين في مخيمات اللجوء في أوروبا (٥٥٪) في نطاق الأرض المخصصة لها بموجب القرار ، هذا مع تخصيص حوالي (٤٤٪) من مساحتها للدولة العربية الفلسطينية ، ووضع منطقة القدس وسكانها الفلسطينيين العرب واليهود تحت حكم دولي ، وهي بمساحة تقرب (١٪) من اجمالي مساحة فلسطين.
٧-النجاح خلال الفترة الممتدة من تاريخ صدور قرار التقسيم وحتى نهاية العام ١٩٤٨، مروراً بتاريخ انسحاب قوات الانتداب البريطاني وقبله في تطبيق الجزء الأعظم من خطة التطهير العِرْقي المُعَدَّة مُسْبَقاً للجزء الأكبر من السُّكان الفلسطينيين العرب ، وطَرْدهم من قُراهم ومُدنهم وبواديهم الكائنة في الأراضي المُخصصة بموجب قرار التقسيم للدولة اليهودية وتلك الواقعة في ما يقارب في نصف أراضي الدولة العربية الفلسطينية وكذلك من الأحياء السكنية لمدينة القدس وقراها ، ومنع المُهَجّرين الفلسطينيين، ومن غادرها طوعاً منهم من العودة إليها ، ، وذلك عبر مُمارسة أعمال القتل والتدمير والإرهاب المُنَظَّم والمُخطط مُسْبقاً، من قِبَل المُنظمات الصهيونية الفاشية المُسَلَّحة ( الهاچاناة، شتيرن ، الإرغون) التي تم بناءها في فلسطين من قبل المُهاجِرين اليهود اليها خلال فترة الإنتداب البريطاني على فلسطين وعلى مرآى قوات سلطات الإنتداب.
٨- النجاح بعد إعلان إقامة الدولة اليهودية في فلسطين في ١٤ أيار ١٩٤٨ من التغطية على عمليات التطهير العِرْقي ، والتهرب من مسؤولية تطبيق القرار١٨١ بما في ذلك مسؤولية إعادة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم واعادة ممتلكاتهم المنهوبة او المسيطر عليها اليهم بموجب احكام القرار ١٩٤ ، والنجاح كذلك في إلحاق الهزيمة بالقوات العربية التي دخلت فلسطين ، هذا في ذات الوقت الذي نجحت فيه في إقامة وتفعيل مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية ونقل عدد منها الى مدينة القدس وتعطيل تطبيق الأحكام الواردة في قرار التقسيم المتعلقة باقمةًحكم دولي لمنطقة القدس.
تلك هي الإنجازات التي أحدثت التراكمات اللازمة والتي كانت كافية لتحقيق الهدف الصهيوني الذي رسمته القيادة الصهيونية قبل نصف قرن من تاريخ الإعلان عن قيام دولة الكيان ، ووفق الإستراتيجية التي وضعت تفاصيلها قيادات العمل الصهيوني في ساحتي فلسطين وخارجها ، وعملت على إدامتها وتطبيقها بدأب ومواظبة وبتفاني وعلى نحو مُنَظّم ومُنْضَبٍط …!
اذا كان “إعلان إقامة دولة الكيان الصهيوني” الذي أصدرته الوكالة اليهودية في فلسطين ، بموجب قرار التقسيم رقم ١٨١، يقول نصاً وعلى نحو صريح ، بأنَّ إعتراف المنظمة الدولية بحق إقامة الدولة اليهودية في الجزء المخصص لها في قرار التقسيم هو “إعتراف يَتعذر الرجوع عنه أو إلغاءه” ، فهذا الحق ، ذاته ،لا أكثر ولا أقل ، يَنْطَبِق بحذافيره أيضاً على الحق بإقامة الدولة العربية الفلسطينية في فلسطين، وينسحب كذلك على حق عودة وإعادة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم في الأراضي المُخَصَّصة في القرار المذكور للدولتين ولمنطقة القدس أيضاً بما فيها حق إستراد مُواطنتهم وإعادة مُمتلكاتهم لم.
ويبقى السؤال :
أين هي استراتيجيتنا في هذا الخصوص ؟
وهل تمكنّا مِن تحقيق أي تراكمات ذات معنى منذ نكبتي ١٩٤٨ و١٩٦٧ …؟
الوقت لم يَفُتْ بعد ،… !
قضيتنا عادلة ، لكن معركتنا طويلة وصعبة ….!