Menu Close

دعونا نُبْحِر معاً في بُحور صك الإنتداب على فلسطين ( ١٩٢٢) وقرار تقسيمها رقم ١٨١( ١٩٤٧) … هي رحلة خُضْتها في هايدلبيرغ في ٢٧ كانون الثاني من العام الفائت (٢٠١٨) ،… في ذلك اليوم ، كتبتُ أقول :

السبت الموافق ٢٧ كانون الثاني ٢٠١٨

الكِتابَة عن فِلسطين مُوجِعَة،.. لكن الوَجَع الأكبر لا بل الطّامةُ الكُبْرى تَكْمُن في أنْ لا نَنْجح في نَقْلِ الوعي بالأحداث الماضية ، أو ما هو مُهِمٌ فيها ، وكما حَصَلتْ بِدونِ تَزْويق أو تَزْييف أو تَشْويه إلى أبناء الجِّيل الصّاعد من شَعبنا المِعْطاء .. وفي إتاحة المَعلومات بِخُصوصِها لَهم ، لِيُكَوِّنوا هُم رَأْيَهُم فيها ، ولتَمْكينِهم هُم من إستخدامها في الوّقت وعلى النَّحو وبالشَّكل الذي يُتْقِنونه أكثر ، كَيْ يَكون التأثير على أفراد وجَماعات الجيل الذي ينتموا إليه في عالم اليوم ، ومن كل الأعراق والأجناس والمُعْتَقدات ، داخل البلاد وخارجها ، وَبِكل الُّلغات، أّكْثَرُ وَقْعاً وأعمقُ تأثيراً .

ذلك هو أقل ما يُمْكِن أن يَفْعَله جيلنا وهو يُسَلِّم رايات النِّضال ومُواصلة المَسيرة إلى الجِّيل الصَّاعِد من أبناء شعبنا ..

وهذه الغاية هي واحدة من الغايات التي أرنو أن يُتاح لي شرف المُشاركة في تُحقيقها من وراءِ سُطورِ يومياتي هذه . ولا أعرف إِنْ كُنتُ بِأُسلوبي في الكِتابة ، وطَريقتي في تقديم المَعْلومة قادِراً على إختراق حَواجِز الزَّمَن والأجيال للوصول إلى قُلوب وعُقول شَريحة أو قِطاع من أبناء الجِّيل الصَّاعِد في بلادنا .

وأنا أكتبُ هذه السُّطور ، رَنَّ جَرَس الإنذار في موبايل هِبَه ، مُؤْذِناً بأنَّ مّوعد تَناول نَوْبة جديدة من جُرَع الدَّواء قد أَزَف …، فَقُمْتُ مِطْواعاً من مَقْعَدي ، وتَناولتُ الدواء ،…

جَرَسُ الإنذارِ هذا ، يَقْرّع عَشْر مَرّات في اليوم ،… وقد أَصْبحَ يُثيرُ أعصابي ،… ! ، ولكنَّ المُديرة ” هِبَه ” صارِمة ، ولا مَزْحَ معها في أِمورِ الدَّواء ، وهيَ لي دَوْماً بالمِرْصاد ،… فلا مَجال للتَّأَخُّر في الإستجابة أو التهرب من تَناول الدَّواء وبمواعيده تماماً …!

عُدْتُ قبل قليل من رِحْلَة زُرتُ فيها أحد الأصدقاء الذي جاء من عمّان قبل نَحْوِ أُسبوع والذي خَضع لعملية دقيقة في مُستشفى هايدلبيرغ تم فيها استخدام تكنولوجيا عالية التَّقنية في إزالة وَرَم سَرَطاني بإستخدام تَقنية ” داڤينشي روبوت “،،.. !

ومَعْ أنَّ العَمَلية قد نُفِّذَت صباح يوم الأربعاء ، الا أنه سُمَحّ له بالخُروج من المستشفى يّوم أمس ( أي بعد يومين فقط من إجرائها) ، ورأيته بعد ظُهرِ هذا اليوم في غُرفتة في الفندق، بأحوالْ جيدة جداً…

ما إسترعى إنتباهي في هذه العملية أنَّ تَنفيذها يَقتضي أن يَكون المَريض في وَضْعٍ شِبْه ” شاقولي ” : رأسه الى الأسفل ، ورجليه إلى أعلى ، ولمدة ثلاثة ساعات أو أكثر ، …!

المُهِم ، أنَّ العَمَلية قد إنتهت بنَجاح كامل ، وأن المَريض في صِحّة جَيِّدة ويَتعافى .

كُنْتُ ، دَوْماً أسألُ نَفْسي ؛ كيف إسْتَقْبَلت فلسطين قرارَ التّقسيم ..؟

ما هُوَ مَشهد الأحداث فيها صَبيحة اليوم التالي لصُدور القرار ….؟

لم أكنْ حينها قد وُِلِدت ، فقد أَبْصرت النّور في ١١ حزيران ١٩٤٨ ، أي بعد صُدور القرار بسِتّةِ أشهر وإثنا عشر يوماً في ليلةِ الهُدْنَةِ الأولى ما بين ” الوِحْدات العَسْكرية العربية ” التي دَخَلَتْ فِلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨، و وِحْدات “الهاچاناة” والمُنظمات الإرهابية الصهيونية الرديفة لها .

لا أعرِف إلى أي حَدٍ كان ” القِتال ” قد بَلّغَ مَداه فيما بين الوِحْدات العَسكرية العَرَبية والصّهيونية على أرض فلسطين عَشِيٌة إعلان تلك الهُدْنة …!، فقد رأيتُ أنَّ إعلانها ووقف القتال بعد (٢٦) يوما فقط من بِدْءه هو امرٌ مُبَكِّر وإستغربت حُدوثه في هذا الوقت وقبل حَصْد بعض النتائج على أقلِّ تقدير ….. ؟!

وَلَمْ أَكُنْ أعرِف ، ولا أعرِف حتى تاريخه مَن بادرَ بِطَلبِ الهُدْنة ، ولِمَ …!؟

على أي حال وبعد هذا العُمْر ، فإنّي لَمْ أَعُد أسْتَغْرِب قِصَرَ وَقْت القِتال في المواجهات العربية الصهيونية النظامية الرَّسمية ،وطَلَب وَقْفِه ، وذلك بعد أن عِشْتُ وصُدِمتُ بنتائج تَجْرُبة حَرْب حزيران ١٩٦٧ المُرَّة والمريرة ، حين حُسِمَت المعركة وتَوَقَّف َ القِتال عَمَلِياً بعد خمسة أيام ، لا (٢٦) يوماً كما حصل في مُواجهات أيار / حزيران عام ١٩٤٨.

جيلنا لم يُعْطِ إهتماماً كافياً للإِلمام بتفاصيل تِلْكَ المَرْحلة من الزَّمن ، ومَعارِفه عنها غالباً ما تكون سَمْعِيّة عن الرُّواة ، وهي ليْسَتْ كافية ، وبالتأكيد تَنْقُصها الدِقّة …!

لذا ، فقد بَقينا على غيرِ مَعْرَفة أو إدراك كافٍ بحَقيقة مَوازين القوى في تلك الفترة ، وبَقِيَتْ تَساؤُلات مثل ؛

كيف إنهزمنا ولِمَ إنهزمنا …!

تَساؤُلات مَشروعة حتى تاريخه …!

لَمّا صدر قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، كان مُمَثِّلوا سِتّة دُوَل عَرَبية في تلك الجَلْسة ، وقد عارضوا القَرار ( السعودية، مصر ، سوريا ، لبنان ، اليمن ، العراق ) مع سَبْعة دُوَل أُخرى .

كنتُ أبحث بين الوفود العربية عن مُمَثِّلٍ لفلسطين ، فلم أَجِده .

فلسطين كانت على المَشْرَحة يجري ” تَمزيقها ” و ” تَحصيصها “، ولكنها كانت غائِبة أو مُغَيَّبة .

وهي كانت مُغَيَّبة عند إحتلال بريطانيا لفلسطين في كانون أول ١٩١٧، وكانت عِنْدها في عُهْدة العثمانيين وفِي حُضْنِهم .

القوات البريطانية التي إحتلت فلسطين في العامين ١٩١٧ و ١٩١٨ كانت عند عبورها من أراضي مصر العربية ، عَبْر صحراء سيناء، وأراضي بلاد شرق الاْردن صوب فلسطين ، تلقى مُساندة فعالة ، ومُشاركة ، من قبل وحدات من قوات الثورة العربية الكبرى ضد العثمانيين،… !

نعم ، لقد شاركت تلك الوِحدات تحت وهم أنهم قوات التحرير للأراضي العربية السورية وأراضي بلاد الرافدين من نير الإستبداد العثماني…!؟

وتم تغييبها ( أي فلسطبن والفلسطينيين ) كذلك عندما أصدرت بريطانيا ما نُسَمّيه نَحنُ ” وَعْد بَلفور ” ، وما يُسَمِّيه أصحاب الوَعْد ” تَصريح بَلفور ” ، والذي أصدرته الحكومةالبريطانية في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ بعد مُشاورات مُكَثّفة مع ممثلي الحركة الصهيونية في بريطانيا وخارجها ، إمتدت لنحو عام أو أقل ، وأيضاً مع الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون ، ولكن دُون استشارة أي ٍ من أهل البلاد وأصحابها ، هذا على الرغم من أن قَنَوات الإتصال الرسمي بينها وبين الشريف حسين باعتباره مُمَثِّلاً للجانب العربي كانت مَفْتوحة منذ العام ١٩١٥ ، لا بَلْ وأبكَر ، إلا أنه يبدو أنها ( أي بريطانيا ) لم تَجد أي ضرورة أو لم يكن لديها الحافِز ، لا بل لم تكن لديها الرَّغبة في التباحث حول فلسطين- وهي جزء من المَنطقة التي كان الشريف حسين يُطالِب بريطانيا بالإعتراف بِمُلْكِه عليها- لا مع الشريف ولا مع أيٍ من سُكان فلسطين .

لقد إكتفت بريطانيا بالتباحث مع ممثلي الحركة الصهيونية لتَقرير مَصير البلاد، لأنها كانت تعرف ما تريد .

لذلك وإنطلاقاً من الحَيثيات أعلاه ، فقد بلغ التمادي البريطاني حداً غَير مَعقول عندما قَرَّرَت أيضاً المُضي في تَغييب فلسطين والفلسطينيين عند إعدادها لمُسَوَّدِة صَكِّ الإنتداب ، وعند تقديمه لعُصْبِة الأُمم ، وعند إقناع العُصْبة بإقراره ، ونقله الى حيّز التنفيذ في أيلول ١٩٢٣،…

إذنْ ،كان تغييب بريطانيا لفلسطين والفلسطينيين – وَمَنْ تَبِعَها بعد ذلك ( الولايات المتحدة وفرنسا ) في عُصبة الأُمم – في تلك المرحلة مَقْصوداً وعن سابق إصرار وتَرَصُّد.

كان التّغييب بِحَد ذاته فاضحاً ومُخزياً ومُحزِناً ، ومع أنٌَ الرئيس الأمريكيِّ ويلسون قَدْ شّدَّدَ في الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر ” الصُلْح ” أو ” السّلام ” الذي إنعقد في ڤيرساي في العام ١٩١٩على مَبدأ حق الشعوب -التي كانت مَحكومة من قبل تركيا وغيرها – في تَقرير مَصيرها ، إلا أنه تغاضى عن تطبيق هذا المَبدأ في حالة فلسطين ، ومَضى في حَذو بريطانيا في تأييده لوعد / تصريح بلفور على إعتبار أنَّ “وَعْد “أاو ” تَصريح ” بلفور قد بَتَّ في مَصيرها سَلَفاً لصالح إقامة وطن قومي لليهود فيها ، وحَسَمَه بصورة نهائية ، وكأنه قَدَرَاً مَقْضياً لا يَملك سكان فلسطين ، أي شعبها ، حق الإعتراض عليه ولا مُقاومته.

كانت بريطانيا تُدْرِك ، وكذلك الولايات المتحدة ، ودُوَل مجلس العُصْبة والدول الأعضاء فيها -ولم يكن بينهم كيانٌ عربي سوى ” مملكة الحجاز ” ( التي كانت قد أعلن الشريف حسين عن إقامتها في ٢ تشرين الثاني من العام ١٩١٦) – أنَّ أَخْذ رأي الشّعب الفلسطيني في موضوع ” إقامة ” وطن قومي لليهود في فلسطين ، وفَتْح باب هجرة اليهود اليها ، سوف يُقابله الفلسطينيون العرب بالرفض المُطْلَق . وقد كان بإمكان بريطانيا ان تَسْتَفْتي سُكّان فلسطين للتعرف على موقفهم وذلك بعد أن إحتلت تلك البلاد في كانون أول ١٩١٧، ولكنها لم تفعل ، ولم يكن في نِيَّتِها أن تفعل ، لأنها كانت قد قَرَّرَت مُسْبقاً هي والولايات المتحدة – وأَقْنَعَتْ مجلس عُصبة الأُمم فيما بعد – أنْ لا حاجة لأخذ رأي الشعب الفلسطيني في أمرٍ من المُؤكد لها أنه سَيَرْفُضه ، ولأن أخذ رأيه في أمر إقامة وطن قومي لليهود في أراضيه من شأنه أن يُؤدي الى وضع عراقيل في طريق تحقيق المَشروع الصهيوني الإستيطاني إلاستعماري الذي تَبَنَّته الحكومة البريطانية بصورة رَسمية قَبْلَ أنْ تَسْتَكْمِل إحتلال فلسطين ( في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧) .

وبذلك تكون بريطانيا أولاً ثم الولايات المتحدة ، وأيضاً دُوَل عُصْبة الأُمم ومجلسها قد قَرَّروا – بصورة مُنفردة ، وبعد أن تَصَرَّفوا بحُقوقه الوطنية والسياسية واختزلوها – أن ما يَسْتَحِقه هذا الشعب من حقوق لا يَجب أن تتعدى حَيّزَ ” الحقوق الدينية والمَدَنية ” ، بإعتبار أنهم مُجَرَّد مجموعة بَشَرية مُقيمة على أرض فلسطين وسَمَحوا لقومٍ آخر تُمثله الحركة الصهيونية أن يقيموا في البلاد الفلسطينية وطناً قومياً لهم فيها .

ومن المُفارَقة والسُّخرية أن القسم الأعظم من الشَّعب العربي الفلسطيني ، صاحب البلاد الفلسطينية قد إنتهى به الأمر في ١٥ أيار ١٩٤٨ ، مُشْرداً عن وطنه ،وفاقداً لأملاكه أمام سمع ومرآى من بريطانيا والولايات المتحدة والبلدان الأوروبية ….وحتّى بدون أيٍ من تلك الحقُوق المَّسْخوطة والمَمْسوخة( المدنية والدينية ) التي كَفِلَتْ بريطانيا( العُظمى! ) والولايات المتحدة الأمربكية ( صاحبة إعلان حق تقرر المصير للشعوب الواقعة تحت الاحتلال ) ومجلس عُصْبة الامم ، بصورة رسمية – وحسب نص وعد أو تصريح بلفور ، و البيانات الرسمية الصادرة عن الكونغرس الأمريكي في ذلك الوقت ، وحسب أحكام صك الإنتداب نفسه المُقَر من قِبَل عصبة الأُمم في ٢٤ تموز ١٩٢٢- بأن تُصانَ ولا تُمَس بأي شكلٍ من الأشكال .

لقد إستمر مُسَلسَل تَهميش التمثيل الفلسطيني وتَغييبه عربياً واقليميا ودولياً مدة طويلة منذئذ ، وتَشهد وقائع وأحداث كثيرة على ذلك ، وربما ولهذا السبب ، يُعاني الفلسطينيون وحتى هذه اللحظة من حَساسية بالِغة – وَصَلَت الى مرحلة العُقدة النفسية – عندما يتصل الوضع بأمر تمثيلهم ، وما يُسمّى بـ” القرار الفلسطيني المستقل “…!

وعَلَيه ونَتيجة للتَّغييب المَقْصود ، وغِياب أصوات عربية مسؤولة -ذات رؤية استراتيجية طيلة الفترة السابقة لإعلان قيام دولة الكيان في ١٤ أيار ١٩٤-، تَمْلِك حُرية وإرادة اتخاذ القرارات بإستقلالية ،… فقد وجد الشعب الفلسطيني وقيادته أنفسهم عَشِيّة صدور قرار التقسيم في حالة ضَياع وفُقدان إرادة ، وشَلَل عن الحَرَكة وعَدَم مَقْدِرة على توفير إمكانات الصُّمود والمواجهة ،…في مواجهة عَدُو قَرَّرَ المُواجهة مُستنداً إلى الحق المَمنوح له بموجب قرار التقسيم ، وهو عَدُو كان في غاية التنظيم ، مُجَهَّز ومَدعوم صهيونياً ودولياً ومُستعد تماماً لهذه اللحظة ولتَوَلّي أمور إدارة شؤونه بنفسه بعد أن قَرَّرَت بريطانيا إنهاء إنتدابها في ١٥ أيار ١٩٤٨ وإتمام سَحْبِ قواتها من البلاد، وهي اللحظة التي عَمِلَ منذ عام ١٨٩٧ على تهيئة الأحوال الدولية والمحلية الملائمة لتحقيق أهدافه فيها.

وما دُمنا نَحكي عن الغِياب والتَّغييب ، فقد غَيَّبت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها عن تبيان رأيها ورأي سكان فلسطين العرب لِلُّجنة التي شَكَّلتها الامم المتحدة في نيسان ١٩٤٧ للتَّعَرُّف على رأي سكان البلاد في مَشروع تَقسيم فلسطين وبهدف تقرير مصير فلسطين ، والتي التقتْ بصورة واسعة مع ممثلي الحركة الصهيونية والمهاجرين الصهاينة الى فلسطين بما فيهم مهاجرون ناجون من الهولوكوست ، داخل فلسطين وخارجها ، والتي صَاغَت مَشروع التّقسيم دون أن تتمكن من الإستماع إلى آراء أغلبية سكان فلسطين والذي كان يقارب حينئذٍ (١،٨) مليون نسمة ، ثلثهم تقريباً من اليهود المُهاجرين .

وجاء الغِياب بعد قيام اللجنة العربية العليا لفلسطين بإصدار قرارا بمُقاطعة اللجنة وعدم التعاون معها . وقد مَضَتْ اللجنة في أعمالها ، وصاغَتْ مَشروعها وقَدَّمَته الى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقراره …، غير عابِئة برأي السُّكان الفلسطينيين العرب أو ممثليهم في ذلك الوقت ( الهيئة العربية العليا لفلسطين ) ، وهو المشروع الذي بالاستناد عليه جرى في ٢٩ تشرين الثاني إصدار قرار التقسيم.

ومع أنَّ قادة الحركة الصهيونية كانوا يَتَطَلّعون لإستصدار قرار بإعتبار فلسطين ، كل فلسطين ، أرضاً لإقامة وطنهم القومي فيها، إلا أنّهم قَبِلوا القرار ونظروا إليه على أنَّه مَنَصّة يمكن الوثوب منها لإبتلاع مَزيدٍ من الأرض ، وقد عارض الغُلاةُ منهم فقط القرار المذكور الصادر ( شامير /شتيرن وإشكول/ الإرغون ) عن الجمعية العامة ، في حين هَلّلَ الصّهاينة اليهود المُهاجرون الى فلسطين، وأؤلئك الذين بِرَسْمِ المُهاجرة لصدور القرار ، فلأول مرة في التاريخ، تَقوم هَيئة دولية بتَخصيص جزء من أرض شعب آخر لآخرين ، وهذا الجُزْء كان يُمثل نحو (٥٥٪؜) من مساحة فلسطين حسب قرار التقسيم، ويَضُم أهم أجزاء من الساحل الفلسطيني شاملاً ميناء حيفا ومدينتها.

لا بل أنَّ القرار فى الفقرة (أ) من جُزءه الاول ، فقد دعا السلطة المنتدبة أن تَبْذل أفضل مَساعيها ” لضمان الجَلاء عن مَنطقة واقعة في أراضي الدولة اليهودية تَضُمُّ ميناءً بحرياً وأرضاً خلفية لتوفير تسهيلات لهجرة (يهودية من يهود أوروبا ضحايا النازية ) كبيرة ، وذلك في أبكر موعد ممكن ، على أن لا يتأخر في أي حال عن ١ شباط ١٩٤٨”.

أمّا القُدس ، فقد قَضى الجزء الثالث من القرار ( الفقرة أ) ان يُجْعَلَ منها ” كيان(اً) مسْتقل(اً)( Corpus Sepratum) خاضع(اً) لنظام دولي خاص، وتتولى الأُمم المتحدة إدارتها ، ويُعَيَّن مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الامم المتحدة “.

كما دعا القرار سكان فلسطين الفلسطينيين العرب ، واليهود ، الى إنشاء الدولتين العربية واليهودية في ذات الوقت ، والى تأسيس” مجلس حكومة مؤقت ” في كل منهما ، وذلك ” بعد التشاور مع الأحزاب الديمقراطية والمُنظمات العامة الأُخرى في الدَّولتين العربية واليهودية ” ( الجزء الأول – ب) ، وقد حَدَّدَ القرار الأول من نيسان ١٩٤٨ موعداً لتحقيق هذه المهمة ” وأنه إذا لم يكن في الإمكان إختيار مجلس حكومة مؤقت لأيٍ من الدولتين في ١ نيسان ١٩٤٨ ، أو إذا إنتُخِبَ ( المجلس) ، وَلَمْ يَستَطِع الإضطلاع لمُهماته، فعلى اللجنة ( لجنة الامم المتحدة المنصوص عنها في القرار ) أن تُبَلِّغ مجلس الأمن بالأمر ليَتَّخِذ إزاء هذه الدولة التدابير التي يراها مُلائمة ، كما تُبْلِّغ الأمين العام به …”. ( الجزء الاول-ب).

كما دعا القرار إلى أن تَرْتَبِط الدولتان في إتحاد إقتصادي ، وجُمركي ، وحَدَّد حُقوق المُواطنة للمكونين العربي واليهودي في كُلٍ من الدَّوْلَتين ، وكان الوُجود العَرَبي في الحِصّة المُخَصَّصة للدولة اليهودية يُقارب ما نسبته ٤٠٪؜ من السكان اليهود فيها أو أكثر .

كان لا بد من عمل هذه المُقَدِّمة ، قبل ان آخذكم معي في رحلة نَطّلِع فيها معاً على المشهد في ساحات فلسطين صَبيحة اليوم التالي لصدور قرار التقسيم ،…

وهو موضوع أتْرِكَه ليومية يوم غد…!؟