Menu Close

في ٤ شباط من العام الماضي ، ٢٠١٨ ، إستكملتُ مَشهدَ فلسطين خلال النِّصف الثاني من كانون الثاني من العام ١٩٤٨ … سَلّطُّ الأضواء على نشاطات “جيش الإنقاذ ” العربي ، وسرايا ” الجهاد المقدس ” الفلسطينية …وكَشَفتُ عمّا كانَ يَدور في أذهان قادة الحركة الصهيونية في تلك الأيام ….!؟

الأحد الموافق ٤ شباط ٢٠١٨

النَّدَف يَتَساقط بـ” حَياء ” في هذا الوَقت من صَباح هذا اليوم ( الساعة 9:21) ، والجَوُّ بارِد ،… !

قَبْلَ ساعَتين ، إستَيقَظتُ لأتناول حَبِّة دَواء ” السّاعة السابِعة ” صَباحاً… ، وَوَجدتُ مُنى قد إستَيقَظَتْ ،….!

عُدْتُ بَعْدها الى غُرفتي لأستكمل تدوين ” يَوْمِيّة ” يوم أمس …!

تقومُ مُنى الآن بإعداد ” قَهْوِة ” الصّباح التي فاحَتْ رائِحَتها ، فَعَبَّق َ فَضاء غُرفة الجُلوس في الشَّقة.

رُوى ؛ عندما زارَتنا قَبْلَ أكثر من شَهرين، أطْلَقَت على الشّقة إسم ” كازابلانكا “،..

فالشّقة ، مالِكُها جَزائري ألماني الجِنْسِيّة ، وقد تَمَّ ” دَكْوَرَتها ” على النَّمط المَّراكِشي في كلِّ شيء ؛

في ديكور حَوائِط غُرَف الشَّقّة ، َّ الخشبي المُزَوَّق لغُرفة النّوم الرئيسيّة ، وفِي ألوانِ الجُدران ، وشَكل الأثاث، والمّرايا ، والرُّسومات الإفريقية المُعَلّقة على الجدران .. الخ

وبمناسبة التَّسْمِية ( كازابلانكا )، فقد قررنا قبل أيام ، أن نُشاهِد مَعاً الفيلم القَديم المَشْهور ” كازابلانكا ” ، والذي أَبْدَعَت في تمثيله ” إنجريد بيرچمان “… ، وهو فيلم يحكي قِصّة عن يَهودي أوروبي ويَهودية إبّان الحرب العالمية الثانية، والهولوكوست ، والنِّضال ضِدَّ النّازِيّة والسَّعي الى الهُروب من معسكرات الإعتقال و أو الإبادة ، والعَمَل على الهِجْرَة الى الولايات المتحدة من أجل الخَلاص من الإضطهاد والعَذاب ، ……!

ومن سُخْرية الأقدار :

• أن تتمكن الصهيونية العنصرية من تَسخير ضَحايا الهولوكست النَّازي في أوروبا من اليهود وتَنْجَح في إستعمالِهم وإستغلالِهم في تصميم وتصنيع وتنفيذ “هولوكوست من نَوْعٍ جَديد” لشعب فلسطين المُقيم بسلام في أرضه – والذي فَتَحَت سُلطات الإنتداب البريطاني أبوابَ فلسطين على مِصْراعيها لإستقبال المُهاجرين اليهود الأوروبييين إليها ، بِمَنْ فيهم من ضَحايا ذلك الهولوكوست الفَظيع أثناء وبعد الحرب العالمية الثانية –

•وان تُفضي هِجْرَة هؤلاء إلى إقتلاع أصحاب البِلاد من قُراهم وبَلداتِهم ومُدُنِهم ومُمتلكاتِهم وأن تُلقي بِهم في مُخيَّمات البُؤس في بلادِ اللجوء والشَّتات …!

• وأنْ لا يَصْحو ضَمير ” ضَحايا الهُولوكست النَّازي ” ولا أن يَشْعروا حَتّى هذه الّلحظة حتى بعَذاب الضَّمير ، ولا بالحاجَة إلى الإعتذار للشَّعب الذي هَجّروه وإضْطَهدُوه ، ولا أنْ يَعمَلوا على تَصحيح ما إرتكبوه من ” جَرائِم هُولوكوستية ” بِحَقّه..!

تِلْكَ مُفارقَة أو قُلْ هِيَ ” سُخْرِية الأقدار ” عن حقٍ وحَقيق…!

تُثير يومياتي عَشَرات التَّعليقات التي أستلمها بين يومٍ وآخر؛ بَعْضَها شَفَهي وبَعْضَها الآخر مَكتوب . وفِي ذات الوقت ، فهي تُنْعش في مُخَيَّلة البَعْض الذِّكرَيات ، وبَعْضها مَرير .

واحدٌ من هذه التعليقات جائَتني من الصَّديق جميل نصر الذي كَتَبَ لي في هذا الصّباح ، يقول :

“صباح الخير عبدو .

أرجو أنْ تكون بخَير وعَافية .

أُتابِعُ ما تَكْتب عن فلسطين، وتَحَرَّكَتْ خَيالاتي كَطِفلٍ في البَيَّارة قرب الرَّمْلة ، وصَوْت الرَّصاص ، وإخْوَتي الكِبار زكي وإبراهيم (يَرْحَمهم الله) وهم يَحْمِلُون البَنادِق، ( خَيالات ؛ رُبّما كانوا في سِن ١٨ و ١٦ سنة ، ورُبّما كُنتُ بين الرًابعة والخامِسة) ويَرْكضون بإتّجاه صَوْت الرّّصاص ،حيثُ كان الوالِد يَرْحَمه الله .

وَمِنَ الخَيالات ، أنّي كُنتُ مع الوالِدة يَرْحَمها الله ،..وقد مَرَّت سَيّارة يَهود ، واطْلَقَتْ الرَّصاص عَلينا.

حَمَلَتْني ودَخَلتْ بِسُرعة حَظيرة الدَّجاج .

آهٍ على خَيالات …!

رُبّما يُسْعِفُني الوَقت بِتَدْوينها ، مع الحافِلة التي حَمَلتْنا ، وأَلْقَتْ بِنا في مَدْرَسة الغَزاليِّة( بنابلس )، لِنَحْملَ لَقَب لَاجِئين !!!

مَعَلِشْ ، عِنْدي إجتماع بَعْد رُبع سَاعة .

تحياتي لمُنى وهِبَه

جَميل ”

تَوَقّفَ سُقوط الثلج بعد ساعة او أكثر من بِدءِ هطولِه. فقررنا ان نتناول الـ “ Brunch “ في Rossi Cafe الواقعة قرب ساحة بسمارك .

اتصلت منى بـ ” مها ” ودَعَتْها هي و” ماهر “، واتفتا على الإلتقاء في المقهى/ المطعم المذكور .

هذا وقد أمضينا وقتاً ممتعاً هناك . كان المكان ممتلئاً “عَنْ آخرة “، وكان “البوفيه” غَنِيّاً بأطعمةٍ مُتَنوعة ،..!

نعودُ الآن الى فلسطين ، لِنَسْتَمكِلَ وقائع العِشرين يوماً الأخيرة من شَهْرِ كانون الثاني ١٩٤٨.

في آب ١٩٢٩ ، قامَ المُؤتَمَر الصّهيوني السادِس عَشَر المُنْعَقِد في “زيورخ” في سويسرا ، بتشكيل ” الوَكالة اليَهودية ” وإنْتَخَبَ أَعضاءَها ، وبذلِك، ومُنذ ذلِكَ التّاريخ ، حلَّت “الوَكالة اليهودية ” مَحَل ” اللجنة التّنفيذية المُنْتَخَبَة ” من المُؤتَمَر الصّهيوني في القيام بالَمهام المُحَدَّدة لـ ” وكالة يَهودية مُلائِمة ” المُشار إليها في المَّادّة الرَّابِعة من ” صَكِّ الاإتداب عَلى فِلسطين “.

كانَتْ “الوَكالة اليهودية” تُتابِع عن قُرْب تَطَوُّرات الأوضاع في فلسطين، ومَعنَوِيّات سُكّانها بعد صُدور قرار التّقسيم ، وقد لاحَظَ ” إلياهو ساسون ” – مُدير الفِرْع العَرَبي في الدّائِرة السِّياسيّة للوَكالة – أنَّ مَعْنَوِيّات السُّكان الفلسطينيين العَرَب في المُدُن الكبرى في فلسطين ، وفِي القُرى القريبة مِنْها آخِذة في التَّضَعْضُع ، فقام في ١١ كانون الثاني ١٩٤٨ بإبلاغ “بن غوريون” ، بأنّه وبعد أربعين يوماً من صُدور القَرار ، فإنَّ المَعلومات المُتَوَفِّرة لَدَيه تُشير إلى أنَّ تلك المَعنَويات ” أصْبَحَتْ في الدَّرك الأسفل …” .

وفِي سِياقِ التّحضير للتّعامُلِ مع حقيقة وُجود ” تَواجد ” فلسطيني عَربَي مَلموس ضِمْنَ النِّطاق المُحَدَّد في قرار التقسيم لقيام ” الدَّوْلة اليَهودية ” ، فقد قامَتْ “الوَكالة اليهودية” في فلسطين في يوم ١١ كانون الثاني بتَشكيلِ لُجْنة ثانوية لدِراسِة مَسألة “التّابِعِّية” في الدَّوْلة اليَهودية المُقْتَرَحة . أ

أَمّا رِجال القانون من خُبراء الوكالة اليَهوديّة ، فقد أوْصوا في تَقريرهم بهذا الخُصوص ” بِنِظام ٍ مُعَقّد يَجْعَل من الأكثر صُعوبة على الفلسطيني العربي أن يَحْصُل على الجِنْسِيّة مُقارَنة باليَهودي “.

وبِخُصوص المَوْقِف من التَّعامل مع “الأَقَلّية العَرَبية” ( التي سَتَظَل في الدّولة اليَهودية حَسْبَ مُقتَضَيات قَرار التّقسيم ) ، فقد ذَكَرَ الدكتور ب. مايكل في كِتابِه ” الأسرار المُذْهِلة للكارِثَة الفلسطينية ” أنّه كان هُناك لَدى القَادَة الصّهاينة خِشْية من حُصول رَدِّ فِعْل خارِجي سِلْبي تِجاه الكِيان المُقْتَرح الجَديد، وذلك إذا ما كان هناك “إسرافٌ” في مُعامَلة العرب بقَسْوَة ، غير أن القادة الصّهايِنة كانوا مُجْمِعين على تَخفيضِ عَدَد السُّكان الفلسطينيين العَرَب في الدَّولة اليَهودية، وأن يُحْرَم الفلسطينيون العَرَب الباقين من أيّةِ قُوّة إقتصادية أو سياسِيّة حَقيقية .

إذَنْ ، كانَتْ خَلايا العَمَل الصَّهيوني تَعْمَل على كُلِّ الجَبهات ؛ القانونية ، والتخطيطية ، والسياسية ، والحَرْب النَّفسية ، وعلى خُطَط زَعْزَعِة إستقرار السُّكان الفِلسطينيين العَرَب ، وخُطَط التَّطهير العِرْقي .

أَمَّا على الصَّعيد اللوجستي ، فقد تَمَكَّنَ مَبعوثوا “الهاچاناه” في ١٤ كانون الثاني ١٩٤٨ من إبرام صَفْقِة سِلاح تشيكية بِقِيمة (١٢.٢٨) مَليون دولار .

وقد إشْتَمَلَت الصَّفْقة على تَزويد “الهاچاناه” بـ :

  • (٢٤،٠٠٠) بُنْدقية [وَصَلَ مِنها قبل نهاية الإنتداب (١٠،٧٤٠) بندقية ]

  • (٥،٠٠٠) مدفع رشّاش خفيف. [ وَصَلَ مِنها قبل نهاية الإنتداب (١،٢٠٠)رشّاش ]

  • (٢٠٠) رشّاش متوسط [ وَصَلَ مِنها قبل نهاية الإنتداب (٢٦) مدفع ميدان ]

  • (٥٤) مليون صَليِة عتاد [ وَصَلَ مِنها قبل نهاية الإنتداب (١١) مليون صلية عتاد ]

  • (٢٥) طائرة “ميسر شميت” ألمانية [ وقد إستلمتها “الهاجاناه” في نهاية أيار ١٩٤٨].

أَمّا عَن النتائج التي أسْفَرَت عَنْها العَمَليات المُسلحة في فلسطين حتى تاريخ ١٠ كانون الثاني ١٩٤٨، فإنَّ التّقرير الذي رَفَعَته بَريطانيا إلى الأُمم المُتّحدة في ١٦ كانون الثاني ١٩٤٨، يُبَيِّن بأنَّ حَصيلة القَتلى والجَرْحى في فلسطين الذي تم حَصْره في سِجِلّاتها خلال الفترة الممتدة ما بين ٣٠ تشرين الثاني ١٩٤٧ و ١٠ كانون الثاني ١٩٤٨ قد بلغ (١،٩٧٤) شَخْصاً .

وفِي تَقديري أنَّ الجُزْء الأكبر مِنهُم كانَ من المَدَنِيين الفلسطينيين العَرَب .

ورداً على العمليات الإرهابية التي قام بها مسلحوا المنظمات الصهيونية في حيفا وغيرها من المدن والقرى ، قامت المجموعات المسلحة العربيّة والفلسطينية خلال هذه الفترة بعمليات قليلة ومحدودة التأثير .

ففي ١٤ كانون الثاني ١٩٤٨ ، قامَتْ إحدى المَجموعات الفلسطينية المُسلّحة بزَرْع قُنْبُلة في مَكتب بريد “حيفا” مما أدّى ألى مَقتل (٦) يَهود صَهاينة.

وعلى الصّعيد العَرَبي ، فقد تَمَّ في ليلة ٢١ / ٢٢ كانون الثاني ١٩٤٨ تنفيذ أولى عمليات “جيش الإنقاذ” في فلسطين حيث قامت وِحْدة من “الفوج الثاني” لـ “قوات اليرموك” بقيادة المقدم “أديب الشِّيشِكلي” ( المُؤَلّفة من ٤٠٠ فرد ) بالهُجوم على مُستوطنة/ مُستعمرة ” يحيعام ” – التي كانت قد أُقيمَت في العام ١٩٤٦ على جُزء من أراضي قرية ” خِرْبِة جدّين “، الواقِعة في الجليل الغربي على بعد (١٦) كم شَمال شرق “عكّا”. وحوالي (٢٠) كم عن الحدود اللبنانية الفلسطينية.

ويُشار ألى هذا الهُجوم في أدبيات “جيش الإنقاذ” بـ ” معركة جِدّين ” ، وكانتْ تَسْتَهدف سَتْر عَمَلِية دخول “الفوج الاول” من “قوات اليرموك” الذي كان قد إنتقل الى “بنت جبيل” في ٨ كانون الثاني تمهيداً للدُّخول إلى شَمال فلسطين .

وبَعْدَ الهُجوم على المُستوطنة / المُستعمرة ومُحاصرتها ، تَدَخَّلَت القُوات البَريطانية ، وقامَتْ بفَكِّ الحِصار عَنها ، وتراجَعَتْ قوات “الفوج” إلتزاما بتعليمات اللجنة العسكرية التابعة لـ “جامعة الدول العربية” بتَفادي الأشتباك مع القوَّات البريطانية .

وبِدُخول الفَوْج الثّاني من قُوّات جَيْش الإنقاذ إلى شَمال فِلسطين في ٢١ كانون الثاني ، يَكون عَديد قوات فَوْجَي “اليرموك” الأول والثاني اللذان تَمَكَّنا من دُخول فلسطين خلال شهر كانون الثاني ١٩٤٨ ما مَجموعه (٧٣٠) فرداً.

هذا وقد سَقَط في مَعْرَكة ” جِدّين ” أوائل شهداء “جيش الإنقاذ”.

مِمّا سَبَق يَتَّضِح ، بأنَّ المُنظمات الصّهيونية المُسلحة كانَتْ تَعْمَل في فلسطين مُنْذُ صُدور قَرار التّقسيم وُفق الخُطّة (ج)، الرّامية إلى زَعْزَعِة إستقرار السُّكّان وضَعْضَعة مَعنوياتهم ، وإنزال الرُّعب في قُلوبهم ، وحَمْلِهم على مُغادَرِة بُيوتهم ، وتَخويفهم من تَبِعات المُشاركة في القيام بأعمال مُسَلّحة أو مِن تَقديم العَوْن والمُساندة لمُقاتلي “كتائب الجهاد المقدس” أو “قوات جيش الإنقاذ”. وأنّها تَمَكَّنَت من دَفْع سُكّان بَعْض القُرى الفلسطينية العَرَبية تحت وَطْأة التهديد إلى مغادرة بيوتهم الى قرى فلسطينية عربية مُجاورة دَاخِل فلسطين. وأنَّ حَمْلات تهديد سُكّان القُرى العربية وإرهابهم قد شَنّها إرهابيوا تلك المنظمات الصهيونية الذين إنطلقوا من قَواعِدهم المُحَصَّنة المُقامة في المُستوطنات التي أقيمَت في مَواقع إستراتيجية مُطِلّة على القُرى الفلسطينية العَرَبية المُجاورة وتَتَحَكَّم بطُرُق مُواصلاتها.

أمّا عَمَليات “كتائب الجهاد المقدس” أو “أفواج جيش الإنقاذ” ، فكانَت حتى نهاية كانون الثاني ١٩٤٨ ذات تأثير مَحْدود الحَجْم والأَثَر.

وللحديث بقية ..!؟