الأربعاء الموافق ٧ شباط ٢٠١٨
نِمْتُ البارحة مع صُوَر المواجهات في مَدينة نابلِس مع قوات الإحتلال الإسرائيلي العُنْصُري التي بَثَّتْها مَحطات التَّلفزة….
المُواجهات حَوَّلت ليلَ المّدينة الى نَهار … !
قوّات الإحتلال كانت تُطارد مُقاوِمَاً فِلسطينياً او خَلِيّة من مُقاوِمي دَولة الإحتلال والفصل العنصري والأبارتهايد..!
سَقَطَ في المواجهات شُهداء وعَشرات الجَرْحى …
المُواجَهة والتَّحدي هو قَدَرُ هذا الشَّعب … !
منذُ قَرْنٍ من الزّمان ، ومع إحتلالها فلسطين في كانون أول ١٩١٧ ، وبَعدَ أنْ قَسَّمَت سوريا الواحدة الى مناطق وكِيانات ، والشَّعب الواحد الى شُعوب ، فَرَضت بريطانيا ( العُظمى )، والصَّهيونية على شَعْب فلسطين مُواجَهتين كبيرتين معاً وفِي وقتٍ واحد ومُبَكِّر :
•مُواجهة الإحتلال البريطاني لفلسطين ، و
•مُواجهة المَشروع الصّهيوني لإقامة وطن قومي لليهود فيها .
وَلَمْ يَكُنْ شَعْبُ فلسطين عِندها ، وعلى الإطلاق ، مُسْتَعِدّاً لمِثْلِ هاتين المُواجهتين الكبيرتين …!
وَلَمْ يَكُنْ قد إلتقَطَ أَنْفاسه بَعْد مِنْ وُجودٍ عثمانيٍ إستبداديٍ مُتَخَلِّف جَثَم على صَدْره لعِدّة قُرون…
ولَمَّ يَكُن يَمْلك حينها أي تَكْوينٍ قيادي قادِر على التّعامل مع تَحَديات فَرَضَتها عليه في وقتٍ واحد أَعْتى قُوَّتَين في عالم ذلك الزَّمَن …
كانتْ صُفوفه بِحاجةٍ إلى تَنظيمٍ ….!
كانتْ أحواله بحاجةٍ الى إعادة ترتيب …!
لَمْ تُعْطِه التَّحَدِّيات المَفْروضة عليه أي مُتَّسَعٍ من الوقت للإستعداد لمُواجَهتين من ذلك النوع والحجم.
لقد أُخِذَ شعبنا في غَفْلةٍ من الزَّمَن، و على حِينِ غَرٌَة ..!
كَمْ كانت تلك الظُّروف قاسِيَة ..!
ولكنها هل تَحَسَّنَت الآن …أي بعد قَرْنٍ من ذلك الزمان …؟
لا …وألف لا …!
هي ما زالَتْ حتى اللّحظة هذه بالِغَة القَسّوة ، لا بَلْ تَزدادُ مع الوَقت قسّوة وإجحافاً،..!
التّاريخ لا يَرحم الضعفاء ولا البُؤساء ولا المُضْطَهدين ..!
لكن الظُلْم والإحتلال والإبادة والتّطهير العِرْقي لا مُستَقْبَل لَه …!
تلك دُروسٌ نَتَعلمها من التاريخ….!
ويَبْقى أن نُبْقي راية التّحدي والمُواجَهة الواعية مَرْفوعة في كل الأوقات ، وبكل اللغات مُتضافرين مع الأحرار في كل مكان ….!
لَمْ أتمكنْ من النّوم بسلاسة ليلة أمس… ، كان نوماً مُتَقَطعاً ، كان الفِكْرُ مَشْغولاً …
إسْتيقظتُ في الصّباح الباكر ، ولم أَجِد رفيقاً لي في صَحْوَتي هذه إلا كِتاب …
لنَعُد إلى آذار ١٩٤٨، ولِنَرى ما حَمَلَه إلينا من وقائع وأحداث ومواقف …
إسْتَمَرَّتْ في آذار الأعمال الإرهابية ضد المُواطنين الفلسطينيين ،… وتَناوبَتْ المُنَظمات الإرهابية الصّهيونية المُسَلّحة الأدوار ، فَمَرَّةً تُبادر “الإرغون” بالهُجوم ، ومَرَّة “الهاچاناه” ، وهذه المرَّة ، جاء دور ” شتيرن “، التي إبتدعت الإرهاب بإستعمال “السيارات المُفَخَّخَة”، إِذْ قامَت مَجموعة منها في ٣ آذار ١٩٤٨ بتدمير مبنى في “حيفا” بإستعمال “سيارة مُفَخَّخَة” ، الأمر الذي أدى الى مصرع (١١) فلسطينياً وجرح (٢٧).
وفِي ذات اليوم ، شُنَّتْ حَرْبٌ نَفْسية شديدة على سكان قرية “العُبَيْدِيّة” الواقعة جنوب طَبَرية ، وجرى ذلك من خلال إستعمال أفراد يهود لهم علاقات عمل و صَداقة مع بعض الأفراد من سكان “العُبَيْدية” ، حيث نَقَلوا اليهم ما يُضْمَر لهم من مُخَطّطات على يد أعضاء المُنَظّمات الصّهيونية المُسَلّحة مَشْفوعة بنَصائح بإخلاء القرية مُحافظةً على حَياتِهم .
ويقول المؤرخ الإسرائيلي “بني موريس” في هذا الخُصوص، أنَّ سُكّان “العُبَيْدِيّة” إضطروا، تحت تأثير هذه الحَرْب النَّفسية ، وبناءً على نَصيحة “أصدقائهم اليهود” الى الهِجْرة الى منطقة “النّاصرة” .
أما “الهاچاناه” ، فقد شَنَّت خلال الاسبوع الثاني من آذار عِدّة هَجَمات مُتتالية ضد عدد من القُرى العربية في قضاءي “يافا” و”صفد” .
ففي ٥ آذار ١٩٤٨، هاجَمَ إرهابيوها قرية ” بير عَدَسْ ” الواقعة في قضاء “يافا” ، وتَمَكّنوا من إحتلالها وطرد سكانها ، كما يؤكد على ذلك المؤرخ الإسرائيلي المذكور ” بني موريس “.
كما قام إرهابيوها في ١٢ آذار بِنَسف منازل في ضاحية ( قرية )”ابو كبير” – قضاء “يافا” ، وفِي اليوم التالي ، أي في ١٣ آذار ، نَسَفوا عددا من البيوت في قرية “الحُسَيْنِيَّة” الواقعة في قضاء “صفد” . وَمِمَّا يَجدر أن يُذْكَر أن إرهابيوا “الهاچاناه” ، عادوا يوم ٣١ آذار الى قرية ” ابو كبير ” ، حيث أكملوا تدمير بيوت القرية.
وبعد تَعَرُّض سُكّان مُستوطنة/ مُستعمرة ” هزوريع ” في ١١ آذار لهُجوم مُسَلّح من مَجموعة فِلسطينية ، إزدادت الضُّغوط والحَرْب النّفسية على سُكّان قرية ” قِيرا ” العَرَبية ، وتولّى ذلك ، كما يقول ” بني موريس ” ، “يهودا بورشتاين” وهو ضابط مخابرات “الهاجاناه” (شاي ) الإقليمي الذي زارَ القرية ونَصَحَ سُكّانها بمُغادرتها . وقد إضطر السُّكان لمغادرَتِها تحت وَطأة هذه التهديدات. ويقول ” بني موريس ” أنه وفَوْرَ إخلاء القرية من سُكّانها ، قرر ” ڤايتس ” وزملاءه في الصندوق القومي اليهودي ” مَسْح القَرْية عن وَجْه البَّسَيطة ” ، حيث وصل مستوطنون من مستوطنة / مُستعمَرة ” هزوريع ” الى قرية ” قِيرا ” يوم ٢٢ آذار ” وهَدَموا بُيوتها نهائياً “.
وفِي ١٧ آذار ١٩٤٨، نَصَبَتْ “الهاچاناه” كَميناً لقافلة فلسطينية كانت في طَريقها الى “حيفا” ، فنَجَحَتْ في قتل القائد العربي لحامية “حيفا” إبن الأردن المناضل محمد حمد الحنيطي و(١٦) مُقاتِلاً أثناء قِيادَتِه القافلة المُحَمَّلَة بالسلاح والذخيرة الى “حيفا” .
وإستَمَرَّتْ الضُّغوط الصهيونية الإرهابية على “حيفا” بالتّصاعُد ، فقد نَجَحَ الإرهابيون الصهاينة في ٢٢ آذار من تفجير ” سيارة مفخخة ” تَرَكها الإرهابيون في شارع العِراق في “حيفا” ، وكانوا يتخفون بملابس عسكرية بريطانية، مما أدى الى إصابة (٢٣) فلسطينياً.
أما “الهاچاناه” ، فقد قامت في يوم ٢٢ آذار بإستهداف قضاء “يافا”، حيث هاجمت قرية ” جَباليا ” القريبة من “يافا” ، ودَمَّرَتْ بيوتها .
وقام إرهابيوها بعد يومين من ذلك الهجوم ، أي في ٢٤ آذار ، بتدمير قرية بدوية صغيرة تقع بالقرب من مستوطنة/ مُستعمَرة ” يفينيئيل ” الواقعة غربي “طبرية”.
وفِي تطويرٍ للأهداف المُنْتقاة لغايات التدمير والإرهاب ، قام إرهابيوا منظمة الـ ” الإرغون ” في ٣١ آذار بنسف عربات القطار التي كانت تمر بالقرب من مستوطنة/ مُستعمرة ” بنيامينا ” بالقرب من “حيفا” مما أدى الى مقتل (٣٤) فلسطينياً وجرح (٦١).
وفِي ٢٦ آذار ، وحسب ما ذكره ” بني موريس ” في كتابه ” طرد الفلسطينيين…” ، فإن المَسؤول الصهيوني “ڤايتس” قد طلب لدى إجتماعه مع شخصيات من الصندوق القومي اليهودي ” طَرْد السكان العرب من قريتي ” كومي ” و ” الطِّيرة ” مُدَّعياً أنهم يرفضون تحمل مسؤولية مَنْع رجال العصابات من الدُّخول الى قُراهم ، وقال : “يجب إرغامهم على مُغادَرة قُراهم حتى يَحِل السّلام “.
ويقول أنَّه وفِي وقت لاحق، نُقِلَ سكان قرية ” الكومي ” الواقعة الى الشمال من سهل “مرج بني عامر” من قريتهم في شاحنات تابعة للجيش البريطاني.
أما مُخَطّط تهجير العَرَب البدو الفلسطينيين ، فإستمر العَمَل بِه خلال شهر آذار ١٩٤٨ ، وفِي هذا النطاق ، يُذكر ما يلي :
• في ٢٢ آذار ١٩٤٨ ، وحسب ما ذكره المؤرخ الاسرائيلي ” بني موريس ” في كتابه ” طرد الفلسطينيين …”، عَمِلَ “ڤايتس” مع أفراد من مستوطنة / مُستعمرة ” كفار مسريك ” التي تقع جنوب “عكا” على طرد بدو ( الغوارنة ) من خليج “حيفا” ، وكان هؤلاء يُقيمون على أرض يَمْلِكها يهود ، كما قاموا بِطرد مجموعات من الفلاّحين كانت تَسْتَأجر أراضي لليهود من ” دالية الروحة، والبطيمات ” الى الشرق من “حيفا”.
• في ٣١ آذار ١٩٤٨، وتحت وطأة التهديدات وبداعي الخوف من هجوم إرهابي صهيوني وشيك ، اضطر ، عرب “أبو كشك” و”عرب السوالمة” ، وكذلك عرب “القوز” الذين كانوا يقيمون على أراضٍ تقع تحت سيطرة اليهود ، الى الهرب نحو الشرق.
• ويقول ” بني موريس ” أيضاً ، أنه وخلال آذار ١٩٤٨، فقد حَصَلَت هجرة واسعة للبدو وشبه البدو من سكان “النَّقَب” جنوب فلسطين وذلك ” بعد تَعَرُّض مَضارب البدو الى هجمات عنيفة من قِبَل وحدات ‘البالماخ’ التي جاءت انتقاماً لنسف خط المياه على أيدي العرب “.
وفِي إطار الحَشْد اللوجستي ، فقد ذكر الدكتور ب. مايكل في كتابه ” الأسرار المذهلة للكارثة الفلسطينية “، بأن “موشي شرتوك” قد تَفاخَرَ بقوله أن الجالية اليهودية في فلسطين قد عَبَّأت (٢٦،٠٠٠) مُجَنّداً للخدمة الفعلية ، إضافة الى (٧،٠٠٠) للدفاع المحلي . ويقول بأن حوالي (٥٠٠) مُتَطَوِّع من أنحاء العالم جاءوا في العام ١٩٤٨ للقتال من أجل “القضية الصهيونية” ، وأن “الوكالة اليهودية” إستحضرت الأسلحة من جميع أنحاء الدنيا بما في ذلك شَحْنات ضَخْمة من تشيكوسلوڤاكيا ، وأن الصّهاينة كانوا يملكون المَزايا البالغة الأهمية لوِحْدِة القِيادة، وخُطوط القِتال الدّاخلية التي مَكَّنَتهم من نقل الرجال من جهة الى أُخرى بصُورة أسرع من الجيوش العربية المُقَسّمة جغرافياً وسياسياً .
ويقول أن أعظم مِزْية صَهيونية في سنة ١٩٤٨ ” كانت تأتي في مجال التخطيط العسكري ، فلم يكن لدى الفلسطينيين أو أية دولة عربية أي تخطيط استراتيجي للحرب ضد الصهاينة ، والحقيقة ، فإن هذا الإفتقار للتخطيط ، قُدِّرَ له أن يكون مُشكلة أكثر خُطورة في الشَّطر الأخير من الصراع عندما بدأت القوات العسكرية لمختلف الدول العربية تعمل ضِدَّ بَعضها ” .
كما عاودت “الهاچاناه” للإعلان في ٦ آذار ١٩٤٨ عن التعبئة العامة وحَقّها في تَعبئة أي يهودي في سن الخدمة العسكرية يُقيم في فلسطين بِمَن فيهم اليهود من حَمَلِة الجنسية الأمريكية .
وعلى صعيد التخطيط العسكري ، فقد أنْهَت “الهاچاناه” في ٩ آذار ١٩٤٨ وَضْع الّلمَسات الأخيرة على الخطة “د” ( دالت بالعِبْرية ) الهُجومية لإحتلال القسم الأكبر من مدينة القدس، وللإنتقال المنهجي لتطبيق خطة التطهير العِرْقي .
ذلك هو جَرْدٌ لجُزْءٍ كبير من العمليات الإرهابية التي شَنَّتْها المنظمات الصهيونية المختلفة خلال آذار ١٩٤٨.
أما العَمَلِيات العربية في فلسطين خلال نفس الشهر ، والتّغيرات التي طَرَأت على المَوْقِف الأمريكي خلال آذار من قرار التقسيم ، ومواقف الأطراف المختلفة ذات العلاقة ، فذلك سيكون مَوضوع يومية ” يوم غد “.
وللحديث بقية .