الخميس الموافق ٨ شباط ٢٠١٨
ذلك اليوم ، كان يوم ” أربعاء ” في ٢٠ تشرين الثاني ١٩٣٥، اما المَكان ، فكانَ قرية “خِرْبة الشّيخ زيد ” بالقرب من “يَعْبَدْ ” قضاء جنين .
على تُرابِ تلك القرية ، إستشهد في ذلك ” الأربعاء ” القائد المُناضل “عز الدين القسام” ، إبن جَبْلة / اللاذقية مع ثلاثة من رفاقه المقاتلين وهو مشتبك مع قوات الإحتلال البريطاني لفلسطين في المعركة المعروفة باسم معركة “يَعْبَدْ”.
في المَعْرَكة التي خاضَها إبن “سوريا الشّمالية” على أرض فلسطين ( سوريا الجنوبية ) ، كان “عز الدين القَسّام” يُؤكد على وِحْدة التُّراب العربي السوري ، وأنَّ المَعْرَكة على أي بُقْعة من أرْضِه، واحدة لا تتجزأ.
وهي مَعْركة إختارَ فيها أيضا أن يُحَدِّدَ أنَّ العدو الأساسي الذي ينبغي الإشتباك معه، هو “الإحتلال البريطاني” لفلسطين، وأنَّ “بريطانيا” هذه هي ؛ مَصْدَر المتاعب ، مايسترو التقسيم ، عرَّاب إقامة مشروع الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ..!.
كان “عز الدين القسام” يعتبر أن الضّغط على “المُحْتَل البريطاني” لفلسطين والتّخلص من قوات إحتلاله لها ، من شأنه أن يُجْبر بريطانيا على التّراجع عن تبني مشروع إقامة الوطن اليهودي في فلسطين، وبالتالي أنْ يُجهض مشروع الحركة الصهيونية العُنْصُري ويَحْرِمه من فُرَص الحياة …!، .
لهذا السبب ، كان القسّام يرى أنَّ معركة إجهاض المشروع الصهيوني “تبدأ” بالإشتباك مع “بريطانيا” الإستعمارية، “دولة الإحتلال”، وأنَّ دَحْره من أرض فلسطين ، سَيُسْقِط ذلك المشروع الذي رَعَتْ إقامته على أرض ليست أرضها ، وعلى حِساب الشعب العربي الفلسطيني : صاحب الأرض والمكان والتاريخ والزَّمان.
إستشهد القائد القسَّام في معركة “يَعْبَد” هو وثلاثة من رفاقه:
الأول، ابن “عكّا” (يوسف عبدالله) من قرية “الزيب” ، و
الثاني، (عطية أحمد)، إبن “مصر” العربية الذي جاء عاملاً إلى “حيفا” والتحق بصفوف الثوار ، و
الثالث،ابن “جنين”، (أحمد الحسّان) من قرية “نَزْلِة زيد “،
وجُرِح فيها آخرون وتَمَكَّنَ الثوار في المعركة من قَتْلَ (١٥) جنديا من جنود الإحتلال البريطاني .
وكان ” القّسّام ” عندما قَضى قد بَلَغَ من العمر إثنا وخمسون عاماً ، وَوُرِيَ جثمانه في مَقَبْرِة قرية ” بَلَدْ الشّيخ ” قرب “حيفا” في جنازة مهيبة شارك فيها الآلاف من أبناء فلسطين و”حيفا”.
قبل عشرين يوماً من إستشهاد القسّام ، أي في ١ تشرين الثاني من العام ١٩٣٥،وفِي يوم”جُمْعة”،وفِي مدينة “القدس” العربية الفلسطينية، رأى “إدوارد سعيد” النّور لأول مرَّة .
“إدْوارد سعيد” ، قَطَعَ الرِّحلة ما بين عامي ١٩٣٥ و ٢٠٠٣ بسرعة البَرْق ،فَفِي ٢٥ ايلول من العام ٢٠٠٣ ، وفِي إحدى مُسْتشفيات نيويورك، سَلَّمَ إدْوارد الرّوح بعد صراع قاسٍ مع “اللوكيميا” دام نحو عَشْر سنوات ( وهو المَرَض الذي داهمني في أيلول من العام الفائت ٢٠١٧) .
أوصى “إدوارد” أن يُحْرَق جُثمانه .
أما رَمادَه، فقد دُفِنَ” خارج المكان ” – خارج فلسطين ، في برُمّانا في لبنان.
“إدوارد سعيد”،نَقَلَ القضية الفلسطينية من قَوْقَعة “المَحَلّي” الى الفَضاء “الكَوْني” الفَسيح، وعَمِلَ على تحويلها بِعَطائه الفِكّري المُمَيَّز، أثناء عَمَلِه في أهم جامعات الولايات المتحدة ، إلى قضية وطنية وكَوْنِيّة بنفس القَدْر ، تَهم الإنسانية قاطبةً .
رَفض “إدْوارد سعيد” الإنصياع الى طغيان ” القادة التاريخيين “، فَعارضَ القائد “عرفات” عندما إرتُكِبَ أكبر خطأٍ في تاريخ القضية الفلسطينية بتوقيعه ” إتفاقية أوسلو ” ، هذا الخطأ الذي لمّا أُدرك عرفات فَداحَتَه ، وفَكَّر بِِتَصْويبه ، قام ” شَريكَه الإسرائيلي ” في تلك الإتفاقية بتَصْفِيَته جسدياً .
قُتِلَ عرفات وبَقِيَ الشعب الفلسطيني بعد ذلك يَدْفَع ثمن ذلك الخطأ تحت قيادة وَرَثَته الذين لم يروا في “تأبيد الاحتلال” ، وفِي جَعْلِه ” بلا كُلْفة “، وفي حِماية “أمن الإحتلال ” أي غضاضة أو ضِير ، فانْتَعَشَ في ظِلّهم الفَساد ، ونَمى وتَرَعْرَع،- في سابقةٍ تاريخية في العلاقة ما بين المُحْتَل وضحية الإحتلال- التنسيق الأمني مع المُحْتَل برعايةِ وتمويلِ الولايات المتحدة الأمريكية؛ وهي الدولة الراعية لدولة كيان الفَصْل العُنْصري التي تمدها بالمال والسلاح والتقنية الفَتّاكة الذي تَستعملها في إضطهاد ضَحيتها وفِي تعذيبها وذبحها …!
لَمْ يَتَمَكَن المَرَض اللَّعين (اللوكيميا) من كَبْتِ صوته أو إيقافِ أَصابع يَدِه عَن الكِتابة كما كان يَشْتهي إخراسه أعداءُ فلسطين من الصَّهاينة العُنْصريين ، وفي هذا كان “إدوارد سعيد” يقول:
” ذَلِكَ ما لَنْ يَحْدُثْ إِلا إذا مُتْ “…
ولمّا مات ،.. بَقِيَ فِكْره المَنْشور يَقْرع نّواقيس ” فلسطين ” في كل مكان ؛ في ” داخل المكان ” و في ” خارج المكان ” .
وبذلك ، يكون “إدوارد” ، قد التَّقَطَ راية الكفاح من أجل فلسطين وذلك بعد عِشرين يوماً فقط من إِبْصارِه النّور ،… إلْتَقَطَها من تُراث الرِّسالة التي حَمَلها المُناضل العربي السوري عِز الدين القسّام في فلسطين قبل استُشهاده ،… وراحَ، بعد ذلك ، يُسافِر بها الى أرجاء الكَوْن ، ويُضيفُ إلى مضمونها الوطني بُعداً كونياً إنسانياً لا يُبارى.
في سِيرَتَيْ “القسّام” و”إدوارد سعيد” قاسمٌ مُشْترك ؛
• الأول وبوعيه الفِطْري ، أدركَ في ذلك الوقت أنَّ “بريطانيا” بِصِفَتها مُحْتَلٌ استعماري كولونيالي لفلسطين هي “العدو الرئيسي” الذي بِدَحْرِه يتم إجهاض مشروع الحركة الصهيونية ،رَبيبَتِه ، وأدركَ
• الثاني أنَّ إسرائيل ككيان صهيوني عنصري تحقق بفضل “التماهي” ما بين “الصهيونية” و”الإمبريالية” من جهة، وبفضل الدَّعم المُذهل الذي مَدّته بها الدُّوَل الإمبريالية -والتي مَكّنَته من الحياة والنمو ومن التَّوَسع – من جهة أخرى .
وأنها في ذات الوقت كِيانٌ يَحْمِل في طَيّاتِه طَبيعة إستعمارية كولونيالية توسعية عُنصرية شَرِهة ،
وبالتالي فإنَّ الإثنين أدركا أن المُواجهة تَعني الإشتباك مع “الامبريالية” ، وفَضْح “الطابع” العنصري الكولونيالي لهذا الكيان .
وأُضيف بأنَّ مَنْحى تفكيرهما كان يمكن ان يُفْضي الى أن تحرير يهود إسرائيل من الصّهيونية يَفْتَح آفاق التعايش مع الشعب العربي الفلسطيني ، وشُعوب المنطقة على قاعدة حل ديمقراطي إنساني شامل في إطار دولة واحدة ( وهي فكرة تنسجم مع ما توصل اليه “ادوارد سعيد” قبل سنوات قليلة من وفاته ) :
• يُنهي معاناة الفلسطينيين من سياسات الفصل العنصري والأباتهايد داخل فلسطين /اسرائيل، و
• يَحل مُشكلة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات اللجوء وفِي الشّتات ، ويُعيد لهم مواطنتهم على أرض فلسطين،و
• يُحرر الفلسطينيين من نَيْر الإحتلال الإسرائيلي الطويل وشُروره ، كما
• ويُحَرِّر يهود الكيان الصهيوني “إسرائيل” أنفسهم، ويهود العالم من أوهام وأساطير الصهيونية المتمثّلة في إقامة كيان عنصري على أساس ديني ، بدواعي الإحساس بالتفوق على إعتبار أن اليهود ” عِرْق ” إصطفاه الله على غَيره من مَخلوقاته ، وأنَّه خَصَّص لهم أرضاً على وجه التعيين دون غَيْرهم من شعوب الأرض .
ما حَمَلني أن اكتب عن “إدوارد سعيد” المُثَقَّف ، والمُنَظِّر التنويري صاحب الفِكْرِ المُقاوِم هو كتابه ” الثقافة والمقاومة “، وقد مَدّني به أخي سيف ليكون رفيقاً لي أثناء فترة العلاج في هايدلبيرغ، وما دَفَعَني أنْ أكتب عن “عز الدين القسام” أنّه الرَّمز المقاوم ذو الطابع الجيڤاري للقائد المُنتمي المُؤمَّن بقضيته القومية والمُسْتَعِد للتضحية بلا توانٍ وبكل إخلاص لقناعاته.
وأخيراً وكما في كل خميس ، فقد التقينا – عند ظُهْرِ هذا اليوم وبعد انتظارٍ دام هذه المَرّة نحو ساعتين – بالبروفسور بيتر دويچر .
كان سعيداًً بلقائنا كما في كل أُسبوع . ولما إستمع الى ما أشتكي منه ، عاد ليقول أنّه يَعتبر إستجابتي للعلاج جيدة، وأن ما أشعر به يندرج في كَوْنِه أعراضاً متوقعة، وغير شديدة .وقام بتسليمنا نتائج فحوصات الدم لهذا اليوم والتي أظْهَرَت مؤشراتها الرئيسيّة تَحَسُّناً عن تلك التي ظَهَرت في الأسبوع الماضي.
بهذه الخلاصة ، نُنْهي يومية هذا اليوم .
وللحديث بقية.