Menu Close

جاءني من السيدة نوال حشيشو تعليقٌ مكتوب، على الخاطِرة التي كتبتها هذا اليوم ( ١٠ شباط ٢٠١٩). بادلتها التعليق بالتعليق إغناءً للنقاش:

إستلمت من السَّيِّدة المُرَبِّيَة الفاضِلة نوال حشيشو ، تعليقا ًعلى الخاطِرة التي كتبتها هذا اليوم . التعليق يقول:

“مرحبا عبد الرحمن عزيزي.

قبل أن أقرأ بقية اليوميات التي عادة يمكن ان اقرأها وانا غير مشغولة بأمور اخرى.

انت في هايدلبرغ الآن واود ان اطمءن عن صحتك اولا وارجو ان تكون بخير وهو ما اعتقده فرؤيتك لما هو جميل والاستمتاع بما

ترى مؤشر على ذلك.

اعجبني اسلوبك بالكتابة

وهذه موهبة عليك استثمارها بهذا النوع من الكتابة.

اما ما تراه في الشارع في تلك البلدان من نظام وذوق فلا تعتب على العائلة أو المدرسة في بلادنا مع اهميتها، أنها نظام اجتماعي شامل يتبناه الجميع ويحاسب الفرد اذا اخترقها بنظرة أو إشارة حتى من الاطفال قبل الكبار. أنها نظام حياة لم تأت من فراغ. وهذا ما يفسر التزام العربي بنظام المجتمع عندما يكون هناك. وقد لا يلتزم به عندما يعود الى ارض الوطن. أليست هذه ظاهرة عامة؟

اعذرني اذا استرسلت بالكلام فقد تخيلت ما كنت تستمتع برؤيته وقد خبرت هذا المشهد في تلك البلاد وتنميته في بلادنا.

ارجو ان تكون بخير وسلامي لك وللعزيزة منى وعودة ميمونة ان شاء الله

نوال”

كتبتُ لنوال أقول:

نوال ، يا صديقتي

في أواخر ستينات القرن الماضي ، إسْتَمعتُ في عمّان إلى مُحاضرة للدكتور صادق جلال العظم في عمان .

كان ذلك بعد ٥ حزيران ١٩٦٧.

كان السؤال الكبير : لِمَ إنهزمنا في “خمسة” ساعات أو في “خَمْسِة” أيام …لا فرق …!؟

لِمّ إنْهَزَمَتْ أنظمتنا ( الثورية ) و ( الرجعية ) في ذات الوقت وبنفس الطريقة ، ودون مقاومة تُذَكر …!؟

كثُرَتْ التحليلات في تلك الفترة ،… وكان أَحَدَها يُفَسِّر الهزيمة على أنها هزيمة “للبورجوازية الصغيرة العربية” وأنظمتها الثورية في مصر وسوريه ، وهزيمة للأنظمة ” الرجعية ” العربية لتبعيتها للغرب الاستعماري ولفُقدانها الإستقلالية ، وللطبيعة البُرجوازية الرَّثّة ( الكومبرادور ) للطبقة الحاكمة فيها …وهي طبقة وكلاء الماركات التجارية والصناعية الأوروبية والأمريكية والتي لا تلعب الا دور المُرَوِّج لمنتجات الغرب .

أقول طبقة كومبردور تقبل بهذا الدور ، ولا تسعى لبناء صناعات إنتاجية حقيقية في بلادنا كي تتمكن من أن تلعب الدور الثوري التقدمي الذي لَعِبَته البرجوازية الأوروبية التي إنطلقت من رحم الإقطاع الزراعي الأوروبي وتمردت عليه وتصارعت معه وهزمته وتمكنت من اعادة تشكيل البنية الطبقية لمجتمعاتها : طبقة برجوازية صناعية منتجة ، وطبقة عاملة ماهرة ، وطبقة برجوازية صغيرة او متوسطة مساندة ، وزراعة مُمَكْنَنة وريف مُكهرب، وشبكات طرق وسكك حديدية رابطة للأطراف مع المركز ، ومجمعات زراعية كبرى ، وأسواق داخلية وخارجية … وتَمَكَنَّت من بناء دولة مدنية ديمقراطية برجوازية ، منحت لطبقة رجال الدين دورهم وحجمها ووضعته خارج نطاق قيادة المجتمعات وادارة شؤونها المدنية والإنتاجية وغيرها .

فَسّر الدكتور صادق العظم الهزيمة على أنها هزيمة للمشروع الذي حملته الطبقات الجديدة الصاعدة في المجتمع العربي المصري أولاً والمجتمع العربي السوري والعراقي … وقال ان البرجوازية الصغيرة الحاكمة فيها هي طبقة هَشَّة فَضْفاضَة تتحرك مصالحها صعوداً وهبوطاً ، لانها طبقة مُتَذبْذِبَة ، وأن هذه الطبقة لم تتمكن من العمل على تصنيع مجتمعاتنا وتحويلها الى مجتمعات إنتاجية ، وبالتالي الى اعادة تَشكيلها طبقياً الى طبقات منتجة …

وقال ، أن الطابع الغالب على مجتمعاتنا في تلك الفترة كان طابعها الإستهلاكي المحض ، فهي تستهلك ما يستورده الكومبرادور المحلي ( البرجوازية الصغيرة والمتوسطة ) من منتجات ،… واذا ما نزعت الى التصنيع ، فهي تنزع الى التقليد وبناء صناعات خفيفة ، تحويلية ،تشكل وسيلة وإمتداد لترويج منتجات لماركات أجنبية … ولا تنزع الى بناء قاعدة إنتاج ثقيلة والى بناء منظومات أبحاث وتطوير ، وتنمية وإبتداع تقنيات ،.. ولا الى غزو أسواقها الداخلية بمنتجاتها الثقيلة المُصَنّعة من قبل قواها الإنتاجية والعاملة ، وبالطبع ، لا تسع الى فتح أسواق خارجية لمنتجات مجتمعاتها الصناعية هي …

وفِي سياق محاضرته ، قال الدكتور صادق ، إن التقاليد السائدة في المجتمعات الصناعية في أوروبا وقيمها هي نتاج طبيعي لمفهوم ” خط الإنتاج “، فخط الإنتاج الصناعي يتطلب أن يأخذ كل عامل مكانه على خط الإنتاج الطويل في وقت واحد ، ودون اَي تأخير ، وأن يقوم كل عامل بدوره المحدد والموصوف له والمُدَرّب عليه في العملية الإنتاجية وضمن الوقت المسموح له فيه فقط دون زيادة او نقصان ، وان المنتج النهائي ، في نهاية خط الانتاج هو حَصيلة عمل كل فرد في موقعه على طول خط الانتاج … وهو إنتاج ينبني على ورديات عمل مدتها ثمانية ساعات بالضبط ، ويتمتع فيها عمال الخط بالراحة معاً وجميعاً وفِي وقت واحد ، ويتناولون وجباتهم الغذائية المَعِدة مُسْبقاً خلال مدد معينة ، ويعودون للعمل على الخط الانتاجي جميعاً في وقت واحد أيضاً ، ومعاً…

إذن، المنتج ، يا نوال ، هو حَصيلة جهد جمعي منظم ومنضبط تماماً وبصرامة ،.. وإن غياب عامل واحد عن مكانه في خط الإنتاج أو تأخره لفترات ولو قليلة سيؤدي الى إضطراب في العملية الإنتاجية وإجهاض النتائج المتوقعه منها …

لذا ، فان النظام والانضباط ، واحترام المواعيد ، ومراقبتها بالضبط ، والانتظام بالعمل ، والإلتزام بمقتضياته ، والمراقبة ، والمهارة ، وتوخي الدقة ،والملاحظة ، والتعاون ، والنظافة ، والتقيد بالتعليمات ، والغذاء ، وملابس العمل المناسبة ، .. الخ، أقول ،كل ذلك هي مُتلازِمات ضَرورية ومُرادفات لمفهوم الإنتاج والتصنيع …

وبالتالي ومع التّحول الطبقي الذي حصل في أوروبا خلال الثورة الصناعية ، فقد أصبحت تلك التقاليد قيماً طَبيعية مقبولة وأصيلة للمجتمعات الصناعية ومواطنيها ….

ولكي لا يتكدس الإنتاج ، يجب تسويقه أولا بأول ،…

من هنا ، نشأت أنظمة التخزين والتعليب والتسويق والدعاية والنقل والتوزيع والعَرْض ،…الخ وذلك للمنتجات التي تُصَنّعها الطبقات المنتجة والعاملة ولمنتجات يتم إبتداعها من قبل مراكز الأبحاث والتطوير ، وبتقنيات وأساليب إنتاج يتم تطويرها بقدرات المجتمع الذاتية ومساهمات المُطَوِّرين والمُبدعين فيه…

ولكي ، تعمل المصانع بإنتظام ، يتعين على الدولة أن تؤمن – ضمن العديد من المهام التي يتوجب عليها القيام بها – وسائل نقل مناسبة وكافية وقادرة على توصيل العمال والمُوظفين الى أماكن عَملِهم في الأوقات التي يتعين عليهم أن يكونوا متواجدين فيها ،بالضبط ، ودون زيادة ،ودون نقصان…!

وعلى نحو متوازٍ ، فانه يتعين على نظام التعليم أن يَرْفد المجتمع الصناعي والإنتاجي بحاجاته من المهارات ، وان يلعب دوره في إسناد العملية الإنتاجية ببحوث التطوير والإبداع …

هي إذن منظومة متكاملة ، تتخلق تقاليد العمل وقيمه بصورة طبيعية وتلقائية لتصبح فيما بعد أساليب حياة …

أمّا المُجتمع الزراعي التقليدي ، فهو مُجتمع يعتمد على ما تجود فيه السماء من أمطار أو حَرارة وربما أيضاً على التوسل والرجاء وصلوات الإستسقاء …!

الدكتور صادق ، يا نوال، وَصَفَ مُنجزات “الأنظمة الثورية ” في الفترة السابقة لهزيمة حزيران ١٩٦٧ على أنها منجزات، هي في أحسن أحوالها، وَسَطيّة الطابع ، غير جذرية، وأن المشاريع والحلول والسياسات التي تبنتها كانت قصيرة المدى، لأنها نُتاج طبقة قصيرة النَّفَس ، طبقة مُتَذَبْذِبَة في سياساتها وفِي خياراتها ، لا تتحمل المُعاناة المُصاحِبة للتخطيط طويل المدى ، وبالتالي ، فهي طبقة لا تَتبنى حُلولاً طويلة النفس .

لذلك ، كانت حُروبها كلها، يا نوال ، ومنذ العام ١٩٤٨ ، حروبٌ قَصيرة المَدى ، ونتائجها مَحسومة مع عّدو ، مُنَظّم ، يتمتع أفراده بمعارف وخبرات ومهارات المجتمعات الصناعية ، وأصبح فيما بعد متفوقاً صناعياً ، هذا بخِلاف الدعم الذي يتلقاه من القوى الرأسمالية الأوروبية …

نعم ، يا نوال ، كانت حروبها كلها ، حروباً قصيرة لأنَّ الحروب طويلة الأمد، وهي الكفيلة بهزيمة عدو متفوق تكنولوجيا وصناعياً، هي حروب لا تقو عليها وغير مستعدة لها ..!

نوال

في تعليقك ، قُلْتِ أن الفِرَق أو السبب هو في أن تلك القِيَم هي بالنسبة للمجتمعات الغربية ” أسلوب حياة” ،.. وها أنا بهده الخاطِرة أُكَمّل على ما ذكرتيه ،..

وأخيراً ، فان التحليل يقودنا من جديد الى المُرَبّع الأهم ، وهو أن لا مستقبل لنا في بلادنا دون بناء ” الولايات المتحدة العربية “، ودون إنتهاج سياسات إنتاجية تكاملية على طول وعرض وطننا العربي ، وتبني سياسات تعتمد على تطوير القدرات الذاتية …

سياسات واستراتيجيات عمل مُتحررة من التَّبَعية ، وهذه مهام تحتاج لمن يَحملها يا صديقتي نوال.

عبد الرحمن البيطار