الجمعة الموافق ٩ شباط ٢٠١٨
غَطَّت يَوْمِيّة ” الثلاثاء ” الماضي أعمال الإرهاب التي تَعَرَّضَت لها عدد من المدن والقرى العربية في فلسطين على يد المنظمات الصهيونية المسلحة ( “الهاچاناه” ، “الإرغون” و “شتيرن” ) في آذار ١٩٤٨ .
بعد يومين من الإنقطاع عن إستكمال تغطية أحداث شهر آذار ١٩٤٨ ، قُمْتُ فيهما بتسليط الضوء على قضايا أخرى من الوطن ذات وزنٍ وأَثَر ، نَعودُ أَدْراجَنا اليوم لإستكمال رواية الأحداث كما تم تَسجيلها في عددٍ من الكُتُب والمَراجِع بَعْضَها عَرَبي وبَعْضها “إسرائيلي” وبَعْضَها من قِبَلِ آخرين .
وأعود وأُكَرِّر أني في هذه اليوميات لا أدَّعي أنَّ الجَرْدَ الذي أُقَدِّمُه شامِل وجامِع لكل ما حَدث ،… ولكنّه كافٍ في نظري لتكوين صُورَة عمّا حَصَل في تلك الفترة من حياة شعبنا الفلسطيني العربي ، وعلى الأَخَص في ذِهْنِ أُولئِكَ الذين لَمْ يَعوا أو يُدْرِكوا كُنْه تلك الأحداث عندما وَقَعَتْ أو مغازيها ، وَهُم فِئَة من النّاس ستكون أعمارها الآن لم تتجاوز حَدَّ الثمانين من العمر أو أقل ، وذلك إذا ما كانت أعمارهم عِنْدَ وُقوع تلك الأحداث في آذار ٤٨ قد تَجاوَزت العشرة أعوام .
ولأَنَّ مَسألة تَهْجير الفِلسطينيين من بُيوتِهم وأَراضِيهم تَقَع في صَميم المَصْلَحة الصّهيونية ، ولأنها في ذات الوقت مَسْأّلة كانت تُؤَرِّق القِيادَة الفلسطينية ،… فقد كانت دَوْما مَحَطَّ إهتمام القادَة الصّهاينة من جِهَة ، وقادِة الحركة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.
وفِي هذا الخصوص ، فإنني أَوَدُّ هُنا أن أُسَجِّل أن الدائرة السياسية في “الوكالة اليهودية” قد لاحَظَت في ١ آذار ١٩٤٨ أنّه وخلال الأشهر الثلاثة التي إنْقَضَت بعد صدور “قرار التقسيم” ، فإن ” الهيئة العربية العليا نَجَحَت في فَرْض رَقابة دَقيقة على أولئك الذين يُغادِرون فلسطين إلى الأقطار العَرَبية ” ، والتي كانت كما سَبَق ان ذَكَرْنا تَقْتَصِر على فِئَة مَحدودة من الفِلسطينيين المُقيمين في بَعْض المُدُن والقُرى الأكثر إضطراباً وتَعَرُّضَاً لعمليات العُنْف والإرهاب و الذين كان يَتَمَلَّكَهم في ذات الوقت الإحساس بأنَّ الخُرّوج من تلك المناطق ذو طابِع مُؤَقَّت ، وهَؤلاء كانوا يَثِقونَ بأن الدُّول العربية وجيوشها لن تَسْمَح للمنظمات الصهيونية من إقامة دَوْلة في فِلسطين ، وأنَّ العَوْدة الى البيوت والممتلكات ليست إلا مسألة وَقت قَصير لا أكثر، والتي لَمْ تَكُنْ لتَتَصَوَّر أبداً أن بإمكان “المُنظمات الصّهيونية المُسلحة” تَحقيق النَّصر على “الجيوش العربية” ، وعلى الأخص وأن طلائع “كتائب جيش الإنقاذ” كانت قد بدأت بالدُّخول الى فلسطين منذ ما قبل شهرين أي في كانون الثاني ١٩٤٨ ، وأنَّ أَعدادَها في فلسطين كانت آخذة في التّزايد منذ ذلك الوقت.
وفي هذا الصَّدّد ، فإنَّه لَيُذْكَر أنَّ رئيس “الهيئة العربية العليا لفلسطين ” (الحاج أمين الحسيني)قام في ٨ آذار ١٩٤٨ بالطلب من الحكومة المصرية إلغاء تصاريح الإقامة للفلسطينيين الذين وَصَلوا إلى مصر .
وإسْتِكمالاً لـ “جَرْدة حِساب آذار ١٩٤٨” ، فإنَّه لَيُذْكَرْ أيضاً أنَّه وتنفيذاً لقرار “مجلس الجامعة العربية” المُتَّخَذ في كانون الأول ١٩٤٧، فقد دَخَلَت الى “يافا” في ٥ آذار ١٩٤٨- التي كانت تَتَعَرَّض هِيَ وقُراها لضَغط مُتصاعِد من قبل إرهابيّي المُنَظَمّات الصّهيونية المُسَلّحة- وِحْدَتَين من “كتائب جيش الإنقاذ” ضَمَّت كل مِنْهُما (٣٦٠) متطوعاً .
كما التحق بـ “كتائب جيش الإنقاذ” في القِطاع الأوسط من فلسطين في يوم ٧ آذار ١٩٤٨ ، قائِدها المُعَيَّن من قبل “اللجنة العسكرية” التابعة لـ “جامعة الدول العربية” فوزي القاوقجي، وتَسَلَّمَ قيادة وحدات الجيش في ذلك القطاع.
كُنّا قد ذَكَرْنا في يومية ٣ شباط ٢٠١٨ أن قرية “أبو شوشة” الواقعة بالقرب من “حيفا” قد تَعَرَّضَت لهجوم من قوات “الهاچاناه” في ٣ كانون الثاني ١٩٤٨.
وسَنَذْكُر هنا رد الفعل على ذلك الهجوم والذي تَمَثَّلَ في قيام مجموعة مسلحة فلسطينية فِي يوم ١١ آذار من العام نفسه، وبمُساعدة سكان من قريتي “أبوشوشة” و “أبو زريق” بالإنتقام عبر الإشتباك مع مُستوطنين من سكان مستوطنة/ مُستعمَرة ” هزوريع ” القريبة ، وقَتَلَتْ إثنين منهم .
وللتَّذكير فقط ، فقد ذَكَرْنا في إحدى يوميات الأسبوع الماضي أنَّ إرهابيين صَهاينة كانوا قد أنطلقوا من مستوطنة/ مُستعمّرة ” هزوريع ” في ٣١ كانون الثاني ١٩٤٨ ، وهاجموا قرية ” قِيرة ” القريبة أيضاً من المستوطنة/ المُستعمَرة المذكورة ، وقتلوا عدداً من سُكانها.
و قد إسْتَغَلَّت “مَصلحة المخابرات” في “الهاچاناه” ( شاي) الأحداث الجديدة التي وَقَعَتْ حول مستوطنة/ مُستعمَرة ” هزوريع ” بأنْ قامَ ضُباطها بزيارة قرية ” قِيرَة ” وتَوجيه تَهديدات مُباشِرة لسُكّانها والطلب اليهم مغادرة القرية مُحافَظةً على حياتهم . ونتيجة تلك التهديدات ، إنصاع عددٌ من سكان القرية لها وغادروا قريتهم.
وقد شَهِدَ آذار ٤٨ نشاطاً مكثفاً لـ “سرايا قوات الجهاد المقدس” في فلسطين والتي كانت تعمل تحت قيادة القائد عبد القادر الحسيني.
فقد قامت إحدى مجموعات “الجهاد المقدس” فِي يوم ١٦ آذار ١٩٤٨ بإغلاق الطريق المُؤدي الى المستوطنات / المُستعمَرات اليهودية المقامة في النَّقَب وذلك عند قرية ” بربرة ” قضاء “غزة”. كما نَصَبَت يوم ١٨ آذار كميناً لقافلة من “الهاچاناه” كانت تمر عند قرية ” عرطوف ” في منطقة “اللطرون” غربي “القدس” مما أدى الى مصرع (١١) من أفرادها. وفِي عملية ثالثة نَفَّذتها في يوم ٢١ آذار ٤٨، نَجَحت مجموعة من قوات “الجهاد المقدس ” من تفجير سيارة مفخخة في شارع الميناء في “حيفا” مما أدى الى إصابة (٢٠) صهيونياً . كما قامت مجموعة اخرى بالهجوم على مستوطنة/ مُستعمَرة “عطروت” الواقعة الى الشمال من “القدس” .
وفِي عملية مشتركة لمجموعات من قوات “الجهاد المقدس” و”جيش الإنقاذ” ، نَجَحَتْ هذه المجموعات في ٢٧ آذار من نصب كمين لقافلة من “الهاچاناه” كانت في طريقها الى مستوطنة/ مُستعمَرة ” يحيعام ” الواقعة في منطقة الجليل الأعلى ، ونجحت في قتل (٤٥) من أفرادها. وقد هرعت دوريات من الجيش البريطاني لنجدة القافلة بعد حصول الكمين .
وفِي نفس اليوم ، تمكنت وحدة ثانية من “الجهاد المقدس” من نَصْبِ كمين لقافلة أُخرى “للهاچاناه” كانت تتجه الى مستوطنة/ مُستعمَرة ” غوش عتصيون ” قرب الخليل ، وأدى الكمين الى مقتل (٧٠) فرداً من أفراد “الهاچاناة” ، وأسر العشرات و هنا أيضاً تدخلت الدوريات البريطانية لنجدة القافلة ، ونَجَحَتْ في التوصل الى ترتيب تم بمقتضاه أستلام سائر أفراد القافلة في موقع النبي دانيال جنوبي “بيت لحم” .
وأخيرا وفِي ٣١ آذار ١٩٤٨، نصبت مجموعات من “الجهاد المقدس” كمينا لقافلة ثالثة “للهاچاناه” عند قرية ” خُلْدة ” شرقي “الرملة” .
أما مواقف الأطراف المَعْنِيّة في الصِّراع ، فقد سُجِّلَ في آذار ١٩٤٨ كما يلي :
• الموقف البريطاني :
- في ١٠ آذار ٤٨، صَوَّتَ مجلس العموم البريطاني لصالح إنهاء الإنتداب البريطاني على فلسطين إعتباراً من ١٥ أيار ١٩٤٨.
• الموقف الامريكي :
- في ٢ آذار ٤٨، قام مندوب الولايات المتحدة الامريكية في مجلس الأمن بإبلاغ المجلس بأن الولايات المتحدة ” تُحَبِّذ تنفيذ التقسيم بالوسائل السلمية فقط “.
-
في ١٨ آذار ٤٨، إستقبل الرئيس ترومان بصورة سِرِّية الزعيم الصهيوني البريطاني “حايبم وايزمان” في البيت الأبيض ، ووعده بتأييد إعلان الدولة اليهودية في ١٥ أيار ١٩٤٨ الذي تَنوي “الوكالة اليهودية” القيام به في ذلك التاريخ.
-
في ١٩ آذار ٤٨، وفِي ضوء التطورات التي حصلت في فلسطين بعد صدور “قرار التقسيم” ، طلب المندوب الأمريكي من “مجلس الأمن” أن يُعَلِّق الإجراء الخاص بخطة التقسيم ، وأن يدعو الى عقد جلسة له للبحث في إعلان “وصاية دولية” على فلسطين .
-
في ٢٥ آذار ٤٨، دعى الرئيس ترومان إلى هُدْنة فورية بين العرب واليهود ، ويقول بأن الولايات المتحدة سَوْف تشارك المسؤولية في “الوصاية المؤقتة”.
-
في ٣٠ آذار ٤٨، تَقَدَّمَ مندوب الولايات المتحدة بمشروع قرار الى مجلس الأمن طالبَ فيه بعقد “هدنة” بين ممثلي “الوكالة اليهودية” وممثلي “الهيئة العربية العليا لفلسطين” .
-
في ١ نيسان ١٩٤٨، صّوَّت مجلس الأمن على عقد دورة إستثنائية لـ “الجمعية العمومية للأمم المتحدة” ، ووافق على إقتراح الهدنة الامريكي المقدم في ٣٠ آذار ١٩٤٨.
ويُلاحظ من المواقف أعلاه ، بدء ظهور تباين في موقف البيت الأبيض ( الرئيس ترومان ) و وزارة الخارجية الأمريكية بخصوص “قرار التقسيم” .
• الموقف العربي من المُقترحات الأمريكية :
- في ٢٠ آذار ١٩٤٨، أي في اليوم التالي لطلب المندوب الامريكي من “مجلس الأمن” تعليق الإجراء الخاص بـ “خطة التقسيم” و…، أعلنت “جامعة الدول العربية” قبول العرب للهدنة ، وقبول “وصاية دولية” محدودة على فلسطين إذا وافق اليهود على الشرط نفسه.
• موقف الحركة الصهيونية من المقترحات الأمربكية ومسائل أخرى .
- رفضت “الوكالة اليهودية” في ٢٠ آذار ٤٨ مبدأ “الوصاية الدولية” على فلسطين.
وبخصوص مسألة إنشاء الدولة اليهودية ، أعلن “بن غوريون” في ١٩ آذار ١٩٤٨ ، أن إنشاء دولة يهودية مُسْتَقِلّة لن يَقوم على أساس “قرار التقسيم” الصادر عن الامم المتحدة بل على أساس “التفوق العسكري” اليهودي .
وبخصوص السِّياسة تجاه العَرَب الفلسطينيين في فلسطين ، لَخَّصَ أ. لوتسكي المبادىء الاساسية لسياسة “الوكالة اليهودية” في فلسطين تجاه العرب مع تصاعد القتال في تلك الفترة ( أوائل ١٩٤٨) في مذكرة أوضح فيها أن الهدف الرئيسي لسياسة الوكالة تجاه ” ألاقلية العربية ” في المناطق المُخَصّصة ” للدولة اليهودية ” في ” قرار التقسيم ” أنه كان :
- ضمان ” أمن الدولة “
-
تقليل ” الإنتماء السياسي ” العربي الفلسطيني ، و
-
الحيلولة دون النشاط الدّيني والسياسي.
وأن الهدف النهائي كان يتمثل في ” تشجيع ‘العرب النّاقمين’ على الهجرة من البلاد “.
وبخصوص مسألة التّخلص من الفلاحين العرب في فلسطين ، فقد عَبَّر يوسف ڤايتس ( مدير دائرة الأراضي التابعة للصندوق القومي اليهودي) عن ذلك وكما ورد في يومياته :
” أليس هذا هو الوَقت المُناسب للتّخلص من الفلاحين العرب ؟ ”
” لماذا يَجِب علينا الإبقاء على هذه الأشواك بيننا في الوقت الذي يُشَكِّلون فيه خَطَراً علينا ؟ ”
” رجالنا يُفكِّرون في الحُلول ”
وكان ڤايتس يقصد بالفلاحين العرب أؤلئك السكان العرب الفلسطينيون الذين بقوا في الأراضي التي كان الصندوق القومي اليهودي ( كيرن كايميت )وشركة ” ڤيكا ” ( شركة إستيطان يهودية في فلسطين ) قد تمكنوا من إبتياعها في السابق ، وجرى تأجيرها لفلاحين فلسطينيين .
بذلك تكون ” جَرْدِة حِساب آذار ” قد أنتهت ، وأصبحَ الإبحار في أحداث نيسان ١٩٤٨ العاصِفة في فلسطين وَشيكاً ، وهو الشَّهر الذي شَهِدّت فلسطين فيه تنفيذ الجزء الأهم من ” جرائم ” الخطة “د” ( دالت ) ؛ خُطّة التطهير العِرْقي المُمَنْهَج، الذي أسَّسَ لنكبة فلسطين والفلسطينيين …!
وللحديث بقية ، ولكِنّها جَد مؤلِمة .