السبت الموافق ١٠ شباط ٢٠١٨
في ١٨ تَمّوز من العام ١٩١٧ ، قدَّم اللورد روتشيلد الى مَجْلِس الوزراء البريطاني مَشروع القّرار الذي كانت الحركة الصهيونية تَتَطَلَّع من الحكومة البريطانية أنْ تَتَبَنَّاه وأنْ تُصْدِره كـ ” تصريحٍ ” يُعَبِّر عن موقفها الرّسمي ، ويتضمن مشروع القرار على قبولها بالمطالب الصهيونية وإعترافها ” بفلسطين وطناً قومياً للشّعب اليهودي ، وحق هذا الشَّعب ( أي اليهودي) في بِناء حياته القَوْمية في البّلد ( أي في فلسطين) ” ، ومَنْحِه ” حق الحكم الذاتي في فلسطين ، وحُرية هِجْرِة اليهود إليها، وإقامة شركة إستيطان يَهودية قَوْمِيّة لإعادة تَأسيس البلد وتَطويره اقتصادياً ” .
لَمْ تَتّبنى الحُكومة البريطانية المَطالب الصّهيونية كُلّها كما تَسَلَّمَتها من اللورد روتشيلد .
فَقَبل إصداره للتّصْريح المَعروف بـ” تَصْريح / وَعْد بَلفورْ ” ، حَصَلت مُداوَلات واسِعة ، وبَرَزَتْ أمام إصداره- كما يقول صَبْري جريس في كتابه ” تاريخ الصهيونية “- مَصاعِبَ جَديدة كان سَبَبها مُعارضة ‘اليَهود غَير الصّهيونيين’ في بَريطانيا لإصدار ‘ تَعَهُّد بَريطاني’ يَتَحَدَّث عن ” وَطَن قَوْمي ” لليهود في فلسطين ، مُوَضِّحين أنَّ اليهودية ‘ دين ‘، وليْسَتْ شَعْباً “.
ويقول صبري جريس أيضاً، أنَّه كان لهؤلاء اليهود ‘ مُمَثل ‘ في مجلس الحَرْبالبريطاني هو إدوين مونتاغيو ، حاكم الهِنْد البَريطاني ،الذي عارَضَ بِشِدَّّة طَلَبات الصّهيونيين ، مُعْلِنَاً أنّه : ” قَضى حَياتَه كلها في السَّعي للخروج من الغيتو Ghetto “، وأنَّه لا يُريد العَوْدة إليه ثانية.
“إدوين مونتاغيو” ، حاكِم الهِنْد البريطاني ، أعْلَنَها صَراحةً في ذلك الوقت – وقبل أنْ يُصْدِرَ بلفور تَصْريحه في ٢ تشرين الثاني من العام ١٩١٧ – بأنَّ المَشْروع الذي طَلَبَتْ الحَرَكة الصّهيونية من الحكومة البريطانية تَبَنّيه ودَعْم إقامته في فلسطين ، وإصدار تَصْريح رسمي بشأنه ، هو مَشْروع سَيَخلِق لليهود ” چيتو كَبير جَديد”، ليُصار الى سَوْقِهم إليه وحَشْرِهم فيه ، وهذه المرَّة لن يكون على الأرْض الأوروبية ، وإنّما في مكانٍ آخر خارِجَها ، أي في فلسطين.
وأنَّ يَهوداً أحراراً ” غَيْر صَهيونيين ” من أمثال “إدوين مونتاغيو” الذي قَضى ” حياته كلها في السّعي للخروج من الغيتو ” الأُوروبي ، وتَحَرَّرَ منه كما يقول ، لا يُريد هو أنْ يَعودَ اليهودي الى “چيتو جَديد” يَحْمِلُ إسماً “مُجَمَّلاً ” هو ” چيتو الـ وطن القومي اليهودي” في فلسطين ، ولا يُرِيد لليهود – الذين تحرروا من چيتو “البُنْدُقِيّة” الذي أُنْشِأ في العام ١٥١٦ وسِيقوا اليه وحُشِروا فيه لعِدِّة قُرون ، واللذين تَحرروا كذلك من جِيتوات “براغ” و”فرانكفورت” ….، ثم في وقت لاحق من چيتو “وارسو”( Warsaw ) …وغيرها من الچيتوات المقامة في مُدُن أوروبا – أن يُساقوا من جَديد الى ” الچيتو القومي الجديد ” في فلسطين ،كما تَصبو الى ذلك ” الحَرَكة الصّهيونية “.
ولأنَّ الحديثَ بالحديثِ يُذْكَر ، فقد استرعى انتباهي خبرٌ بأنَّ ” إسرائيل ” ؛ دَوْلِة الفَصْل العُنْصُري، تَقوم منذ العام ٢٠٠٢ بإحاطة نَفسها بجُدران شاهِقة الإرتفاع أُقيمَ جزء كبير منها على حُدود الأراضي التي تمكن ” جَيْش دِفاعِها ” من وَضْعِ يَدَهُ والإستيلاء عَليها بالقوة من الدُّوَل المُجاوِرة لفلسطين المحتلة ، أو على أراضي لم يَمْنحها إياها “قرار التقسيم” الصَّادِر عن ” الشَّرْعِيّة الدَّوْلِيّة ” (أي مُنَظّمِة الأُمم المتحدة) في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، والذي بمُوجِبِه تمَّ ” تشْريع ” تَقْسيم أراضي فلسطين المحتلة من قبل بريطانيا ، وإقامة دولتين على أرضها ؛
• واحدة ” لليهود مع أقلية عربية “، و
• الثانية ” للفلسطينيين العرب مع أقلية يهودية “،
وهي أيضاً ( أي إسرائيل ) لا تزال مُنْخَرِطة حتى اللحظة هذه في إحاطِة نَفْسها بجُدران فَصْلٍ وَعَزْلٍ مع كل من الأُردن ولُبنان وسُورية .
يتجاوز طُول الجُدران التي أنهتْ دولة الفَصْل العُنْصُري تَشييدها حتى الآن الـ ” الف كيلومتر ” ، منها (٧١٠) كم إختارت دولة الإحتلال بناءها على خطوط داخل أراضي الضِّفة المحتلة قامت هي بتحديد مَواضعها –دون إقامة أي أعتبار لمَصالح أو آراء أصحاب الأراضي التي أقامته عليها أو لآراء مجالس القرى والبلدات العربية التي مَزّقتها تلك الجُدْران – والتي أدّّت
- هي ،أي جدران الفصل تلك ، و
-الطرق الإلتفافية المُصَمَّمة والمُنَفَّذة لخدمة وصالِح سُكان المُستوطنات اليهودية دون غيرهم من السكان من جهة ثانية ، و
- مئات الحواجِز العَسكرية التي نَصَبَتها على الطرق التي يَسلكها على الأغلب الفلسطينيون فقط من جهة ثالثة ،
أعود وأقول ؛ والتي أدَّت الى تحويل مناطق عديدة في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة في العام ١٩٦٧ ، وسُكّانها الى :
• چيتوات / مَعازل بَشرية مُغْلَقة، أو
• شبه چيتوات “مُغْلقة” ، أو
• إلى نُسخة حديثة من جيتوات “مَفتوحة”
وكُلّها هذه المرّة من وحي وإبداع المُصَمِّمين والمُخَطِّطين من المُهندسين العُنصريين البهود الصهاينة، وخبرائهم أو مستشاريهم الأمنيين الفاشيين.

أما في قِطاع غَزَّة التي يَزْعم مَسؤولوا دولة الإحتلال و الأبارتهايد أنهم إنسحبوا من أراضيه في العام ٢٠٠٥ ، فإن أي دارِس أو مُتَأَمِّل فيما قامت به تلك الدولة تحت مُسمّى”إنسحاب ” سَيَصِل الى الإستنتاج القاطِع بأن ما نَفَّذَته تلك الدّولة والسَّياسة التي إتبعتها تجاه القِطاع وسُكّانه ، ليست ، في حقيقة الأمر إلا إعادة توزيع أو تَموضع لقوات الإحتلال تَسْتَهدِف تَحسين كَفاءة إنتشارها و تضييق حِصارها للقِطاع بَرّاً وبَحْراً وجَوّاً، وإلى تقليل الكلفة البشرية والمالية والمَعنوية للإحتلال والتي كانت تتكبدها قبل عام ٢٠٠٥ ، وعليه ومع المُضِي في بناء جدار الفَصٍل العُنْصُري وبوابات العُبور حول “غزة” ، والحِصار البَحري الصّارِم ، وحِرمان سُكانها من “مطار” و”ميناء”، فإن تلك السياسة تكون قد أفْضَتْ على نحو صَارِخ وبالنتيجة ، إلى خَلْق أكبر “چيتو بشري” –وهذه المَرّة ، على أيدي الأحفاد من اليهود الصهاينة من ضحايا الچيتوات– شهدته البشرية و يَشهده القرن الحادي والعشرين منذ العام ٢٠٠٥.
في الأَدَبِيّات اليّهودية حول ” الچيتو الاوروبي ” ليهود المدن الأوروبية ، تقول الرِّواية اليهودية بأنَّه ومنذ إنشاء “چيتو البُنٍدُقِيّة” في العام ١٥١٦، والى حين الإنتهاء من تفكيك الچيتوات في أوروبا بعد الثورة الفرنسية ،كان يتم حَشْر أعداد هائِلة من يهود تلك المدن في أَرْضٍ ضَيِّقة مَحدودة المَساحة مُحاطَة بجُدران مُرْتَفِعة، وبعَدَد محدود من البَوّابَات .
أمّا مباني الچيتو ، فكانت مُتَعَدِّدة الطّوابق ، مُتلاصِقة بعضها ببعض، بلا تَهويات ،وبلا سَاحات وحَدائق عامة، وطُرُقِها كانت ضَيِّقة وقَليلة.
أمّا مَساكن تلك المباني ، فكانت صغيرة الحجم ، مُكْتَظّة بعائلات كثيرة العَدَد، وكانتْ بارِدة جِداً أثناء فَصْل الشِّتاء ، وَلَمْ تكن مَخدومة بأنظمة صِحِيّة مُناسبة. وكان يَتِم الطّلب من سُكان الچيتو في أحيانٍ كثيرة تَمييز أنفسهم عن غيرهم من السُّكان بوَضْع شارات على أيديهم أو على صُدورهم . وكان يتم إغلاق البَوّابات خلال فَتَرات العُطَل والأعياد .
وعادة ما كان يَخْضَع يَهود تلك الچيتوات إلى قوانين وأنظمة صارِمة خاصة بسُكّانها فقط بالإضافة إلى نظام قضائي يَختلف عن ذلك الذي يَخضع له باقي سُكّان المَدينة .
لَمْ تَكُن الچيتوات مُصَمَّمَة لتَسْتَوْعِب النّمو في عدد السكان، لذلك ، ومع تَزايد عدد السكان، كانت الچيتوات تُصبح أماكن مُكتظة ، وتُصْبِح أنظمتها ومَرافِقها غير قادرة على تلبية حاجات السُّكان بصورة كافية وصحية .
وفِي ظل هكذا أوضاع ، كانت البَطالة في أوساط سُكان الچيتو مِمَّن هُم في سن العمل عالِية ،الأمر الذي كان يَتَسَبَّب في تَحويل الچيتوات الى مَراتعِ فقرٍ مُدْقِع وحياة بائِسة .
لَمْ يكن الچيتو بصفته حَي سكني محكومٌ بأنظمة بَلدية مُلائمة ، وبسبب كل ذلك ، ولفقدانها المرافق الصِّحية والخَدَمِيّة الكافِية، والمِياه النّظيفة ، وأنظمة الصّرف الصّحي ، كانت الأمراض تفتك بسكان الچيتو، وترتفع في أوساط كل شرائحهم معدلات الوفاة .
بإختصار ، كانت الحياة في الچيتو هي البؤس والشقاء بحد ذاتهما ؛ تَقْتُل الأمل في نفوس ساكنيها وتُشيعُ في أوساطهم اليأس والقنوط.
إذا ما شَطبنا مُسمى ” الچيتو ” اليهودي في المدن الأوروبية في القرن السادس والسابع عشر ، وَوَضَعنا مُسَمّى ” چيتو قطاع غزة ” الذي إكتملت أركانه في القرن الحادي والعشرين …، ، وإذا أردنا أنْ نَصِفَ الحياة في چيتو القطاع ، فهلْ يُمْكِن وَصْفَه بكلمات تَخْتَلِف عن تلك الكلمات التي وَصَفَتْ فيها الرِّواية اليهودية حياة البؤس في چيتوات المدن الأوروبية في تلك القرون ؟.
الفَرْق بين الچيتوين واضح ؛
الاول : تم تَصْميمه وتنفيذه ليَهود مُدُن أوروبا من قبل آخرين ( أوروبيين عُنصريين ) وحُشِرَ فيها يهود أُوروبا من مواطني دولها . أما
الثاني : فقد صَمَّمَه ونَفَّذَه، هذه المَرّة في تاريخ البشرية ، أحفاد يهود چيتوات أوروبا ممن أعْمَتْ الصهيونية بَصيرَتَهُم ، وعَبَّئَتهم بفكرٍ عنصري بغيض وبالكراهية المقيتة ، للفلسطينيين ؛
أقول ، نعم ، للفلسطينيين الذين تمثلت جريمتهم ، هذه المَرّة ، في أنّهم كانوا في المكان الذي إختارته الصهيونية العنصرية لإقامة وطنها القومي العُنصري لليهود ؛ أي “چيتوها الخاص بيهودها” فيه على حد تعبير اليهودي غير الصهيوني الحُرّ ” إدوين مونتاغيو ” ، أي على أرض هؤلاء الفلسطينيين وفِي بُيوتهم المُصادَرة، وعلى مُمْتلكاتهم التي إستولت عليها بالقوّة ، وقذفت بأؤلئك السُّكان الى مَهاوي الرّدى ، ومخيمات لا بل أقصد چيتوات البُؤس والشّقاء ، داخل فلسطين وخارجها.
اما السؤال الذي يَطْرَح نفسه ، وهو يُحَيّرُني ، فإنه يقول ، بأنه ؛
• إذا كانت دولة الكيان الصهيوني قد تمكنت من هزيمة جيوش أربعة دول عربية في العام ١٩٤٨، وتمكنت أيضا من تنفيذ أبشع تطهير عرقي للجزء الأكبر من شعب فلسطين من الجزء الأكبر من أرضه ، و
• إذا كانت قد تمكنت في العام ١٩٦٧ من هزيمة جيوش ثلاثة بلدان عربية ، و
• إذا كانت تُعْتَبر الآن ،ومنذ عدة عقود ، الدولة الأقوى في المنطقة وصاحبة الجيش رقم (٤) او (٥) في سُلَّم ترتيب القوة في العالم ،…
أقول : إذا كانت تلك الدولة تملك كل هذه المزايا والقُدرات والإمكانات …. فَلِمَ دولة مثلها تحتاج لبناء جِدار بطول يَزيد عن الف كيلومتر ، وأنْ تُقيمه حول حُدودها بحيث يُحولها هي :
• الى چيتو كبير ؛ ولكن بمستوىً عالٍ لا يُضاهى ،من جودة الحياة ليهودها وراءه ، و
• يُحَوِّل مَناطِق عَيْش السُّكان الفلسطينيين داخلها ؛في القدس وفِي العَشرات من المُدُن والقُرى الفلسطينية في الضِّفّة المُحْتَلّة وفِي قِطاع “غَزّه” إلى جيتوات ومَعازل شبيه بتلك التي كانوا يُحشَرُون فيها قبل إقتلاع تلك الجدران ، وإطلاق سراحهم من معازلها…!
لِمَ…؟ !
وكيف يَقْبل يهود “الجيتو الاسرائيلي الرّاقي الرّاهن” أن يتحولوا الى وُحوش بَشَرِيّة تُوَظِّف معاناتها طوال قرون في چيتوات أوروبا ،وتُحَوِّلها الى مَعارِف وخِبٍرات في بناء الچيتوات ، فتَتَفَنَّن في قَمْع و تَعْذيب أبناء الشعب الفلسطيني وبناته ، رجاله ونساءه وهو ، كما هُم يعرفون تماماً ، هو صاحب هذه البلاد التي إختاروها عن غيرها لإقامة “جيتوهم الرّاقي” على تُرابها ،…!
نعم ،… السُّؤال هو كيف …! ؟
أما مَصير هذه التَّجْرُبة فهو مَعروف وَيُقَدِّمَه التاريخ ، أدركه “إدوين مونتاغيو” ، وحاول في حينه أن يَتدارك الأمر ،…!
وكما إنهارت چيتوات أوروبا ، فإن مَصير الچيتوات التي تقوم الصهيونية العنصرية ودولة الأبارتهايد ” إسرائيل” بنصبها
وبناءها للفلسطينيين العرب، داخل فلسطين وخارجها ،سوف لا يختلف عن مَصير چيتوات أوروبا التي أُقيمت لمواطنيها اليهود …!
المسألة ، ليست الا مسألة وقت …!
أما يهود اسرائيل وبلدان العالم فنُحيلَهم للتاريخ
وهم يُحسنون قراءته.
وللحديث بقية