Menu Close

في ١١ شباط ٢٠١٨، تناولتُ في يوميتي لهذا اليوم مسائل أساسية لم يتم إيلائها حقها ووزنها المعقول ( واللازم ) عند صياغة استراتيجيات نضالنا الوطني الفلسطيني وسياساته،… كتبتُ في حينها من هايدلبيرغ أقول:

الأحد الموافق ١١ شباط ٢٠١٨

في مِثْلِ هذا اليوم قبل ثلاثين عاماً، شَرَّفتنا جُود بِحُضورِها وإنضمامِها كعُضو رابِع في العائِلة التي كانت في تلك الفترة ” تَكْبَر ” و ” تَكْبَر”..

ومُناسَبة ذِكرى ميلادها في هذا العام الذي تَحْتَفِل بِه “جُود” ، ونَحتَفِل مَعها بِه أيضاً ، يَأتِ وبين يديها ” تِينَه ” ، تَضُمَّها إلى صَدْرِها ، تَمْنَحها الحُب ، و”تِينَه” من جِهَتِها ؛ تَمنح “جُود” وفادي وتمنح كل من حولهما ” سَعادة ” بطعمٍ خاص…!

في هايدلبيرغ ،… شارَكَتْ السّماء في مَراسِم الإحتفال هذا الصّباح بتساقط زَخّاتٍ قَليلة من النَّدَف …!

بعد قَليل ، سَنَتّجِه الى فُندق الماريوت ، وهناك ، يَنتظرنا أحمد ونائلة وهانية اللذين وَصلوا الى هايدلبيرغ بعد ظُهر يوم أمس،…!

كان الّلقاء مَعهم حَميمياً ودافِئاً ، وكُنتُ في إنتظارهم .

في حِوارِهِ مَعَه في شباط من العام ١٩٩٩ ، سأل ديڤيد بارسميان إدوارد سعيد :

” – واحدٌ من الأَشياء التي تُصِرُّ عليها هو حاجِة الإسرائيليين الى مَعْرِفة وفَهْم ما إقترفوه ضدَّ شَعْبَك من الفلسطينيين . لِمَ تَعْتَقِد ذلك أمراً مهمّاً ؟

إدوارد ، أجاب :

“• لأن الكَثيرَ من تاريخنا قد جَرى طَمْسَه. إننا أناسٌ غير مَرْئيين. وتَعودُ قُوِّة وهَيْمَنِة الرِّواية الإسرائيلية إلى كَوْنِها تَعتَمِد كلّيةً تقريباً على نَوْعٍ من الرُّؤية البُطولية للروّاد الذين قَدِموا الى صَحْراء .

لَمْ يَتعامَلوا في نِهاية المّطاف مع سُكّان مَحَلِّيين ذَوي وُجود راسِخ ومُتَجَذِّر ، ويَعيشونَ في البَلْدات والمُدُن ويَمْتَلكون بُنْيَتَهُم الإجتماعية الخاصّة ، بل مع مُجَرّد صَحْراء يَقْطنها بَدَو هائِمون على وُجوهِهِم بحيث يَسْهُل طَرْدُهم “.

” إنَّ قيام الصهيونية بِرَسْم صُورِة البَدّوي الهائِم كان إجراءً في مُنْتَهى التّعقيد ، لكنّ الصهيونية عَمَدَت بالتأكيد الى إستخدامِه مَعنا كشَعب . ”

” … من مُؤشِّرات ذلك ، أنَّكَ حَيثما حَلَلْتَ في “إسرائيل” ، فإنك تَجِد شَواخِصَ الطُّرق مَكتوبة بالإنجليزية والعِبْرية ولا تَجِد كِتابة عَرَبية، وهكذا ، …..”

” إنّّ ذلِكَ يَبْدو مُخَطّطاً مُحْكَماً . إنه طّريقة لتغييب ٢٠٪؜ من السُّكان ( في إسرائيل ). وهكذا ، فإنه من الضروري جِدّاً أنْ يَتِمَّ إجبار الإسرائيليين ثَقافياً وعَقلانياً وأخلاقِياً على مُواجهة الحقائق التي يَنْطوي عليها تاريخهم “.

وفِي مُقَدَّمة الكِتاب ( الثقافة والمقاومة ) الذي جَمَعَ فيه ديڤيد بارسميان المُقابلات التي أجراها مع إدوارد سعيد ، كَتَبَ ديڤيد يَقول ، بأنَّ حَرْب ١٩٦٧ ، حَرَّضت إدوارد ” على أنْ يَنْشَط على الصّعيد السِّياسي ” ، وقد إسْتَفَزَّه تَصريح چولدا مائير في العام ١٩٦٩، عندما قالت : ” لَمْ يَكُن الأمر وكأنَّ هُناكَ شَعباً فِلسطينياً ….. إنهم لَمْ يُوجدوا “.

إنْبَرى إدوارد سَعيد بعد ذلك إلى تَحَدِّي ودَحْض ما ذَهَبَتْ إليه رَئيسة الوزراء الإسرائيلي چُولدا مائير ، وبعد سَنوات من العمل التوضيحي الإعلامي والفِكْري في الولايات المتحدة الامريكية ، وَمِنْ عَلى أهم منابرها الجامعية ، أدْرَكَ إدوارد صُعوبة المُهمة التي إضْطَلَعَ بها ، وقد عَبَّر عن ذلك قائلاً :

” إنَّ فِلسطين قَضِيّة غير مُجْزِية …. فأنتَ لا تأخذ شيئاً مُقابِل إلتزامَك بها سِوى الإزدراء والإضطهاد والنَّبْذ ….

كَمْ من الأصدقاء يَتَجَنَّبَونَ الخوض في هذه المسألة !

وكمْ من الزُّملاء لا يَرْغبون في سَماع أي خطاب فلسطيني ! وكم يصرف الليبراليون المتحمسون من الوقت في الإهتمام بقضايا البوسنة والشيشان والصومال ورواندا وجنوب أفريقيا ونيكارغوا وڤيتنام والحقوق الإنسانية والمدنية في أي مكان على وجه البسيطة ، ولكنهم لا يفعلون شيئاً من ذلك عندما يتعلق الأمر بفلسطين والفلسطينيين ؟ ”

في الإقتباسات أعلاه ، نستطيع أن نَتَلَمَّسَ عِدِّة قضايا:

• هناك مسألة ” التغييب “،… أي تغييب الفلسطينيين مِنْ صورة فلسطين ، أي تجريد فلسطين من فلسطينييها ،.. وهو خطاب كان يَرِد في الرواية الصهيونية عند مخاطبة الرأي العام العالمي والباحثين والمفكرين ، وأساتذة الجامعات ، وقادة النقابات ، ومؤلفي القصص والروايات ، ومنتجي ومخرجي الأفلام ، وكتاب الصحف والمجلات ، وقادة الجمعيات وجماعات الرأي في الجامعات ، والنَّاس البسطاء …، فنحن إذن، غير موجودين ، لذا ، فلا قضية يُعْتَدُّ بها لنا …لأننا غير مرئيين …! ، وإذا كنّا موجودين ، فنحن صورة بدائية للمجتمع الإنساني الحضري ،… ومن هنا يأتِ تقديم صورة ” الصحراء ” والبدو الهائمين فيها على وجوههم على أنهم ” المجتمع ” البشري الذي اكتشفوا وجوده في فلسطبن ….. ، لذا فحضور هؤلاء الرُّواد الصهاينة من يهود العالم الى فلسطين ، هو فِعْل حضاري إنساني من الطراز الاول ،…! ، وبالتالي فهو مُبَرر ..!

لقد عَبَّرتْ الشابة الأمريكية ” لِنْ چوتلِيب ” عن ذلك في روايتها التي ذكرتها في يومية (٥) شباط الماضي، وكما يلي :

” حكاية ‘لِنْ چوتلِيب’ والقضية الفلسطينية طويلة ، بدأت منذ أن بلغت السابعة عشر من العمر في العام ١٩٦٦ عندما قررت قضاء عطلة الصيف في أحد الكيبوتزات في فلسطين المحتلة .

تقول ‘لِنْ’ ، أنه ، ولدى انتقالها من المطار الى الكيبوتزْ Kibbutz الذي اختيرَ لتُقيمَ وتُمضي إجازتها فيه، لَفَتَ نظرها وهي في الطريق أنوارٌ خافته تتلألأ مِنْ على بُعْد، ولَمّا سألت مُرافِقَها عنها ، أجابها أنها أنوار قرية يَسْكُنها العَرَب .

دُهِشَتْ ‘لِنْ’ لجوابه ، وقالت له أَنْ لا أحدَ أَخبرها أنَّ هُناك عَرَبٌ يَعيشون في’إسرائيل’ !. ”

• ومع تَطَوُّر تكنولوجيا المعلومات والإعلام وإنتشار وَسائل التّواصل الإجتماعي خلال الـ (٢٥) سنة الماضية ، ولمّا كان من الصّعب الإستمرار في ترويج فِكْرة أن فلسطين هي أرض بلا شعب ، وللإستمرار في تعزيز الأهداف المرسومة لترويج مَفهوم ” التّغييب ” في الذِّهن الغربي ، فإنَّ الصهاينة أخذوا يُقَدِّمون أنفسهم خلال هذه الفترة على أنهم أصحاب مَشروع طَليعي ، إنساني ، ديمقراطي ، تَقَدُّمي ، عَصْري ، يُرَوِّج لِقِيَم المُجتمع الغربي ورسالته ” الحَضارية ” ، وسَوَّقوا فِكْرة أنهم واحة الديمقراطية الوّحيدة في شَرقٍ مُفْعَمْ بالإستبداد ، مُشَبَّع بالفكر الإرهابي ، ومَعْقل للجماعات الإرهابية ، وإستغلت الصهيونية إنخراط بعض حركات مقاومتنا وبصُورة عَمياء في تنفيذ أنواعٍ من العمليات التي كان من السهل وَصْمها بالإرهاب وتسويق وترويج هذه الصورة في أوساط مختلفة من الرأي العام العالمي . وعلى ذلك ، فالصورة التي عملوا على تَشكيلها في أوساط كثيرة من الرأي العام في بلدان كثيرة أنهم هم أصحاب المَشروع الحضاري الإنساني الديمقراطي التقدمي او العصري ، وأن الفلسطينيين هم البيئة التي تُفَرِّخ الإرهاب والإرهابيين ،… لذا فإن قَمْعَهم مُبَرَّر ، وأن لا قَضِيّة لهم …

• أقوال إدوارد سَعيد حول الصّعوبات في تحقيق إختراقات لصالح تَصحيح صُورة القضية الفلسطينية في أذهان نساء ورجال الرأي العام الغربي والعالمي هي أقوالٌ صحيحة. كانت هذه الصُّعوبات سائِدة ومَلموسة تماماً في التِسْعينيات من القَرْن الماضي ، وفِي الولايات المتحدة على وجه التعيين ،.. وهي صُعوبات لا زال جزءاً جسيماً منها قائِماً وماثلاً حتى هذه اللحظة ،…! لكن تغييراً ما يمكن رَصْدِ حُصوله خلال العقدين الماضيين أو أن مَفاعيله لا زالت تَسري في عددٍ مُتزايد من أوصال المجتمع الغربي .

لقد غابَ إدوارد سعيد عن المَشهد في العام ٢٠٠٣ ، قَبْلَ أنْ يَتمكن من رُؤية ما نَجَحَتْ حركة الـ BDS من تحقيقه في أوساط الرأي العام العالمي ، داخل الولايات المتحدة ذاتها ، وفِي باقي دول الأمريكيتين ، وفِي أُوروبا ودولة جنوب إفريقيا ، وعدد من الدول الآسيوية… !

لذا ، فإنَّ دَولة الأبارتهايد ” إسرائيل ” تَعْتَبِر أن أكبر الأخطار التي واجهتها منذ تأسيسها ، لَمْ تَكُنْ الجيوش العربية التي كانت تَعرف كيف تَتعامل معها ، وإنما حَركات مُقاومة من نَمَطٍ نَوْعي مثل حَرَكة الـ BDS ، تَطْرَح نفسها بلُغة مفهومة في أوٍساط الشّباب والإنتلجنسيا العالمية في البلدان المُختلفة ، فَتَكْسَب عُقول هؤلاء قبل قلوبهم ، فيتحولوا إلى نُشطاء يعملون لصالح فلسطين والفلسطينيين وقضيتهم ..!

نَكْبِة الشَّعٍب الفلسطيني تَتَمَثّل الآن في قِيادَته والتي تَمَّ تَدجينها مُنذ أوسلو ١٩٩٣ ،والتي لَمْ تَتمكن من إلتقاط التّغييرات التي تَجري في المَنطِقة وفِي هذا العالَم .

هذه القِيادة التي تَمَكَنَّت من تَحويل قِطاع واسِع من كَوادر حَرَكات المقاومة الى مُوظّفين مُنتفعين يَجوعون إذا لَمْ يَتَلقّوا رَواتبهم الشّهرية ، و نَجَحَتْ كذلك في تَشكيل مُؤسسات سُلْطَوِيّة أصْبَحَتْ مَرْتَعاً للفساد ، وأيضاً فِي تَجيير نَشاطات ” المُؤسسات ” الأمنية التي أقامتها في الجُزْء الذي سَمَحَتْ به دَولة الكيان لها بإقامته داخل الأراضي المحتلة في العام ١٩٦٧ لِصالِح تكريس أوضاع يتم من خلالها تَأبيد الإحتلال و ” مُقاوَمة ” المُقاوَمة له وإجهاضها أو تَفْريغها من محتواها النضالي …!

تِلكَ هي النّكبة الأخيرة ، بعد مُسَلسَل النّكبات والنّكسات التي إبتُلَِي بها الشعب الفلسطيني منذ العام ١٩٤٨…!

الشّعب الفلسطيني يَحتاج لإستراتيجية عَمَل وَطّني جَديدة ، تتولى تَحقيقها قيادة لمْ يْتْعِبها النِّضال وقادِرة على العَطاء ، ولا يَهُمّها الا مصالح الشعب العربي الفلسطيني وتحقيق حُقوقه، لا مَصالُحها الشّخصية الضَّيِّقَة …!

وللحديث بقية .