الخميس الموافق ١٥ شباط ٢٠١٨
بَدَأَ الصَّباح بتَساقُطِ ثُلوجٍ خَفيفة على هايدلبيرغ .
عندما إستيقظتُ صباحاً ، كان وَضْعي ( من حيث الشّعور بالدوخة ) مُشابِهاً لما كان عليه يوم أمس :
أي دَوْخة خفيفة ، تَتجلى عند تغيير مستوى الجسم ( من أفقي الى قائم ، أو مِنْ تَغيير وضعية الإستلقاء من جنبٍ إلى آخر )، أو عند تَغيير إتجاه الحَرَكة الفُجائي أثناء المَشْي ( الى أيٍ من الإتحاهين ،يميناً أو شمالاً)،….
بَعْدَ الشَّاوَر shower ، والإستلقاء على السّرير ، شَعَرتُ بأنَّ “الدّوخة” إزدادَتْ تأثيراً عَلَيَّ بصورة مُلحوظة ، وعندما نَهَضْتُ من السَّرير ، وحاولتُ الحَرَكة ، إشتدت الدّوخة أكثر،
هذا الأمر دَفَعَني لأن أكتُبَ الى الطّبيبة ، طالباً منها تثبيت موعد لي مع أخصائي الأُذْن ، فَفَعَلَتْ، وأبلغتني بأن الموعد تم تحديده ليكون يوم غد.
هِبَه مع أخي أحمد ونائلة وهانية منذ الصباح الباكر .
إياد في طريقه من عمان الى هايدلبيرغ .
لم يصل المدينة بعد .
لكن يتوقع وصوله في أي وقتٍ الآن .
كُنّا قد ذكرنا بأن قيادة “الهاچاناه” قد إتخذت قراراً في العاشر من آذار ١٩٤٨ بالبدء بتحضير مَسْرَح العمليات في المُدُن والقُرى والمناطق العربية الفلسطينية للإنتقال للعمل وفق مقتضيات الخطة (د)، وذلك لغاية البدء بتطبيق خطة التطهير العِرْقي بحق الفلسطينيين المُقيمين في المُدُن والقُرى العربية الواقِعة ضِمْن المَساحة من فلسطين التي خصصها قرار التقسيم لإقامة دولة يهودية فيها ، من جهة ، و لأجل التّعامل ، من جهة أُخرى ، مع الجُيوش العَرَبية في حال دُخولها فلسطين في ١٥ أيار أو بعده . وفِي سياق ذلك ، فقد طَلَبَتْ من وحداتها الإنتهاء من القيام بالمَهام التي من شأنها أن تُشْغِل طاقاتها عن توجيهها لمقتضيات التطور المتوقع في الأوضاع، ولتلبية متطلبات تطبيق الخُطّة ( دالت ). .
غَيْرَ أن التّطور الذي بَدَأتْ تَلْمح الحركة الصهيونية حُصُوله في الموقف الامريكي جَعلها تُعيد ترتيب الأولويات وتَستعجل في وضع الخطة (د) موضع التنفيذ ، وفِي هذا يقول الدكتور ب. مايكل في كتابه “الأسرار المذهلة للكارثة الفلسطينية ” أنّه لمّا تَبين للقادة الصّهاينة ظُهور دَلائل ” على أن الدعم الأمريكي للتقسيم أخذ يَتَضاءَل ” حيث ” كانت ‘الخارجيةالامريكية’ تحاول إقناع الرئيس ‘ترومان’ أنه يجب التّخلي عن التّقسيم لصالح مشروع وِصاية تُؤَجِّل خلق ‘دولة يهودية’ مستقلة ” ، أصدر “بن غوريون” في بداية نيسان ١٩٤٨ أوامره للبدء بتنفيذ الخطة (د) بدون تأخير ، وأنّه أراد أن يُثْبِت للأمريكيين ” أن ‘دولة اليهود’ كانَتْ حَقيقة قائمة لا تَعْتَمِد على ‘قرارات الأُمم المتحدة’ في ضَمان وُجودها”.
وعلى ذلك ، وفِي الوقت الذي كان فيه “مجلس الأمن” يُصَوِّت على عقد دورة إستثنائية “للجمعية العامة للأمم المتحدة”، ويُوافق على إقتراح الهُدنة الأمريكي الذي قَدَّمَه مندوب الولايات المتحدة الى المجلس في ٣٠ آذار ١٩٤٨، كان “بن غوريون” في أوائل نيسان ١٩٤٨ يُصدر أوامره الى قيادة “الهاجاناه” بإتباع إستراتيجية هُجومية على عِدِّة جَبهات ” خارج الأراضي المُقَرَّرَة للدولة اليهودية في عُمْق المَناطق التي كانت مَأهولة بالعَرَب “، والبدء بتنفيذ :
• الخطة الفرعية ” بِنْ عامي ” ضد عَكّا ، و
• عَمَلِية ” ناخشونٍ ” التي صُمِّمَت بحيث تَقْتَطِع مَمَرّاً خلال المَنْطقة المَأهولة بالعَرَبات من أجل ربط ‘تل أبيب’ بـ ‘القدس’ “.
أما “الهيئة العربية العليا لفلسطين” ، فقد أبْرَقَ رئيسها
الحاج “أمين الحسيني” إلى “الأُمم المتحدة” في ١ نيسان ١٩٤٨ يُعْلِمها فيه بأن ” النِّظام الوَحيد الذي يَقْبله العرب لفلسطين هو إنشاء دولة عربية سَيِّدة ومُسْتَقِلّة ،…وأنَّ عَرَب فلسطين يؤكدون قَطْعاً بأنهم لا يَعترفون بحق أي دَوْلة أو دُوَل أجنبية بِحرمانهم من حَقِّهم الطبيعي في الإستقلال أو بأن تَخْضَع بِلادَهم لتَدَخُّل الأجانب وإفتئاتهم …”. وقد قام هاني الهندي في كتابه ” جيش الإنقاذ ” بتثبيت هذه الواقِعة.
وكنا قد أوردنا في يومية الأمس أنَّ “جامعة الدول العربية” رَفَضَت طَلَب “الهيئة العربية العليا لفلسطين” بالموافقة على فِكْرة ” الإدارة الفلسطينية العامة ” ، كما رَفَضَت إقراضها مَبْلَغاً من المال لتتمكن من القيام بواجبات “الإدارة المحلية” التي كانت قد اقتَرَحتها سابقاً ، واللازمة لمُواجَهِة نَفَقات مَنْكوبي الأحداث في فلسطين …
وَمِمَّا يَجْدُر ذِكْرُه أنه وفِي يوم (٥) نيسان ١٩٤٨ ، أَعلنَ القادة الفلسطينيون والصهيونيون معارَضتهم المُقترحات التي تَقَدَّم بها مندوب الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن والرامية الى فرض “وصاية دولية” مُؤقتة من الأمم المتحدة على فلسطين. وقد ثبَّتَ الدكتور وليد الخالدي في كِتابه “قبل الشتات” هذه المَعْلومة.
وكان قد وَصَلتْ الى “حيفا” ( من سليت في يوغسلافيا ) في الأول من نيسان ١٩٤٨ الباخرة ( نورا ) وهي تحمل (٤٥٠٠) بُنْدقية و(٢٠٠) مدفع رشّاش خفيف و(٥) ملايين “صَلْية” من العَتاد ، لصالح “الهاچاناه” ، كما وَصَلَتْ في نفس اليوم وعلى مَتْنِ إحدى الطّائرات التي هَبَطَتْ في “قاعدة جوية سرية” تابعة لـ “الهاچاناه” شَحْنة سِلاح تَضُم (٢٠٠) بُنْدقية و (٤٠) مدفعاً رشّاشاً ومزيد من العتاد، وهاتان الشَّحنتان هُما الدُّفعة الأولى من صفقة السلاح التشيكية التي تَعاقَدَت على شِرائها “الوكالة اليهودية” لصالح “الهاچاناه” .
وفِي الثاني من نيسان ١٩٤٨، هاجَمَتْ وِحدات من إرهابيي قوات “الهاچاناه” قرية ” القَسْطل ” العربية الواقعة غربي مدينة القُدْس ، وقد تَمَكَّنت من الإستيلاء عليها وطرد سُكّانها الفلسطينيين منها.
وفِي إطار تَنفيذ المَرْحلة الأولى من الخطة (د) ، شَنَّتْ قوات “الهاجاناه” ” عملية ناخشون ” بالهجوم على قريتي ” خلدة ” و ” دير محيسن ” الواقعتان شَرقِي الرَّمْلة ، وتَمَكَنَتْ من الإستيلاء عليهما . وقد حاوَلَ مُقاتلون فِلسطينيون شنَّ هُجوم مُضاد يومي ٥ و ٦ نيسان لإسترداد القَرْيَتين ، إلا أنها لَمْ تَنجح في ذلك .
وفِي ذات الإطار ، أصدرت قيادة “الهاچاناه” ما بين يوم (٨) و (١٠) نيسان أوامِراً لوحدات مُعَيّنة من قواتها ” لترحيل السُّكان العرب من مُعظم القُرى التي كانت لا تزال مَأهولة على طول :
مِحْوَر “تل أبيب -الخُضيرة”، و
طريق “جنين – يافا@ (حول مستوطنة/ مستعمرة مشمار هعيمك)،و
“القدس – تل أبيب” ( بإستثناء قرى أبو ديس ، خربة جسر الزرقاء وأبو غوش ).
كما قامت “الهاچاناه” في يوم (٨) نيسان بالهجوم على مدينة “طَبَرِية” ، وقد إنْدَلَعت إثر ذلك إشتباكات ما بين السُّكان العرب في المدينة ( وكان عددهم يقارب الـ أربعة الآف ) والسُّكان اليهود فيها ( وكان عددهم آنذاك حوالي ستة آلآف ) ، وَلَمْ تَتَمَكَّن القوات البريطانية المرابطة في المدينة من وقف تلك الإشتباكات أو أنها لم تعمل على تحقيق ذلك .
وخلال هذا الأسبوع ، دخلت الى فلسطين في يوم ٣ نيسان ١٩٤٨ قوات “فوج اليرموك الثالث” بقيادة “عبد الحميد الرّاوي” ، ورابطت في منطقة القدس ورام الله.
كما قام قائد جيش الإنقاذ “فوزي القاوقجي” في ليلة يومي (٣)/ (٤) بالهُجوم على مُستوطنة/ مُستعمَرة ” مِشمار هيعيمك ” بهدف قطع طريق “حيفا – تل أبيب” ، وتخفيف الضغط لغاية فتح ” طريق القدس – تل أبيب “. وتقع هذه المستوطنة/ المُستعمرة – وترجمة اسمها الى العربية يعني ” حارِسةُ الوادي” – في موقع إستراتيجي على مسافة (٣٠) كم جنوب شرق “حيفا”، وهي مُحاطة بخنادق وأسلاك شائكة ، وتملك مَخازن أغذية تكفي سكان المستوطنة/ المُستعمرة لمدة شهر .
بدأ الهجوم بتنفيذ عملية تمويه بقيادة “المقدم صفا” تَمَثَّلَت في الهجوم على مستوطنة/ مستعمرة ” زراعيم ” ( بالقرب من قرية زرعين العربية ) التي تقع شمال شرق “جنين” ، وذلك لصَرْف النّظر عن الهجوم الذي ستشنه قوات “جيش الإنقاذ” على مستوطنة/ مستعمرة ” مشمار هيعيمك “.
وقامَتْ خلال ذلك الوقت ، قوات بَلَغَ تِعدادها ألف مُقاتل ، بقيادة “فوزي القاوقجي” ، وهي مؤلفة من :
- “فوج القادسية” بقيادة المقدم “مهدي صالح العاني” ، و
-
سرية من “فوج حطين” ، و
-
سرية من “فوج المقاتلين الأردنيين”.
بالانتشار حول المستوطنة / المُستعمرة وعلى المُرْتفعات المُحيطة .
أما الهجوم ، فقد بدأ في الخامسة مساءً، وكانت المُباغتة كاملة. وقد وَصَلَ المُشاة الى الأسلاك الشائكة في حين تقدمت ثلاثة مصفحات نحو الأبراج عند مدخل المستوطنة/ المُستعمرة .
إلا أنَّ تدهور الأحوال الجوية في مساء ذلك اليوم ، و” الصّمت المُريب الذي بَدَرَ من المستوطنة/ المُستعمرة ” جعل “فوزي القاوقجي” يتراجع ، ويأمر بإعادة تجميع قواته على المُرتفعات المُطِلّة على المستوطنة/ المُستعمرة حتى يَطْلع الصباح.
لم يَحْصُل هجوم الفجر.
وفي صباح (٥) نيسان، وصل الى مقر قائد الفوج ضابطٌ بريطاني كبير ، وطَلَبَ مِنْه باسم القيادة البريطانية السّماح بنقل القتلى والجرحى من المستوطنة/ المُستعمرة ، وأن يَقبل بهدنة لمدة (٢٤) ساعة، مُدِّدَت ليومٍ آخر بعد إنتهاء المهلة الأولى.
ويقول هاني الهندي في كتابه ” جيش الإنقاذ “، أن السّماح لسيارات الإسعاف والشاحنات بالحركة بحراسة المُدَرّعات والدبابات البريطانية قد مَكَّن “الهاچاناه” من نقل النجدات والإمدادات والجنود الى المستوطنة/ المُستعمرة . وقد أكد على ذلك تقريرين الأول صهيوني وقد أفاد بأن أول مجموعة نجدة وصلت المستوطنة/ المُستعمرة في الساعة الثالثة من صباح يوم(٥) نيسان ، والثاني بريطاني ، وأفاد بأن النّجدات بدأت بالوصول الى المستوطنة/ المُستعمرة في يوم (٦) نيسان، وإستمرت في التدفق لمدة يومين ، تمكنت “الهاچاناه” خلالها من بناء قوة في المستوطنة/ المُستعمرة قوامها فوجين.
أما المعركة ، فقد إستمرت لمدة تسعة أيام بعد إنقضاء تلك الهدنة ، وتخللها أكثر من هجوم، وهجوم مُضاد من الطّرفين ، وتَعَرَّضَت أثناءها قُرىً عربية للقَصف من قبل “الهاچاناه” ، وفِي بعض الحالات ، جرى احتلال بعضها ، وقد استخدمت “الهاچاناه” لأول مرة ” طائرتا بايبر من سِرْب ” الجليل ” في عَمليات إستطلاع وإسقاط ذخيرة وقصف مواقع المدفعية ،…”؟
ويقول ، بأنَّ التّقديرات والتّقييمات حول هذه المعركة تتضارب بين مَنْ يَرى أنَّ العملية حَقَّقَت أهدافها أو أنها أخْفَقَتْ في تحقيقها، وتحولت إلى معركة إستنزاف….!
تلك ، بلا تعليق ، هي حَصيلة الأيام الثمانية الأولى من شَهر نيسان ١٩٤٨.
وللحديث بقية …!؟