<> الجمعة الموافق ٢٣ شباط ٢٠١٨،
قَبْلَ قَليل ، وَصَلْتُ الى الماريوت مع مُنى .
مُنى : ذَهَبَتْ الى الغرفة 437 ، حيث تُقيمُ فيها “تينه” وأمها ” جُود” ، وخالتيها ” هِبَه ” و ” سَماء”…
جُود وسَماء ، يُنْهونَ التّحضيرات للسّفر الى فرانكفورت بعد قليل ومن ثمَّ الى عمان ،…
أمْضَينا مع “تينه” ذي الشهور الأربعة من العمر أربعة ايام ، كانَتْ بالفعل أياماً جَميلة ، مُختلفة ، وتَمتعنا فيها بصحبة ” تينه” وجود وسماء،…!
كانت الرِّحلة إلى هايدلبيرغ هي الأولى في حياة “تينه” ،… وهي المرّة الأولى أيضاً التي تركب فيها الطائرة ….!
هِبَة اسْتَمْتَعت جِدّاً بحضور أختيها ،.. فقد شَعَرْتُ مُؤَخَّرَاً أنّها في حالة من ” الضِّيق “، ويبدو أنّه بسبب الدّوخة التي أَلَمَّتْ بي في الفترة الأخيرة ، … فهي حَسّاسة جداً وحَريصة أنْ لا أتعرضَ في مرحلة العلاج التي أَمُرُّ بها لأي نَكْسه ، أو حتى زُكام ، أو حَرارة ، أو …
سَاهمَ حُضورهما أي جُود وسَماء في إدخال السّعادة والبَهجة والإحساس بالتغيير في روتين حياتنا اليومية في هايدلبيرغ …!
أمّا مُنى ، فكان حضور ” تينه ” بالنسبة لها أمْراً عظيماً ،… وتَمَكَّنَت بأسلوبها من بِناء عَلاقة سَريعة معها …! ، تِلكَ هي مُنى ، وهذه هي شَخْصِيَّتها … بسرعةٍ تَكْتَسِبُ مَحبة الصِّغار ، والكِبار أيضاً …!
بالنسبة إليَّ ، فقد كان حضور ” الفارِسَتان ” ؛ “جُود” و”سَماء” مع “تينه”، ومَعَاً، حَدَثاً لَمْ يكن مُتَوَقّعاً في هايدلبيرغ ، …
فقد كُنْتُ قد رأيتُ ” تينه ” لأول مرَّة في اليوم التالي لولادتها قبل نحو أربعة أشهر ، وكان ذلك في اليوم الذي خَرَجتُ فيه من مركز الحُسين للسّرطان بعد الإنتهاء من عِلاجي الكيماوي فيه، ورأَيْتُها أيضاً قبل يَومٍ من مُغادَرَتي عمّان إلى هايدلبيرغ أي في ٢٣ تشرين أول ٢٠١٧.
في تِلْك الفترة ،كانت ” تينه” ، كُتْلَةٌ ضَئيلة الحجم ، تَفيضُ بجَمالٍ ونعومةٍ فائقة تَنْطُق بها شَفَتان مُمْتَلِئتان ، وعَينان خَلاّبتان ، ونَظَراتٍ ساحرة ، ساهِمة..!
سافَرَت “تينه” السُلطانة ، لأول مرة في حياتها الى هايدلبيرغ في يوم الإثنين الماضي( ١٩ شباط) لتلتقي بِنَا ، وتتفقد أحوالنا بعد إنقطاعٍ ( يبدو أنها لم تجد له تفسيراً !) ،.. رَكِبَت الطّائرة ، لَمْ تَبْكِ ، وكأنها كانت تَعْرِف أنّها في الطّريق لـ “لقاءٍ” إنتظرناه أنا ومُنى و هبة طويلاً ،..
في الشقّة الكازابلانكية في هايدلبيرغ ، حيث الأسقف مُزَرْكَشة وعاكِسة كمرآه ، والجُدّران مَليئة بصُوَر وأشكال وألوان إفريقية،… أَخَذتْ السُّلطانه ” تينه ” مَجْدَها ،.. وحَلَّقَت عالياً ،.. فأينا تَتَحَرَّك عيناها ،.. كان هناك ما يَخْطُف أنظارها ويُثير إهتمامها ،… فَأَخَذَتْ ” راحَتَها ” في ” الحَمْلَقة ” ،.. واسْتَمْتَعَتْ ،.. وزَقْزَقَتْ ، وعَلا صَوْتها ، وَوَزَّعَتْ علينا بَرَكات إبتساماتها الرَّشيقة ، والضَّحِكاتِ أيضاً ، وجَعَلَتْ كل مَنْ حَوْلِها مُغَنِّيَاً في ” جَوْقَتِها ” الغِنائية ،..!
باختصار ، عَمِلَتْ كل ما بَدَرَ على ذِهْنِها وكل ما يُريحها ،بلا قيود ، وبإسراف في بعض الأحيان .
كان وقتاً نوْعِيَّاً مختلفاً بالنسبة لـ ” تينه ” وبالنسبة لنا هنا في هايدلبيرغ.
السّماء زرقاء لليوم الثالِث في هايدلبيرغ …، الشّمس ساطعة ، البرْدُ قارِس.
الآن ، تَجَمَّعَتْ في لوبي الفندق الأخوات الثلاثة مع “تينه” .
السَّيّارة التي ستُقِلّهم إلى فرانكفورت تَنْتَظرهم في ساحة الفندق،…
جاءتْ لَحظة الوداع،… !
” تينه ” ؛ فَضَّلتْ الهُروب من وَجَع الوَداع بأن تَخْلُدَ للنوم ، فأغمضت عينيها وإبتسمت ، ونامَت ،…
يبدو أنها لا تُحِبُّ شجون الوداع ،…
جود فَقَدَت السيطرة على دموعها ،… فانْهَمَرََت ،…
سَماء ، بقيت متماسكة ،.. كَبَتَتْ إنفعالاتها ،.. لهذا فالـ ” مايچرين ” يَسْعَد في مُرافَقَتِها…
هِبَه ،… كانت “بَيْنَ بَيْنْ”…!
إلتْقَطنا صُوَراً وَدَاعِيّة ،…
كانتْ الساعة تقترب من الثانية عشر ظهراً ..
كانت فتاةُ الـ Reception تُراقبُ المَنْظَر ،… فلمّا غادَرَتا اللوبي ؛أقصد سَماء وجُود ، ورافقتهما هِبَه حتى تَحَدَّثَتْ مع مُنى ، وقالت لها : ما أحلى علاقات الحُب فيما بَيْنكم ،… إني أراها بِأُمِّ عيناي ،.. هي نُتاج تَرْبِيَه رائِعة ،… إنّي أحسُّ بها ………!،
وَلَمْ تَتَماسَك الفتاة …. فإنهمرَتْ دُمُوعِها مِن عَينيها ،… فما كان من مُنى الا أنْ ذَهَبَتْ إليها وإحتَضَنَتها …!
تِلكَ هي علاقات الإنسان بالإنسان عندما يَعود الإنسان الى إنْسانِيَّته ،… الى فِطْرَتِه …. بعيداً عن مادِّيات هذه الحياة ، والأنانيات والأهواء التي تتربى في حظيرتها…!