يومية الأحد الموافق ٢٥ شباط ٢٠١٨
لليوم السادس على التوالي، سَماء هايدلبيرغ تحتكر اللون الأزرق ، والشَّمس الساطعة ، طاردةً غيومها ، حاضنةً بَرْداً قارِساً تَراه على هيئة جليد يُعَبِّىء فواصل بلاط الأرصفة الجافّة والطُّرُق المَرْصوفة بالبلاط ، هذا على الرغم من الحَرارة التي تَحملها خُيوط أشعة الشَّمس المُنْتَشِرَة في فضاء هايدلبيرغ تَضْرِب بلا رحمة كل سطح في طريقها ، والتي دَفَعَت العُشّاق للخروج من أوكارهم الشِّتائية ، والإنتشار في كل مكان ، فَتَجِدهم جُلوسٌ يمتطون جُدران أرْصِفةِ الطُّرق قليلة الإرتفاع، وفِي السّاحات ، وعلى مقاعد المَقاهي الخارِجيّة في مَشهد فولكلوري ، وبلا تعقيدات من أيِّ نوعٍ كان…!
وقبل الإنتقال لتَغطِية الأحداث التي حَصَلَت في مدينة “صَفَد” ، يتعين أن أذكر ، أنّه وبموازاة الأعمال الإرهابية وحَملات التطهير العرقي التي كانت تشنها “الهاچاناه” ،والمُنظمات الإرهابية الصُّهيونية الأُخرى على القُرى والمُدُن العَرَبية في فلسطين ، كانت الماكينة السِّياسية الإعلامية تتحرك على الصعيد الدولي لخَلْقِ إنطباعات لدى الرأي العام الدولي بأنَّ حَرَكِة السُّكان في فلسطين تتم بناء على أوامر القيادة الفلسطينية ( الهَيئة العربية العليا لفلسطين ) من أجل تَشْويه صورة الحَرَكة الصَّهيونية والمُنظمات الصّهيونية المُسلحة في فلسطين ، وفِي هذا يقول ” بني موريس ” أنَّ: ” ساسون ” بعث الى ” شيرتوك ” الذي كان آنذاك يوجد في نيويورك ببرقية تَضَمَّنَت أنَّ :
” المُوالين لـ ‘ الحسينيين ‘ ( أي الى الهيئة العربية العليا لفلسطين التي يترأسها الحاج أمين الحسيني ) بالإشتراك مع ” مُقاتلين ” ” نَظَّموا عَمَلِيّة الهِجْرة من ” طَبَرِية ” ومِنْ ” حيفا ” …” بهدف تَشْويه سُمْعة اليهود وإظهارهم كَمَنْ يُريدون طَرْدَ العرب من مناطق ( الدولة اليهودية ) ، ولإرغام الدُّوَل العربية على التّدخل بجُيوش نِظامِيّة ، ولكي يَخلقوا لدى الرأي العام العربي والعالمي ، إنطباعاً بأن دخول الجُيوش العربية الى فلسطين هو لإنقاذ فِلسطينيينَ مُطَارَدين ” .
إذن ، الوكالة اليهودية ” التي قادَت الحَرَكَة الصّهيونية ومَشروعها في فلسطين حتى الإعلان عن تاريخ تأسيس الدّولة وبناء مؤسساتها وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والقَضائية ( أي حتى نهاية العام ١٩٤٩) ، كانت تَعمل في سياق إستراتيجية شَامِلة ، ذات مَحاور متعددة، تُحَقق تراكمات تؤدي الى تحقيق الغايات المرسومة ، وتتغير طبيعة برنامجها مع تغير الظروف ، وهذه الوَكالة مَدعومة بمراكِز دِراسات وأبحاث تُراجع الخُطَط ، وتُراقِب عمليات التنفيذ، وتَستَخلِص الدُّروس والعِبَر من الإنجازات أو الإخفاقات، وهذه هي مَحاور في الإستراتيجية التي إتّبعتها:
١- مِحْوَر حَشٍد اليهود وتعبئتهم صَهيونياً وتَشجيعهم أو دَفعهم للهِجْرة إلى فلسطين .
٢- مِحْوَر تَعبئة طاقات يَهود العالم وإمكاناتهم المالِيّة وتوجيهها لخدمة المَشروع الصهيوني في كافة المجالات : التعبئة البشرية ، المالية ، الإعلامية ، اللوجستية ، التدريبية ، العسكرية .
وبالتّوازي ، السّعي لطَمْسِ أي تحرك وإجهاض أي تيارات داخل الجسم اليهودي ، لا تتوافق مع المَشروع الصّهيوني وغاياته وطَبيعته العُنصرية، وتَحجيم أي دَوْر يُمكن أن تَلعبه في توعية الرأي العام اليَهودي لمَخاطِر السِّياسة الصّهيونية العُنْصُريّة المُتَّبَعة على اليهود بشكل عام .
٣- مِحْوَر تَنظيم وإدارة شُؤون المَشروع الصّهيوني من كافة النواحي السياسية والدبلوماسية ، والإعلامية والتمويلية والتعليمية والاستيطانية .
٤- مِحْوَر العلاقات الدولية بما فيها العلاقات مع دولة الإنتداب ، وعُصْبِة الأُمم ، ومُنظمة الامم المتحدة ، ودُوَل مَجلس الأمن ، والولايات المتحدة، وفرنسا، وترتيب المسرح الدولي بما يتوافق مع مُتطلبات تحقيق المشروع الصهيوني
٥- مِحْوَر تمويل الإستيطان ، وتَفعيل عمليات الإِستحواذ على الأراضي في فلسطين بكل الوَسائل المَشروعة وغير المَشروعة، وبناء المُستوطنات ، وتَوسيعها ، وتَحصينها ، وتَنميتها وتَمكينها اقتصادياً.
٦- مِحْوَر العَمَل على السَّيْطَرة على مَصادِر المِياه داخل فلسطين وفِي الدُّوَل المُحيطة بها .
٧- مِحْوَر إستثمار المَصادِر الطبيعية لفلسطين ، وبِناء مُؤسسات تَعليم جامِعية ومِهَنِيّة ( علوم، طب ، هندسة ، تقنية وتعليم صناعي، تقنية وتعليم زراعي ،…) تُخَرِّج كوادر بمُستوى رَفيع من المَعرِفة والمَهارة.
٨- مِحْوَر بِناء الرِّواية الصّهيونية وتِبيان أنها تَتَعَلَّق بقضية “عادلة لشعب ظُلِمَ عبر العُصور” وأنّه حانَ وَقْت تَصويب الأخطاء التي إرتَكَبَتها البَشرية بحقه ، وتقديمها على نحو يَستحوذ على إهتمام وتأييد الشّرائح المُختلفة من الرأي العام الاوروبي ، والأمريكي وفِي باقي بُلدان العالَم ُوتخاطِب الأطفال والشّباب والطُلاّب ورِجال العلم والمِهَنيين والمُثَقّفين والفَنانين والعُلماء، ذُكوراً وإناثاً … الخ بطريقة تَستهدف الإبقاء على حالة التأييد والتَّفَهُم مُستمرة ومُتواصلة وبدون تردد.
٩- مِحْوَر إستثمار ” الهلوكوست “، وتحويله إلى أداة لإستدرار تعاطُف وتأييد ودَعْم مَعنوي ومَادي دائم على مُستوى دولي وبصورة مُتواصِلة وعلى نحو أعمى، أي بغَضِّ النَّظَر عن الغاية المَقصودة وتَجيير كل ذلك لصالح المَشروع الصهيوني وإدامته وتطويره، وإرهاب من يُحاول المَساس بهذا السِّلاح بإعتبار أن ذلك يُمَثِّل خَطيئة لا تُغْتَفَر ، ويَحمل في طَيّات مُحاولته نوايا إجرامية .
١٠- مِحْوَر طَمْس الِّرواية الفلسطينية داخل فلسطين وخارجها في بلدان العالم العربي ، وبلدان اوروبا وآسيا وإفريقيا وأُستراليا والأمريكيتين ، وتَجنيد الطاقات لإجهاض أو تفريغ الرِّواية الفلسطينية من مَضمونها الإنساني والحُقوقي وتحويلها إلى رِواية “كَراهية ” و” إفتئات” و ” ًتَعَدّي ” على ما يُسَمّى حُقوق ” الشّعب اليهودي ” في ” أرْضِه المَوعودة ” والمَوهوبه له من الله.
وبالتّوازي ، الطّمس والتّغطية المَدْروسة ، على الجَرائم والإنتهاكات التي مارَستها الحركة الصهيونية ومُنظماتها الإرهابية المُسلحة وحملات التطهير العرقي التي شَنّتها لإقامة دولة كيانها العُنصري على أنقاض الشعب الفلسطيني وعبر تحويله الى شعب من اللاجئين ، بلا حُقوق ولا مُستقبل، هذا مع التّمسك بموقف الإنكار والتّهرب من الإعتراف بالجرائم المُرْتَكَبة بحق هذا الشعب ، و التَّهَرّب من إعلان إستعدادها لتَصويب ما إرتَكَبَته من جرائم وأخطاء بحقه،… (وهو تَهَرُّب لا زال قائماً حتى الآن).
١١- مِحْوَر إستثمار أخطاء إستراتيجيات العمل الوطني الفلسطيني بأحزابه ومُنظماته المُتنوعة والمُختلفة ، والتنّاقضات أو التّباينات في المَواقِف والرُّؤى فيما بين فَصائله تلك لصالح تَعطيل عملية إتخاذ القرارات في الجِسْم التنظيمي الفلسطيني المركزي ، وحِرْمان الشعب الفلسطيني من أنْ تكون له قِيادة فاعلة تَمتلك تَصَوُّر إستراتيجي فعال وسليم، وقُدرة على صِياغة سياسات مُؤثِّرة ، وإحباط أي محاولة لإعادة تنظيم مُقَدَّراته ومؤسساته.
وإستثمار بعض مُمارَسات هذا الفَصيل أو ذاك لتبرير إرتكاب أعمال إرهابية فَظيعة وعلى مَدىً واسع تساعد على تهيئةالأحوال لتَمرير المَشروع الصهيوني وتحقيقه.
١٢- مِحْوَر إستثمار التناقضات الإقليمية والعربية والإسلامية وحالة الضياع أو الفراغ القيادي أو التبعية السّائدة على مُستوى العالم العربي في تلك الفترة ، وإرتباط الدول العربية بمُعاهدات تُقَيِّد أو تَمْنَع حريتها في الحركة وقدرتها على الحشد .
هذا مع السعي الدائم في تلك الفترة لبِناء علاقات سرية وعَلنية مع قُوى حاكمة في دول عربية وإسلامية لخِدْمة المَشروع والأهداف الصهيونية ، ومُواجهة أية قوى مُقاوِمة للمَشروع الصهيوني أو مُتعاطِفة أو مُؤيِّدة لقضية الشعب الفلسطيني…
١٣- مِحْوَر إستثمار القُوى الفاعلة في المؤسسات الدولية وبِناء لوبيات الدَّعم وتطوير آليات إستثمار الموارد للسَّيطرة على الرأي العام ، وعلى عَمَليات اتخاذ القرار داخل الدولة او الدول ، وداخل المُؤسسات الدولية و تَعطيل أو إجهاض أي عَمَل لا يَتوافق مع مَرْئيات أصحاب المشروع الصهيوني،..
١٤- مِحْوَر بِناء قُوة عَسكرية ضارِبة في فلسطين قاِدرة على إيقاع أَذى شديد ، أو تحقيق رَدْع حاسِم ، أو رَفْع كُلفة أي عَمَل يَستهدِف مُواجهة مُخطط الوكالة اليهودية لتحقيق المَشروع الصهيوني ومشاريعها وسياساتها..
بعد هذه المقدمة ، دعونا ننتقل لمُسَلسَل الأحداث في نيسان والأسبوعين الأولين من أيار ١٩٤٨.
وسأبدأ بـ “صَفَد” ، و”صَفَد” هي المَدينة التي أبْصَرَت أُمّي( سلوى صبح – أُم العبد ) فيها أنوار فلسطين في يوم الإثنين الموافق ٢٥ أيار من العام ١٩٢٥، وهو اليَوم الذي أصْدَرَت فيه سُلطات الانتداب البريطاني قانون الجنسية الفلسطيني.
وما دُمنا نَتَحَدّث عن دولة كيان ، إصطنعها قَرار التّقسيم الصّادر عن الجَمعية العامة للأُمم المُتحدة في ٢٩ تشرين أول ١٩٤٧، فانَّ “صَفَد” ، حَسب ُمعطيات ذلك القرار تَقع ضِمْن المَنطقة المُخصَّصة لـ ” الدُّولة اليَهودية “،… في حين ان ” النّاصرة ” وهي المَدينة التي نَشأت فيها أُمي ، ( سلوى ) إبنة الأُستاذ المُعَلِّم “محمد أسعد صبح” ، ودَرَسَتْ في مَدارِسها ، وشَبَّت عن الطَّوق فيها ، وفيها قَبِلَت عَرضِ والديِ ( وهيب) لها للزواج منها … هذه المَدينة تَقَع حَسب القرار المَذكور ضِمن المَنطقة المُخَصّصة للدولة العربية الفلسطينية التي لم تَشْهَد النُّور حتى تاريخه.
والمَدينتان معاً شهدتا “تَطهيراً عِرْقِيّاً” مُمَنْهَجاً في العام ١٩٤٨، وجرى إبتلاعهما من قبل الحَرَكة الصّهيونية بالإرهاب وبالقوة الغاشمة أمام ناظِرَي العالم ودُوَله الكُبرى ومُنظماته الدَّولية ، ومَحكمة العّدل الدولية، وأمام الرأي العام الدُّوَلي وضَميره الذي لا زال مُغَيَّباً ، لا يَعي بَعْد حَجْم الجَريمة التي ارتُكِبَت بإسمه.
سنتناول بعد “صَفَد” ، مُدُن وقُرى في مَناطق مُختلفة من فلسطين ، وسترون من بيان الأحداث أدناه ، أنَّ “الهاچاناه” كانت قادِرَة على تحقيق “تَطهير عِرْقي” ومَْسح عََشرات القُرى الفلسطينية العربية عن وَجه الأرض مع إرتكاب أعمال إرهاب فَظيع في عَشَرات المَواقع من قُرى ومُدن فلسطينية وفِي نفس الوقت تقريباً ، في حين أن مُتطوعي “الجهاد المقدس ” ومُتطوعي “جيش الإنقاذ” كانوا عاجِزين عن إنقاذ أيٍ من القُرى والمُدُن التي تم “تَطهيرها عِرْقِيّا” أو جرى تَدميرها و مَسْحها عن الخارطة .
هل هي قَضِيِّة ضَعْف أو قِلّة الإمكانات المحشودة ، وسُوء تَخطيط وتَقدير فقط ،… ام أنَّ الأمر يّتَعدى ذلك …!؟
١-مدينة “صَفَد” وقُرى في قضاء “طبرية” وفِي “الجليل الشّرقي”
• يقول وليد الخالدي في كتابه ” قَبْل الشَّتات ” أن القوات البريطانية قامت بتاريخ ١٦ نيسان ١٩٤٨ بالإنسحاب الفُجائي من مدينة “صَفَد”.
• ويقول أيضاً أنه وفِي ١٨ نيسان ١٩٤٨ – أي بعد يومين من إنسحاب القُوّات البريطانية الفُجائي من “صَفَد” – قام إرهابيوا ” الهاچاناه ” بمُهاجَمَتِها .
• ويُضيف أنه وفِي يوم ٢٨ نيسان ، فقد قام إرهابيوا “الهاچاناه” بمُهاجَمِة قريتي ” عين زيتون ” و ” بيريا ” الواقِعَتان ” شمالي ‘صَفَد’ وتَحْتَلَّهُما وتَطْرُد سُكّانهما “. ( قَبْل الشّتات ).
• أما عن إحتلال “صَفَد” ، فإن “بني موريس” يقول أنَّ إرهابيوا “الهاچاناه” قد قاموا في يوم ٢٨ نيسان بشَنِّ عَمَلِية ” يفتاح ” في سياق عمليات خُطّة ‘التطهير العِرْقي’ ” د” ( دالت ) “لطَرْد الفلسطينيين من بقية ‘الجليل الشّرقي ، والأوسط ‘ وأنهم قاموا بإحتلال ‘صفد'” .( طرد الفلسطينيين وولادة مشكلة اللاجئين )
• فِي حين أنَّ الخالدي يقول أنه وفِي يوم ٦ أيار من العام ١٩٤٨ ، فإن “الهاچاناه ” قامت بتَكثيف هَجَماتها على مدينة ‘صَفَد’ ” وأن إحتلالها “والقُرى المُحيطة بها قد تَمَّ في يومي ١١ و ١٢ أيار ١٩٤٨”. ( قَبْل الشّتات )
وأنَّ هذه العَمَلِية قد أتت بالتوازي مع عمليه أخرى تَمَّت في نفس اليوم وإستهدفت ” طَرْد الفلسطينيين من ‘الجليل الشّرقي’ (أي من ‘روش بينا’ إلى ( ما وراء ) نهر الاردن )” .
• ويُضيف الخالدي بأنَّ ” الهاچاناه ” في يوم ١١ أيار ١٩٤٨ ، فقد قامَت بشَنِّ عملية ” جدعون “، وذلك في سياق خطة ‘ التطهير العِرْقي’ “د” ( دالت ) مُسْتهدفة إحتلال القُرى الواقعة في منطقة ‘بحيرة الحولة’ في أعلى ‘الجَليل الشّرقي’ .
وأنّّ نَشاطاتها في إطار نَفْس العملية ” جدعون ” ، قد تواصَلَت بقيام إرهابييها في يوم ١٢ أيار بإحتلال قُرى ” علوم ” و ” حدثة ” و ” معذر ” الواقعة في ‘قضاء طَبَرِيّة’ في ‘الجليل الأسفل’ ، وقيامهم بطَرْد سُكّانها، وإعلانهم بأنَّ المَنطقة أصبحت ” الآن خالِية من العَرَب ” ( الفلسطينيين).
نكتفي بهذا القدر من المَعلومات في هذه اليومية ،
وللحديث بقية .