Menu Close

في ٢٧ شباط ٢٠١٨،… كتبتُ عن حملة “التطهير العِرْقي” في فلسطين ، التي طالت في أيار من العام ١٩٤٨ … ” بيسان” وقرى قضاءها…. وكتبتُ عن “إدوارد سعيد”، وعن عزل رجال الفكر الفلسطيني وأبحاثهم عن مراكز إتخاذ القرارات في حركة النضال الوطني الفلسطيني … من هايدلبيرغ ، في ذلك اليوم ، كتبتُ أقول:

الثلاثاء الموافق ٢٧ شباط ٢٠١٨

مُنى تُدَخِّن ،…! وعندما يأتِ ميعاد السيجارة ، تتلفت يُمْنة ويُسْرة ، وكأن لسان حالها يقول لي ؛ هَلَّا خَرَجْتَ ، يا عَبِدْ ، من غُرْفَة الجُلوس كي أتمكن من الإستمتاع بتدخين سيجارةٍ فيها…!؟

مُنى لا تريد أنْ تُدَخِّن في غُرْفَةٍ أنا فيها …!

هذه المَرّة ، وَكَـ مَرَّات ٍ كَثيرة في السابق ، أَجِدُها تَخْرُجُ إلى حَديقة الشَّقة ، وهُناك على أحدِ مقاعدها ، تَلْتَحف لِحافاً، وتَتَبَطّن ببطانية، وتَجْلِس مُتَأَمِّلَةً في الفَضاء المُحيط ، ثُمَّ تتناول سيجارة مارلبورو وتُدَخِّن …!

وكثيراً ما تُرافقها هِبَه في جَلْسَتِها تلك ، فَتَتبادلان حديثَ الأُم وابْنَتَها ،… أَوْ حَديث رفيقتين في جُعْبَتِهما مَواضيع عَديدة يَحلو الحَديث فيها أو حَولها…!

عندما عادَتْ إلى الغُرْفة ، وكان فنجان القَهوة لا يزال في يَدِها ، طَلَبَتْ مِنّي أنْ أَلْمِسَ الفنْجان ، فَلَمَسْتَه،…! فأُصِبْتُ في إصْبَعِ يَدي بِلَسْعة البَرْد ، وكانت قارِصَة من شِدَّة بُرودة سَطْح الفنجان …!

قالت لي : إنّه لَبَردٌ قارِسٌ في الخارج .

الحرارة وَصَلَتْ إلى (١٢) تحت الصفر ، مع سَماء زَرقاء بَهَتَ لونها مِنْ شِدَّة البَرْد …!

لمْ أكُنْ أتَصَوَّر أنَّ البَرْد في الخارِج قد بَلَغَ مَداه إلى هذا الحَدِّ…!

عندها فَقَطْ ، أدْركتُ معنى الرَّجاء الذي تَحْمِله عيناها عِنْدَما يَعِنُّ على بالِها التدخين ، وتخشى من بَرْد الحديقة،…!

هذا البَرْد القارِس غَير مَعهود … ! أقصد ، لَمْ أشْهَدْهُ من قَبْل في هايدلبيرغ…!

كان ذلك عِنْد الظُّهْر ، بعد أن عُدْنا من فُطورٍ دَعَتنا إلى تَناوله نائله وهانيه في مَكانٍ قَريب من الشَّقّة التي تقيمان بها ،.. ! كان المَكان لطيفاً، وأغلب مَن فيه كان من النِّساء من كِبار السِّن،.. جِئْنَ يَسْتَمْتَعن بحديث حول ” فنجان قهوة “،…!

اتْصَلَتْ نائله بي في فَتْرِة ما بعد الظُّهْر ، وطَلَبَتْ مِنّي أن أُخْبَر مُنى بأنّها تَقوم بإعداد طعامٍ للغداء ، وأنّها أَعَدَّتْ “صْفيحة باللحمة”، وسَتُرْسِلُ لنا طبقاً منه مع هانيه ..!

كان ذلك لَفتةً جَميلة ،… وكنتُ مُشْتاقٌ لتَذَوُّق الـ ” صْفيحة ” كما يتم إعدادها في مَطْبَخِنا العرَبي وليس التُّركي ..!

في التّاسع من تشرين الثاني من العام ٢٠٠٠، وُجِّهَ إلى المُفَكِّر والباحث العربي الفلسطيني إدوارد سعيد سؤالٌ يَقول :

ماذا بشأنِ الإشارات المُسْتَمِرَّة إلى الولايات المتحدة بوَصْفِها الوَسيط النَّزيه والنَّظيف اليَد وغَير المُنْحاز ؟

في مَعْرَض رَدِّه على السؤال ، وهو الذي صَرَفَ جُزءاً أساسياً من حياته في الولايات المتحدة الامريكية وفِي جامِعاتها طالباً، ومن ثم مُحاضِراً ، وهو المُتابِع المُتَمَحِّص والمُتَفَحِّص للسِّياسَة الأمريكية ، ويعرف آليات صِناعة القرارات فيها ،…خَلُصَ إدوارد سعيد إلى رأيٍ مَفاده ما يلي :

” … وهكذا ، فإن القول بأنَّ الوِلايات المُتّحدة وَسيط نَزيه وغير مُنحاز ، إنما هو وَصْف رَديء ومُجانِب للمَنطِق . إنَّ أمريكا تَصْطَف في المُعَسْكَر الإسرائيلي الى حدٍ كبير ، وكل المَعلومات التي لدينا عن المُفاوضات التي جَرَت خلال السّنوات السّبع المُنصَرِمة ( أي منذ العام ١٩٩٣) حول عَمَلِيّة السّلام تقول بأن الوِلايات المُتّحدة قد تَبَنَّت في الحِوارات كلها وُجْهِة النَّظَر الإسرائيلية ، وشَكَّلتْ ظَهْراً لإسرائيل .وينبغي أن نَذْكُر بهذه المُناسَبة أيضاً بأن كل المُفَوَّضين الذين إنخرطوا في عَمَلِيّة السّلام ، بِدْءاً بٌدينيس روسومارتن إنديكوانتهاءً بـأهارون ميللر، إنما هم مُسْتَخْدَمون سابقون فياللوبي الصهيونيأو مُوالون له منذ أمدٍ طويل “.

وإدوارد سعيد هذا هو أيضاً باحِثٌ مُتَعَمِّق في القضية الفلسطينية ، وكان عُضواً في المَجلس الوطني الفلسطيني الى أن إستقالَ إحتجاجاً على قيام “ياسر عرفات” بتوقيع “اتفاقيات أُوسلو” بعد مفاوضات سِرِّيّة تَمَّت دون عِلْم أغْلَب المُستويات القِيادِيّة في “مُنَظّمة التحرير” ودون مُشاوَرة القادة والمُفَكًِرين ، وأصحاب الرأي الفلسطينيين .

انا أطرح هذا الأمر في هذه ” اليومية ” بعد أن إستمعنا منذُ ديسمبر الماضي – أي بعد إعلان “ترامب” قَرارَه بنَقْلِ السّفارة الأمريكية إلى “القدس”، وإعترافه بها عاصمة أبدية لدَولة الكيان العنصري – إلى ” محمود عباس ” وآخرين في القيادة الفلسطينية ، يُرَدِّدون ويُكَرِّرون على نحو مُمِجٍ بأنَّ الولايات المتحدة لَمْ تَعُد وَسيطاً نَزيهاً … الى آخر تلك المَعزوفة ، وأنّه لذلك لن يَقْبَل ( أي عبّاس ) بها أنْ تَنْفَرِد في الوَساطة ….الخ

أنا هنا لأتساءل :

لماذا كان على هذا الشّعب أنْ يَنْتَظر سبعة عشر عاماً أُخرى ( تَمّ خلالها تَهويد أجزاء كبيرة من أراضي الضِّفة، وتقطيع أوصالها ) ليَتَوصل الى ما تَوصَّل إليه الباحث الفلسطيني المُعْتَبَر إدوارد سعيد ؟

لقد عَبَّر إدوارد سعيد عن رأيه في نزاهة الوسيط الامريكي في مقابلة عَلَنِيَّة نُشِرَت في العام ٢٠٠٠ ،… ورأيٌ صادرٌ عن شخصٍ بوزن ” إدوارد سعيد ” كان يَسْتحق ، في نَظَري ،أن تُنَظَّم لِدِراسته حَلَقة من أصحاب الرأي والباحثين الفلسطينيين لوضع تَصَوُّرٍ تَسْتَند إليه القيادة الفلسطينية في بناء مَواقفها السِّياسية وصِياغِة سِياساتها …؟

فلماذا يَتِم إهدار وإهمال وإغفال لا بل وإبعاد طاقات الفكر والبحث الفلسطيني والعربي عَن المُساهَمَة في وَضْع الإستراتيجيات وصِياغة السياسات ( للعَمَل الوطني الفلسطيني)…! ؟

السؤال المُلِح الذي يَطْرَح نَفْسَه هو ؛ لِمَ ولماذا … وَمَنْ يَتَحمل كُلْفِة أخطاء جَسيمة ( إرتكبتها قياداة شعبنا ) من هذا النّوع …؟

أقول ؛ مَنْ … ؟!

مُنذُ تأسيس “مركز الأبحاث الفلسطينية” مؤسسة الدراسات الفلسطينية” في بَيروت في أواخر الستينات من القرن الماضي ، وبُيوت أو مَراكز البحث والدراسة الفلسطينية والعربية تلك وغيرها تَضُم باقات من طاقات فِكْرِيّة وعِلْمِيّة مَشهود بقدراتها البحثية والعلمية والتاريخية ،… وأَذْكُر أنَّ مِئات من الدراسات قد صدرت عنها ،… ولكن ،

هل القِيادة الفلسطينية التي كانت تَتَصدى في حينه وعلى مَدار نِصٍف القرن الماضي أو أكثر ، لا بل وتَتَصدر عملية إتخاذ القرارات التي كان الشعب الفلسطيني يَتَحمل وِزْرَها ، أقول ، هل كانت تَسْتَنير بهذه الدراسات ، لا بل أو ….تُحاول الإستنارة مِنها ؟

هل كانتْ تِلكَ المَراكِز تُكَلَّف من القِيادة ، بإعداد الدراسات اللازمة لوَضع إستراتيجيات العَمَل وصِياغة السِّياسات في ظلِّ أوضاعٍ دولية وإقليمية وعربية وفلسطينية وإسرائيلية شديدة التشابك والتعقيد ؟

لقد كانت قياداتنا تَتَنَطّع لاتخاذ القرارات المَصيرية وإدارة شؤونِ قَضِيّةٍ بالغة التعقيد ، بالإستناد الى حِسِّها الفِطْري ، ونَظْرَتِها أو قناعاتِها الشّخصية للأُمور ، ونَصائح أصدقاء ، وَرُؤى أفراد ،… ولكن بدون دراسات شامِلة عَميقة مُتَفَحِّصة للأوضاع والتطورات ..!

لقد تَذَكّرتُ هذا الوضع وأنا أُراقب الرئيس الفلسطيني في رام الله قبل أسابيع قليلة وهو يُدير جلسات “المجلس المركزي الفلسطيني” المُكَلَّف بوضعِ إستراتيجية وصياغة سياسة لمرحلة ما بعد إكتشاف أن الولايات المتحدة ” لم تعد “وَسيطاً نَزيهاً” وبالتالي مَقبولاً ” من الطَّرَف الفلسطيني ….

وكُنْتُ أَرثي لحالِ المُجْتَمِعين ؛ أنّهم مُطالَبون باتخاذ المَواقِف بمَوْضوعٍ بالِغ التعقيد يحتاج لبَحْثٍ وفِكْرٍ عَميقين ..! بالإستناد على مرئياتهم الذاتية الشخصية ودون الإستعانة بِفِكْرِ وبَحْثِ المُفَكّرين والبّاحثين الفلسطينيين والعرب وغيرهم وهم كثيرون .

إذا لَمْ نَتَعَلّم ، بَعْدَ أن كادَ الخُمْس الاول من القَرْن الحادي العشرين ، فَن وتَقنية الإستفادة من مراكز البحث والدراسة ، في عالمٍ مُعَقّدٍ مُتَشابِك ، ونَسْتَخْدِم مُخْرجاتها في وضعٍ آستراتيجيات نضالنا الوطني وصياغة سياساتنا ،… هل نقول : على القضية السلام ،…؟

أَمْ نقولُ لقياداتنا وبأعلى صوتنا :

كفى …. كفى …. كفى ، لقد بلغ السَّيل الزُّبى ،… فكفى وإرحموا هذا الشّعب ..! فقد حَباه ” الله” طاقات كَبيرة بَقِيَت على أيديكم مَهْدورة ، مُهْمَلة، مَرْكونة جانباً ،… لأنكم أحببتم الأضواء والسِّجاد الأحمر قبل الأوان …!

وقبل أن نُنْهي يَومية هذا اليوم ، دَعونا نَنْتَقِل إلى المشهد في بيسان في العام ١٩٤٨ وفي قرى قضاءها ؛ هذه البلدة التي تقع في قلب مَرْج بيسان ، وهو المَرْج الذي يصل “غور الأُردن” بـ “مرج بني عامر” ، وهي مركز قرى القضاء المُسَمّى بإسمها .

وهذه البَلدة وقُراها تقع ضمن المَنْطِقة المُخَصَّصة في “قرار التقسيم” لإقامة ” الدولة اليهودية ” ، وأن يعيش سكانها “مواطنون” في إطار تلك الدولة ..!

في قضاء بيسان نحو ثلاثين “قَرْيةّ” و “خِرْبَة”، واحدة مِنها (وهي قرية ؛قومية)سَقَطَت في أواخر آذار من العام ١٩٤٨، وأربعة أُخرى من القُرى، خلال النِّصف الأول من نيسان ١٩٤٨( وهي قُرى ؛ سرين،و الطيرة، و المرج و الزعبية ) ، وسبعة قُرى أُخرى في نفس يوم إحتلال بيسان ، والذي تمَّ في ١١ /١٢ أيار ١٩٤٨ بعد قَصْفٍ للبَلْدة نَفَّذه إرهابيوا “الهاچاناه” في سِياق عملية ” جدعون “، وهي إحدى عمليات حَمْلِة “التطهير العِرْقي” المَعروفة بـ الخطة “د” ، تلاه هُجوم عليها ومواجهات مع المُدافعين عن البلدة استمر مدة ثلاثة ساعات فقط إستسلمت بعدها “بيسان” للقوات المُهاجِمة وذلك بعد نَفاذ ذَخيرة المُدافعين عنها ، وسَقَطَ معها قرى “قورنه”، “زبعة” ، “الساخنة”، و”الفتور” ، و”الأشرفية” ، و”تل الشوك” و@الحميدية” ، أما باقي قُرى القَضاء ، فقد سَقَطَت خلال الفترة المُمْتَدّة من تاريخ ١٢ حتى ٣١ أيار من العام ١٩٤٨.

لم تكن هناك مَعارِك بالمعنى الحَرْفي للكلمة ، فالفَوارِق في التسليح والتدريب والإعداد بين القوات المُهاجِمة والأفراد المُدافعين كانت هائِلة.

أما المُقاوَمة التي حَصَلَت في “بيسان” قبل سُقوطها، فكان سِلاح المُدافعين عنها لا يتعدى بَنادِق قَديمة مع ذخيرة بكمٍّيّات مَحدودة نَفَذت خلال ساعات قليلة .

وحَسْبَ مُقتضيات الخُطّة “د” ، فقد تَمَّ بعد إحتلال “بيسان” وقُراها طَرْد باقي سكانها خلال شهر من إحتلال البَلدة، ونُقِلوا جَميعاً إلى شَرْقِي النّهر .

تلكَ هي القِصّة المُحْزنة لـ “بيسان” وقُرى قَضاءها ، وسُكانها من المُزارعين البُسطاء الذين وَجَدوا أنفسهم بعد إرهابهم وتخويفهم من قِبَل إرهابيي الحركة الصهيونية ، وبعد أن تَخَلَّتْ عنهم الدولة المُنْتَدَبة على فلسطين ( بريطانيا) ، ومنظمة الأمم المتحدة ، ومجلس أمنها ، وتركتهم لأقدارهم ، أقول ، وحدوا أنفسهم ، بين ليلة وضحاها ، خارج قُراهم وحُقولهم التي يعملوا بها، مُجردين من ممتلكاتهم ، لاجئين في چيتوات /مخيمات اللجوء في فلسطين وفي الاردن ولبنان وسورية ،… بلا عَمَل ولا مَصادِر رزقٍ أو عَيْش…. !

هل هناك قصة أكثر إيلاماً من قصة شعبنا ونكبته …!؟

وللحديث بقية …؟!