• الجمعة الموافق ٣ تشرين الثاني ٢٠١٧.
نَسِيَت هبة أنْ تُـذَكِّرني بضرورة تناول حَبَّتي “أنتي بَيوتك” قبل ساعة من المَوعد مع طبيب الأسنان والذي تَحَدَّدَ مَوْعده في السّاعة الثامنة من هذا الصّباح .
إجراء فَحْص دقيق للأسنان ولِلثّة هو إجراء طبي مطلوب للتأكد من عدم وجود إلتهابات (أو من مخاطر حُصول إلتهابات) نتيجة إخضاعي لعملية تخفيض مَناعة الى منسوب الصِّفر من خلال معالجتي بالكيماوي بعد أيّام قليلة وذلك قبل التاريخ المحدد لتنفيذ زراعة الخلايا الجذعية .
ذكَّرتها أنا بالحَبَّتَين ، فجاءَت إلى الغرفة ( ٣٠٩) ، مع الحَبَّتين . كان ذلك في الساعة الثامنة إلا رُبع من صَباح هذا اليوم.
هذا التأخير ، أَخَّرَ البِدْء بالكشف على أسناني من قبل الدكتور كارا ساعة كاملة ،…
بدأ الفَحْص في التاسعة والرُّبع وإنتهى بعد التاسعة والنصف ، وأدّى الى تأخير الموعد اللاحق مع طبيب أسنان آخر لمدة ساعتين .
تم إجراء فحص دقيق وبتمحص لكل سن من أسناني، ولكل بقعة في لثة فكّاي العلوي والسفلي ،… بعد ذلك ، تم أخباري ، أنٌِ:
- هناك ضرورة بإزالة سَنّين نظراً لوجود عَصَب مُرَشَّح للإلتهاب في منطقتهما.
-
هناك ضرورة لأجواء تحشية لبعض النخور.
-
هناك ضرورة لأجواء تنظيف شامل للأسنان.
-
هناك ضرورة تعليمي فن وأُصول عملية تنظيف الأسنان بفرشاة الأسنان .
تم تحديد بعض المواعيد ،… وبعضها الآخر ، سيتم تحديده بالإتفاق مع هبة على التلفون .
لاحظت وُصول email من بروفسور بيتر دريچر ، تحدث فيه عن قراره بأخذ الخلايا الجذعية من أُختي سائدة بالرغم من نسبة التوافق Match ما بين دَمي ودمها هي ٩٠٪ وليست ١٠٠٪.
رسالة البروفسور قالت :
Dear Mr. Bitar,
Indeed the mismatch was seen on the Amman typing results, but my hope it was an error…
In the meantime , we found out that the chance of finding a 10/10 unrelated donor for you is very low.
So we will stay with your sister and overcome the little increase in immunogenetic disparity by adding another immunosuppressive agent called ATG which will eliminate the difference.
We have excellent experience with this strategy in mismatched and unrelated donor transplant.
Kind regards
Peter Dreger
أجبت البروفسور على رسالته الإلكترونية قائلاً :
Thank you Dear Prof. Dreger for your prompt
response.
The results of my sister as conveyed by you via your email do match those of the Cancer Centre in Amman which were sent to you previously. I do not know if the survey for a 10 /10 match carried out by Heidelberg Hospital has been successful in identifying any potential donors . In fact, my sister did come with me to Heidelberg upon an advise made by Heidelberg University . Since her arrival to Heidelberg , she was undergoing extensive tests and examinations to establish whether she is fit to be a donor or not.
I am happy that you still consider her qualified as a potential donor.
I trust your decision in this regard.
I am sure she would like to know as soon as possible whether she will be chosen as the donor or not . In fact , she appreciates making a decision in this regard the soonest
This is also to let you know that at 5:30 am this morning , I noticed ,while I was in bed changing my position from my back to my left side that the whole room was turning very quickly around me. I had this experience 25 years ago. It was then diagnosed as Vertigo and treated as such. I thought I have to report this to you.
I look forward meeting you on Monday. Thanks again for your cooperation. I am happy that I feel I can easily get in contact with and transfer to you all my thoughts & concerns. This gives me much comfort
Best regards,
A R Bitar
عُدْنا الى الفندق ….
هِبَه ؛ ذَهَبَت إلى غُرْفتها ، تَوَد الإستعداد للقاء غَيْث الذي هُو في الطائرة الآن صَوْب “فرانكفورت” من “دبي” .
أخبرتني أنها حَجَزَت طاولة للعشاء في مطعم طلياني كنّا قد زُرْناه لمّا كان زيد معنا.
مُنى ؛ كانت تعاني من أوجاع شديدة في مَنْطقة الرَّقَبة، لَجَئت الى الغُرْفة ، لحمّام ساخِن ، وللرّاحة.
سائِدة كانَتْ قد تَرَكَت الفُنْدُق إلى ” السّوق ” ، أي الى شارع ” الممشى “…للتسوق.
أنا ، أخْتِرْتُ أنْ أجلس على إحدى الكنبات الأنبيتية في لوبي الفندق ،…
كُنتُ في مزاج الكتابة ،… فَجَلَستُ أكتُب ..!
بعد ساعتين أو أكثر قليلاً،… خَرَجْتُ بمَقال ، أرسلته الى خالد رمضان وفهد خيطان ، وفوَّضتهما بَنَشْرِه في جريدة “الغد” ،…
بعد دَقائق ، أرسلَ لي فهد يقول أن المَقال ؛
” مقال جيد جداً ويَصلح للنشر. أظن أن نهايته مَبتورة أو غير مُكتملة”،
لَمْ أفهم ما يقصد بكونه مَبتوراً ….
أما خالد ، فأكّد لي أنه سيبذل جهده لنشره .
لما أرْسلته إلى هبة ،.. عادَت لتقول ما قاله فهد أن المَقال يَبدو غير كامل ،…
لمّا استطلعت الأمر بالنّظر الى المقال كيف وصل وظَهر على شاشة تلفونها ، أدْرَكت أنَّ الواتس أب نقلت المقال محتزءاً ولم تنقل الجزء الأخير من المَقال …!
عندها أعدت إرسال الجزء الأخير ،… ثُمَّ عاودت إرسال المقال كله بِـ الـ Email لكل من فهد وخالد ،…
بعد دقائق ، أكد لي فهد أن المقال الآن قد إكتمل ،..
أما نَص المَقال فجاء كما يلي :
“<> بلفور ، والمسؤولية البريطانية على مأساة الشعب الفلسطيني .
بقلم : عبد الرحمن وهيب البيطار
هايدلبيرغ – ألمانيا
٣ تشرين الثاني ٢٠١٧
——————————————
المقدمات التي قادت الى إصدار ما أصبح معروفاً بوعد بلفور ، مهمة ، لكن الإلمام بتفاصيلها وإن كان مهما ، الا أنه لا يغير من الأمر شيئاً،.. فالجهة التي تتحمل المسؤولية عن إصدار الوعد هي الحكومة البريطانية ، فهي التي أقرَّت في جلستها المنعقدة في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ إصدار الوعد … أما بلفور الذي وشّح القرار بإسمه ، فقد أراد أن يقول للحركة الصهيونية التي انعقد مؤتمرها الاول في آب ١٨٩٧ أنه تمكن بعد عشرين عاما من انعقاده من استصدار القرار الذي يلبي متطلباتها والذي عبّر عنها هيرتسل في كتابه ” دولة اليهود ” وفِي خطابه امام ذلك المؤتمر من أن أهداف الحركة ، كي تتحقق ، تتطلب أن تتحول الى تشريع تلتزم بتحقيقه دولة مسؤولة عن أراضي فلسطين ، كالدولة العثمانية ،او دولة كبرى ( أو دول ) ذات وزن وقرار على مستوى الساحة الدولية ، تصدر اعلاناً رسميا صريحاً عن موقفها في هذا الخصوص ، وقد تمكن بلفور من دفع الحكومة البريطانية لأن تكون هي تلك الدولة التي تتبنى مطالب الحركة الصهيونية ، مستفيداً من المركز الذي اكتسبته بريطانيا في كونها قد خرجت من الحرب الكونية الاولى منتصرة .
القرار الوعد الذي أصدرته الحكومة البريطانية جاء بعد ان كانت الجيوش البريطانية قد تمكنت قبل شهور قليلة فقط من اختراق حدود فلسطين مع مصر ، وقبل نحو خمسة أسابيع من عبور الجنرال أللنبي نهر الاردن واحتلاله لمدينة القدس. ولكنه يأتي أيضا بعد نحو سبعة عشر شهراً من إبرام معاهدة سايكس بيكو السرية التي اتفقت فيها بريطانيا وفرنسا ( وروسيا القيصرية) ، على تقاسم تَرِكة الامبرطورية العثمانية المنهزمة في الحرب من أراضي بلاد ما بين النهرين ، والبلاد السورية بما فيها فلسطين وشرق الاردن ولبنان والتي كانت قد احتلتها في العام ١٥١٦، أي قبل أربعة قرون من إبرامها.
ومما يلفت الانتباه ، ان تلك المعاهدة قد أُبرِمَت أيضاً قبل شهر واحدٍ فقط من إعلان الشريف الحسين بن علي انطلاق الثورة العربية الكبرى في الاراضي العربية الممتدة من جبال طوروس وعبر بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام والأراضي الحجازية في الجزيرة العربية ، وذلك بعد شهور من الاتصالات والمكاتبات السرية فيما بينه وبين المندوب السامي البريطاني المقيم في مصر ، والتي أعلن فيها الشريف وقوفه الى جانب بريطانيا وحليفتها في الحرب فرنسا ، وضد الدولة العثمانية في الحرب الكونية الاولى مقابل تعهدٍ غامض من البريطانيين بدعم قيام كيان عربي مستقل على أراض سيتم تحريرها من العثمانيين، ومقابل قيام الحكومة البريطانية بتدريب الثوار العرب ومدهم بالاسلحة والذخيرة والخبرات والمعلومات والاموال والمساعدات اللوجستية، لتمكينهم من المساهمة في الجهد العسكري ضد العثمانيين الذي كانت تبذله القوات البريطانية في تلك الحرب .
وبذلك ، تكون الحكومة البريطانية ومنذ أيار من العام ١٩١٦ الذي تمَّ فيه إبرام معاهدة سايكس بيكو قد كرّست سوء نيَّتها تجاه تطلعات الشعوب العربية نحو الحرية والاستقلال عن الأتراك وخيانتها لها على نحوٍ صريحٍ وصارخ وذلك من خلال المؤشرات التالية :
• تقاسم النفوذ فيما بينها وبين حليفتها فرنسا في الأراضي التي كان الشريف حسين يُزْمِع إقامة مملكته العربية المستقلة عليها، ضاربة بعرض الحائط بكل التعهدات التي قطعتها للشريف وأولاده.
• وضع حصة بريطانيا من البلاد التي تم طرد القوات العثمانية منها تحت الاحتلال البريطاني المباشر وإقامة ادارات وسلطات بريطانية عليها ، وممارسة الحكم فيها من خلال الحكام العسكريين والمندوبي البريطانيين المعينون مباشرة من قبل الحكومة البريطانية .
• السماح لفرنسا وهي حليفة بريطانيا في الحرب بقمع الوحدات العسكرية العربية المشكلة من الثوار الذين شاركوا القوات البريطانية في طرد القوات العثمانية من الأراضي العربية ، وعدم توفير أي حماية لتلك القوات ، وإسقاط الحكومة العربية التي شكَّلها الامير فيصل والثوار السوريون العرب ، وبالتالي تمكين القوات الفرنسية من الاستحواذ على حصتها بموجب معاهدة سايكس بيكو واحتلال الاراضي السورية واللبنانية ، وإقامة نظام حكمٍ احتلالي على أنقاض هيئات الحكم الوطنية التي كان الثوار السوريون منخرطون في إقامتها في ذلك الوقت.
• اتخاذ الحكومة البريطانية القرار بإصدار وعد بلفور في بداية تشرين الثاني من العام ١٩١٧ بعد شهور قليلة من دخول القوات البريطانية أراضي شرق الاردن وفلسطين ونجاح الثوار العرب مدعومين بالقوات البريطانية في طرد القوات العثمانية منها ، والذي يتضمن نصّه تكريس القواعد التالية :
- استثناء أراضي فلسطين بصورة رسمية من التعهدات البريطانية المقطوعة للشريف حسين وأولاده ، هذا مع إكساء الغموض على حدود أراضي فلسطين المشمولة بـ ” الوعد”.
-
عدم إقامة أي إعتبار لشعب فلسطين المقيم على أرضه منذ مئات السنوات ، واعتبار الأغلبية السكانية العربية الفلسطينية ، حسب نص الوعد ، مجرد طائفة ” جالية” ، تتمتع فقط بحقوق ” مدنية ودينية ” .
-
مصادرة الحقوق الوطنية والسياسية لشعب فلسطين أي للأغلبية السكانية العربية المقيمة على الأرض الفلسطينية ، وتجييرها لمجموعات بشرية من يهود اوروبا والعالم ، لا تتمتع بحق الإقامة او المواطنة ولم تكن في حينها مقيمة على أرض فلسطين .
-
الإلتزام للحركة الصهيونية بدعم مخططاتها لإتخاذ فلسطين مقراً ووطناً ليهود أوروبا والعالم ، بما يعني تشجيع الهجرة إليها وتمكين اليهود من السيطرة على مقاليد الأمور فيها .
-
إقرار مبدأ عدم المساس بحقوق اليهود في بلدان العالم التي يقيمون فيها ، والتي سيهاجرون منها الى فلسطين ، بما يعني منح مواطني دول أخرى من اليهود حقوقاً غير عادية وغير معهودة في القانون البشري الإنساني.
وعلى الرغم من أن الحكومة البريطانية لا تملك عند إصدارها الوعد ولا بعده أي حق مشروع في إصدار قرارٍ من قِبَلِها يتعلق بأرض لا تملكها ، وبسكان ليسوا من رعاياها او مواطنيها ، الا أنها ضربت بعرض الحائط بكل ذلك ، وتمادت وسمحت لنفسها بدون أي حق أن تتصرف وكأنها
ممثلة الله على الارض ، تملك الحق المطلق بالتصرف بالناس وبأمورهم وبحقوقهم وبممتلكاتهم كيفما تراه مناسباً لرؤيتها ولمصالحها ، وهذا أمرٌ غير معهود في تاريخ البشرية وعلى الأخص في عهودها الراهنة .
لم تكتفِ بريطانيا بإصدار قرار ” الوعد ” ، وانما استغلت كونها دولة محتلة لأراضي دولة عدوّة ، وتصرفت بناء على ذلك معتبرة الحاكم العسكري البريطاني المعين من قبلها لفلسطين ذو صلاحيات مطلقة في التصرف .
ولم تتوانَ دولة الإحتلال البريطاني عن العمل وهي الدولة المحتلة ، على تنفيذ الوعد ، حيث سمحت الحكومة البريطانية لوفدٍ من الحركة الصهيونية بعد أقل من أربعة شهور من احتلالها للقدس ، أي في نيسان ١٩١٨بزيارة القدس وفلسطين ، لدراسة ما يتوجب عمله من أجل وضع الترتيبات اللازمة لتنفيذ الوعد على الأرض،.. وعملت في ذات الوقت على الاتصال بالسكان المحليين من خلال القيادات الدينية والبلدية والقضاة وبمخاتير القرى وشيوخ العشائر ، وغيرهم لإبلاغهم بما تسعى الحكومة لتحقيقه ، ومارست منذ البداية الضغوط وقدمت الإغراءات التي استهدفت إجهاض او كبت أي مقاومة محلية قد تهدد تحقيق المخططات البريطانية في فلسطين .
ولاستكمال شروط تحقيق المخطط المُعَبَّر عنه في القرار ” الوعد “، كان يتعين على الدولة المنتصرة في الحرب ، أي بريطانيا العظمى ، أن تُـسَخِّر مؤتمرات السلام التي انعقدت لتسوية الأمور الناشئة عن الحرب الكونية الأولى، وأن توجه دَفَّة الأمور باتجاه استخراج القرارات من المنظمة الدولية التي أنشئتها الدول المنتصرة في الحرب ، أي من ” عُصْبَة الأمم ” بما يُمَكِّنها من تحقيق مخططات الحركة الصهيونية ، والتي جاء القرار ” الوعد ” ليُعَبِّر عنها ، وفِي هذا الخصوص ، فإنه يُلحظُ ما يلي:
- سعت حركة الثوار العرب في بلاد ما بين النهرين وفِي البلاد السورية والحجازية للحصول على تمثيل لها في مؤتمرات السلام التي انعقدت بعد انتهاء الحرب ( ١٩١٨- ١٩٢١) ، كما سعت الحركة الوطنية المصرية للحصول على التمثيل في تلك المؤتمرات هذا على الرغم من مقاومة بريطانيا لذلك . وقد لعبت بريطانيا دوراً مركزيا في اختيار من يمثل الثوار العرب في تلك المؤتمرات .
-
عملت الحكومة البريطانية بالتعاون مع عدد من حكومات الدول المنتصرة في الحرب ، على انتزاع اعتراف من مؤتمرات السلام المنعقدة خلال الفترة التالية مباشرة لانتهاء الحرب الكونية ( ١٩١٨ – ١٩٢١) باعتبار الحركة الصهيونية حركة قومية مشروعة الأهداف ، واعترفت بممثليها وبحقهم في المشاركة في فعاليات تلك المؤتمرات . وبذلك ، وجد الممثلين العرب المشاركين في تلك المؤتمرات أنفسهم ، جنباً الى جنب ، مع ممثلي الحركة الصهيونية ، يتقدمون بمطالبهم الى تلك المؤتمرات ، ويسعون لنيل تأييد ممثلي الدول المنتصرة في الحرب،
-
سَعت الحكومة البريطانية وحاولت وضغطت باتجاه انتزاع موافقة من الممثلين العرب في مؤتمرات السلام ، لقبول مبدأ إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ضمن المحددات والاشتراطات الواردة في القرار ” الوعد “. وعَمِلَت على تنظيم لقاءات واجتماعات ببن ممثلي الحركة الصهيونية والممثلين العرب خلال الفترة الممتدة بين عامي ١٩١٨ و ١٩٢٠ ، تستهدف بناء تفاهم بين هؤلاء الممثلين ، يُهَيء الأرضية لتنفيذ القرار “الوعد” على قاعدة أن ذلك من شأنه أن يُسَهّل تحقيق التطلعات العربية في الاستقلال خارج حدود فلسطين، وان التعاون مع الحركة الصهيونية من شأنه ان يساعد على خلق شروط مؤاتية للتنمية الإقتصادية والإزدهار . وقد حصل في هذا الإطار عدد من الاجتماعات مع ممثلي الحركة الصهيونية وصدرت بيانات وتم التوقيع على مذكرات .
-
تمكنت الدولتين الإستعماريتين بريطانيا وفرنسا من تعطيل العمل بمبدأ ” حق تقرير المصير ” الذي نادى به الرئيس الامريكي ويلسون في تلك المؤتمرات وحاول إرساء العمل به ، وتمكنت من انتزاع الموافقة على اعتماد مفهوم ” الانتداب ” و ” الدولة المُنْتَدَبة ” ، وتكريس مفهوم ان الكثير من شعوب العالم ، ليست على مستوىً كافٍ من التقدم لتتمكن من حُكْم نفسها ، وأن لـ ” عُصْبة الأُمم ” بصفتها كيانا دوليا مُشَكّلاً من الدول المُتَمَدِّنة المنتصرة في الحرب الكونية الاولى الحق بفرض الإنتداب على الشعوب المُعْتَبرة ” غير مُتَمَدِّنة ” ، وأن تختار من ببن أعضاءها مَن يتولى الإضطلاع بمسؤوليات ” الدولة المُنْتَدَبة ” ، شرط أن تقوم تلك الدولة بتقديم تقارير دورية لعُصبة الأُمم عن التقدم الذي تُحْرِزَه في ” تمدين ” تلك الشعوب والأوطان ” غير المُتَمَدِّنة “.
-
تمكنت بريطانيا من اعتبار ” فلسطين ” وطن وشعب يحتاج ” لتمدينه ” وبالتالي ، فإن ذلك يستدعي فرض ” الإنتداب” عليه ، وتمكنت بصفتها الدولة المُحتَلّة لفلسطين مِنْ أن تفوز بتعيينها لمركز ” الدولة المُنْتَدَبة “، وتمكنت أيضاً مِنْ تمييز إنتداب ” فلسطين ” عن غيره من الإنتدابات التي أقرتها العُصبة ، بتكليف بريطانيا ليس فقط ” تمدين ” شعب فلسطين ، وإنما أيضا بإجراء كل ما يلزم لتحقيق القرار ” الوعد ” بإقامة وطن قومي لليهود فيها ، بما لا يؤثر على الحقوق ” المدنية والدينية ” للطوائف ” غير اليهودية التي تعيش فيها ،… وبذلك ، تكون بريطانيا قد انتزعت لصالح الحركة الصهيونية قرارا من الدول المشاركة في تكوين عُصْبة الامم تعترف به تلك الدول بحق الحركة الصهيونية في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين ومسخ الحقوق الوطنية والسياسية لشعب فلسطين العربي المُشَكِّل للاغلبية السكانية فيها وتقليصها الى مجرد ” حقوق مدنية ودينية “، وتجيير تلك الحقوق ( اي الوطنية والسياسية ) لمجموعات بشرية من يهود اوروبا والعالم لم تعرف فلسطين ولم تكن وليست مقيمة فيها…!.
بعد إحراز كل تلك المكاسب للحركة الصهيونية ،.. قامت بريطانيا في تموز ١٩٢٠ بتعيين اول مندوب سامي لها في فلسطين ، واختارت لذلك بريطانيا صهيونيا بهودياً.
خلاصة:
الإستعراض اعلاه ،… يقدم مُلخَّصا لحجم الجرائم التي ارتكبتها الحكومة البريطانية بحق شعب فلسطين خلال الفترة الممتدة ما بين تشرين الثاني من العام ١٩١٧ وتموز من العام ١٩٢٠.
ان جذر وأصل كل معاناة لكل عربي فلسطيني ابتداءً من تاريخ احتلال بريطانيا للقدس في ١٢ كانون اول من العام ١٩١٧ وحتى تاريخه يعود لبريطانيا الاستعمارية ، ومع ان شعب فلسطين العربي لم يتسبب للشعب البريطاني بأي آلآم ، فإن الحكومات البريطانية المتعاقبة منذ عام ١٩١٧ لا زالت تُمْعِن في إيذاء الشعب الفلسطيني وفِي تعميق مأساته عبر الاستمرار في إنكارها لحقوقه الوطنية والسياسية ولحقه في تقرير المصير على أرضه وفوق ترابه الوطني.
الشعب العربي الفلسطيني يستحق من الشعب البريطاني الإعتذار عما تسببت به سياسات حكوماته من آلآم وعذابات له ،.. وآن الأوان لأن يُرْغِم حكوماته ان التعامل مع حقوق الإنسان هو مسألة غير قابلة للتمييز ، وان الشعب الفلسطيني هو كالشعب البريطاني ينتمي لذات الفصيل الإنساني ويستحق ان يتم التعامل معه بلا تمييز . ”
إنتهى المقال .
لمّا إنتهيتُ ، من كِتابة المَقال ، ذَهَبتُ إلى الغُرْفة ،… كانت مُنى في حالة من الوَجَع الشّديد ،… أعطيتها حبتين “مايجوسيك” ،.. محاولاً التّخفيف عنها .
أخْبَرَتنا هِبَه أنَّ غَيْث قد وَصَل ،.. وأنها سَتَذهب للإلتقاء به.
على العَشاء ، إلتقينا بغَيْث ،.. وكانَ عَشاء جميلاً في المَطعم الطلياني ،…
غَيْث ذو شَخصية مُحَبَّبَة ، يَفيض نُبْلاً وشَهامة ،.. أكِنّ له مَحَبّة خاصّة وإحترام .