السبت الموافق ١١ تشرين الثاني ٢٠١٧.
لَيلِة أَمْس ، نِمْتُ كل الفترة المُمْتَدَّة من الحادية عشر قبل مُنتصف الليل، وحَتّى الصّباح تَخَللّها صَحْوَتين فَقَط لجئت فيهما الى الحَمّام .
في السّابِعة صَباحاً ، أيقَظَتني مُمَرِّضَتان جاءَتا لأَخذ عَيِّنات دَم من يَدي ،… لُغَتَهما الإنجليزية مَحدودة للغاية،.. ثم جاءَت مارِيّا ، وَهْيَ مُمَرِّضة تَتَحَدَّث إنجليزية بدَرْجة مَقبولة، ومَفهومة .
قاسَتْ الضَّغْط ( ١٣٢/٨٥)، والحَرارة (٣٦)، والأوكسجين (٩٥)،… ثم الوزن ( ٨٧.٣)كغ ، وقالَت كل شيء تَمام...!
ثُمَّ ، أشارَت إلى الشامبو الذي عَلَيَّ أن إسْتَخْدَمه للرَّأس والجِسْم ، وكذلك اللوشن لمُعالجة جَفاف الجِلد ، وقَطْرة أنف لتزييت فَتْحَتَي الأنف بمُعَدّل مَرَّتين يومياً ، ومُرَطِّب الشَّفَتين لإستعمالِه كُلّما دَعَتْ الحاجة ،…
ثُمَّ عادَتْ لتَقول ، إنَّ غَسيل الفَم يجب أنْ يَتِمَّ بعد “المَضْمَضة بالسائل المُعَقِّم” أو ” بعد تناول الطّعام” بماء قَنّينة المِياه، ولَيسَ بماءِ صُنْبور المِياه في الحَمّام ، ثم أحْضَرَت قارورة صغيره فيها سائل مَوْصولة بسِلك ، مَع كَمّامَة ،.. وقالَتْ : تَسْتَعمِل هذا الجهاز ثلاثة مرات في اليوم ، كل مَرّة لمُدِّة (٥) الى (١٠) دقائق تَشهَق وتَزفُر فيه ،… وهو مُهِم وضروري لعَمَل الرِّئَتَين ،…!
ثم أشارَتْ إلى حَفْنِة أدوية عليَّ أن أتناولها بعد الطعام ،…
وتَلَتْ ،… تَعليمات كثيرة دُفْعةً واحِدة ،… ! وقالتْ : أنّها مَوْجودة ، وطَلَبَتْ أنْ لا أتردد في سُؤالِها كُلَّما إحتجتُ لذلك ،…
بعد ذلك جاءَ الفُطور ،..وكان جَيداً …!

تَناوَلْتَه ونَظَري مُصَوٌَبٌ الى الشّاشة أُتابع عليها أخبار الـ (CNN) ،….. حَديث ٌ، يُعادُ بين بُرْهةٍ وأُخرى عن لقاءٍ عابِر وقَصير لبوتين وترامب أثناء زيارة ترامب لدولٍ في جنوب شرق آسيا ، وإتفاقهما على أنَّ الحل في سوريا هو سياسي فقط ،…
بَعْدَها إخترتُ أنْ أكتب هذه السطور ، وبِقُرْبي كأسٌ مليءٌ بقَهوَةِ الصباح ..!
ثم تناولتُ حَفْنَةٍ من الأدوية … ، ووضعتُ قطرتين من السائل الزيتي في فَتحَتي الأنف ،… وتَمَضْمَضْتُ مُستَعْمِلاً السّائل المُعَقِّم ،.. وأُفَكِّر الآن في إستعمال ماكينة التنفس ،…!
ناديتُ على المُمَرِّضة لتُساعدني في إستعمال ماكينة التَّنَفُّس على الوَجْه الصّحيح،..
ثُمٌَ إتصلتُ بهِبَه / منى ثم بسائدة …
عقارب الساعة تَتَلاقي الآن عند العاشِرة صباحاً …!
أنا الآن في وضعيةَ الإنتظار …. إنتظار البدء بالكيموثيرابي …!
قُلتُ في نفسي ؛ ” يا أهلاً بالمعارك “!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
حَضَرَتْ في السّاعة العاشِرة والنِّصف صَباحاً الطبيبة Kaya.
سَأَلَتني: كيفَ نِمْتَ هذه الليلة ؟
ثُمَّ أخْبَرَتني أَنَّ تَرْكيب أُنبوب التّغذية بالكيمو Central Line في أَحَدِ أوْرِدة الرَّقَبة سَيَتِم صَباح يوم غد ، وليس هذا اليوم ، وأنَّ أول جلسات الكيمو ( الحقن بجرعة فلودربين ) سَتَبدَأ في الرّابعة بعد ظُهْر هذا اليوم، وسَتَسْتَمِر لساعتين تقريباً ، وليس صباحاً ،…
طلبتُ مِن ماريّا ؛ المُمَرِّضة المَسؤولة المُناوِبة هذا الصباح أنْ تَدُلّني على كيفية إستعمال أجهزة الشَّاوَر ،….. وأَخْبرتها عن أنبوب التغذية / السّحب المَزروع في يَدي اليمنى ومَسألة حِمايَته من مِياه الشّاوَر ،… ،عندها، قامَتْ بِلَفّه بشاشٍ إضافي ، وقالتْ أنها ستعمل على تغييره بعد الشّاوَر Shower .
إستَمْتَعتُ بالشَّاوَرْ shower .
ثُمَّ جاءَتْ ماريّا لتَكتَشِف أنَّ هُناك بعض الإنتفاخ في المَنطقة المُحيطة بأُنبوب التّغذية/ السّحب المَزروع في يَدي ،… قَرَّرَتْ عِنْدها أن تُزيل كل شيّء ، وأن تُخبر الطّبيب ليُصار الى زراعة أنبوب تغذية/ سحب بَديل ،…
بَعْدَ أنْ تركت مارِيّا الغُرْفة بلَحظات ، جاء البروفسور بيتر دريچر لزيارتي .
قال : أراكَ تبدو بصحة جيدة جداً ..
قلت له؛ أنا مُستَعِد للبدء للرحلة ..!
قال: اليوم وغداً ستَتَلقى كيماوي خَفيف ، وفِي يوم الاثنين سيُضاف كيمو ثالث ذو تأثير أشد …!
ثُمَّ نَظَر الى يَدي وسأل : أنا لا أرى أُنبوب التّغذية / السّحب …؟
أخْبَرْتَه بأنَّ مارِيّا قَرَّرَت إزالته بعد أنْ لاحَظَت الإنتفاخ البسيط حول موضع تثبيته.
تَفَقَّدَ مَنطقة الإنتفاخ ، وقال؛ هذا أمرٌ بَسيط ، سيتم مُتابعته.
ثم قال : إبتداء من الإثنين ، ستبدأ التّغذية أو السّحب من خلال الـ Central Line الذي سَيَتِم تَركيبه على أحد أوردة الرَّقَبة ،..
أخْبَرْتَه : أنَّ الدكتورة كايا Kaya أخْبَرَتني أنَّ تركيب الـ Central Line سيَتِم في العاشرة من صباح الغد ؛ الأحد.
ثُمَّ سألني : هل تَرغب في الإستفسار عن شَيء !… ، ها قد بدأنا تَنفيذ المَرْحلة الأساسية في هذا العِلاج .
عُدْتُ لأقول : أنا مُسْتَعِد تماماً لهذه المرحلة يا بروفسور.
وغادر الغرفة .
لَمْ تَسْتَطِعْ مارِيّا ربطي بشبكة الإنترنت . أخْبَرَتني أنها سَتُحْضِر بعد قليل مّنْ يُساعِدها في ذلك.
لِذا ، أنا حتى اللحظة مَقطوع عن الإتصال بالعالم الخارجي بواسطة الإنترنت.
أَدْرَكتُ عِندها مَدى أهمية الإنترنت في تسيير حياة الناس في هذا الزّمن ؛ زَمَن الـ IT ، ومَدى الفراغ الذي يَشعر به المَرْء في هذا الزَّمن عندما تَغيب عَنه حتى ولو لوقتٍ قصير ..!
بعد قليل ، جائَني طبيبٌ آخر ،.. وقال انّه سيقوم بزراعة ” أنبوب تغذية / سحب” جَديد بَديل .
قام بذلك ، واٌختار لذلك عِرْقاً في ظَهْرِ يَدي اليَمنى ، في ذات المَنطقة التي شَهِدَت تركيب العديد من هذه الأنابيب عندما كُنتُ نزيلاً في مركز الحسين للسرطان ، وقال : سيتم إزالة هذا الانبوب عندما يتم تركيب الـ Central Line.
أثار َإهتمامي طَلَب المُمَرِّضة مِنّي أنْ أقوم بتوضيب السرير الذي أنام عليه. وقالتْ أنَّ خزانة الغرفة تحتوي على الشراشف والأغطية اللازمة للتغيير ، وأنَّ ذلك يتعين تغييره ، وبالتالي توضيبه كل يوم ،…!
أخْبَرتها أنَّ زوجتي ستأتي بعد قليل ،… وسأطلب منها ان تقوم بذلك ،..!
رَمَقَتني بنظرات إستنكارية، وكأنها تُريد ان تقول لي بإستنكار : أنت لا تعرف أنٌَ تقوم بذلك ،…؟!
بَعْدَها ، قالت لي أنها لَمْ تجد من يُساعدني في ربطي بشبكة الانترنت ،.. وأنها ستطلب من ممرضة وَرْدِية Shift بعد الظُّهر أنْ تقوم بذلك ،..!


…………………………………………..
في الثّانية بعد الظهر ، دخلت هِبَه الى الغرفة ، وأخْبَرَتني أنَّ مُنى وسائدة ويوسف في قاعة الإنتظار .
نادَيتُ على المُمَرِّضة ، وطَلَبَتْ منها هِبَه أنْ تَسمَح لسائدة ويوسف بالزِّيارة ،… فلمْ تُمانِع… فلم تَبدأ بعد عملية الحقن بالكيماوي.
دخلوا بعد ذلك الى الغُرْفة بمَلابس الوقاية وبكمّامات ،.. أمْضَينا وقتاً لطيفاً معاً ، فمَجلِس يوسف وسائِدة مُمْتِع .
قبل الرّابِعة ورُبع ساعة ، زارَني المُمَرّض” نِكو ” ، و أخذ قِياسات الضّغط والحرارة ، والأوكسجين ،… وقال أنها جميعاً ضِمْن الحُدود ،…
وذَهَبَ الى الـ stand المُجَهّز بتجهيزات عديدة ،… وقال لي :
الآن سَنَبدأ بحَقنِكَ بالكيمو لنِصف ساعة فَقَط في ذات الوقت الذي سَيَتِم فيه تغذيتك بمَحلول كلورايد الصوديوم ، ولطيلة هذه الليلة وحتى صَباح الغد . يَستهدف مَحلول الصوديوم توفير أكبر قَدْر مُمْكِن من الحِماية لعَمَل الكليتين . وطَلَبَ إلي أنْ أُنادي على المُمَرِّضة عند صُدور أزيز من الجهاز المحمول على العلاّقة ، أي الـ stand .

كانت مُنى وهِبَه ترغبان في الإلتقاء بـ ” نِكو” ، وتَشهدان تَدْشين رِحلة العلاج بالبِدْء بتَلَقّي أول حُقْنِة كيماوي ،… لكن مُنى جاعَت ، وكذاك هِبَه التي كانت مُنْشَغِلة طيلة الوقت قبل ذلك في تدبير رَبْط تلفوني بشبكة الإنترنت .
المُهِم ، ما أنْ ذَهَبتا إلى الكافيتيريا حتى حَضَر َ” نِكو ” ،.. وها أنا الآن أحتفل بـ” عيد المُباشرة ( بالكيمو ) والبُشرى “.
قَبْلَ لَحظات ، سَمِعتُ أزيز الجهاز مُعلناً إنتهاء عَمَلِيّة حَقْن جُرْعِة الكيمو الأُولى .
أَخذتُ صورة للسّاعة، وكانت في الرابعة والنصف الا خمسة دقائق.


.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،.،
مع بُلوغ الوقت التاسعة مساءً ، يأتِ موعد تناول حَبِّة دَواء ،… لذا عليٌَ الآن أنْ أترك السرير ، وأنا مُقَيّد بأنبوب التّغذية المَرْبوط بكيسٍ بلاستيكي فيه المَحلول المِلحي ،.. وأنْ أتجه إلى الطاولة المُجاورة حيث تَرَكَت المُمَرِّضة الحَبّة …! ،
يَستدعي ذلك أنْ أُحَرِّك الـ stand ، وأَجُرَّه مَعي إلى حيث الطاولة ،… تلك قُيود من السَّهل التّعامل مَعها في أحوال المُواجَهة التي أخوضها ، ويَخوضها معي أحبائي وأصدقاء كثيرون ،…!
حَضَرَ طبيب الجِلْد المُخْتَص بطَلّةٍ بهية ، وبعد حَديث عن فلسطين وعن الأُردن ، كَشَفَ على ظهري حيث لاحظت هِبَه وُجود rash ، وأخبرني فوراً أنَّ هذا الأمر لا علاقة له بالأدوية ، وعلى الأغلب هو نتيجة حالة ” تَعَرُّق “،… وبعد أنْ إطّلع على الـ lotion المَوْصوف والمَطلوب إستعماله : قال إنه مُناسب .
لكنَّه نظر إلى الإحمرار والإنتفاخ في يَدي حيث كان أنبوب التّغذية / السّحب مزروعاً وقال : هذا الإنتفاخ والإحمرار أهم أنْ يُتابَع من ذلك الـ Rash، وسأَلَني إذا ما كُنتُ أشعر بألم في تلك المنطقة ، فأخبرته بلا… ، فقال : راقِب المَوضوع هذه الليلة، وأَخْبِر المُمَرِّضة إذا ما كنت تشعر بأمر غير عادي ، كما أنّي سأطلب من المُمَرِّضة في وَرْدِية الليل أنْ تُراقِب الوضع في هذه المنطقة .
وقبل أن يُغادِر ، حَضَرت المُمَرِّضة الرائعة كاترين،.. سألتني إِنْ كنت أحتاج لأي شيء ،… أخبرتها عن الملاحظة التي ذكرها طبيب الجِلديات ،… ، طَلَبَتْ إليَّ أن أُراقب الأمر في الليل وأيٌدت ما ذكره الطبيب.
عرَّفتني على ولديها من خلال صُوَرِّهم ،.. وقالت بأنها ستعود الى البيت مع كَلبها الذي تُحبه ، وذَكَرَت أن عُمْرَه لا يتجاوز الثمانية شهور .
أمْضَت هِبَه جُزْءاً من وَقْتها الذي قَضَته معي وهي تُدَلِّك مناطق من جسمي لا تصل لها يداي ، وتُرَطّبها بإستعمال الـ lotion الذي وَصَفوه لي . أخبرتني أنَّ جسمي يمتص الـ lotion بسُرْعة ملحوظة دَلالةً على أنه يُعاني من جَفاف ،… وقالَت بأن عليها واجب يومي إبتداءً من يوم غد بأن تقوم بترطيب الجلد في جسمي كل يوم …!
أخبرتني أنَّ غيث قَرَّرَ الحُضور نهاية هذا الأُسبوع ، لأنه يشعر أنَّ عَليه أن يَكون إلى جانبي في اللحظة التي ستتم فيه زراعة الخلايا الجذعية ،… حاولتُ أن أقول لها أنه كان مَعي قبل أُسبوع وأنا أُقَدِّر له مَوْقِفه ،… أخبرتني أنَّ زيارته هذه مُخَصَّصة لي وليس لها،…!
وها أنا أعرف من صديقي عمَّار ملحس أنه سيكون هو أيضاً مَع كَرْمه مَوجودين في ذلك الوقت ،… فَقُلتُ في نفسي : الأَحِبّاء مَواقف ، والرِّجال مَواقِف والأصدقاء مَواقِف ،… وأزمتي هذه جَعَلتني أُدْرِك هذه الحقيقة بجُلِّ معانيها ،…!
وقبل أن أَخلُد للنوم ،… قلتُ في نفسي ؛ ها قد مضى اليوم الأول من الرِّحلة ،…! ، وسَتَمُر أيام أخرى ، قد يكون بعضها صعباً ،.. ولكن ، متى كانت أمور الحياة ومَسائلها سَهلة على الدوام ،…!؟ متى …؟؟؟؟!
خُلاصة الأمر ؛ هي مِحنة وإمتحان ،… وعَلَيَّ إجتيازه …! بالإرادة ، وبمَحَبِّة الأَحِبّاء والأصدقاء وبإقتدار.
===========
أخي العزيز مهندس عبد الرحمن ، كتابتك قراءتها مريحة و هادئة و فيها معاني أو مشاعر ضمنية حلوة ، مثل أن نعرف أن شقيقتكم الفاضلة هي المتبرعة بالانسجة أو الخلايا الجذعية و هذه لفتة من صلة الرحم التي تمس القلوب حتى لو لم يكن القاريء من الأقارب ، و ايضا عندما تكتب : يا اهلا بالمعارك ، يبتسم القاريء و يشعر بثقتك بالوضع و القادم من الأمور ،، نشكر الله انكم تحسنتم صحيا و نتمنى أن نراك باحسن حال ،، مع التحية و المودة بشار غنما