Menu Close

حوار مع نبيل فرح … حول حقوق المواطنة في القرار ١٨١ ، وقرار حق العودة …!

يومية الأحد الموافق ٨ أيلول ٢٠١٩

منذ مساء الأمس ، كان الجَوُّ قد تغير في هايدلبيرغ .

بدأ في التغير منذ ان تركنا الفندق ظهيرة الامس وذهبنا الى شارع الـ ” هوبشتراسه ” ، وكان حينها رذاذا جميلاً يتساقط .

نسينا أنْ نَسْتَلِف من الفندق شمسيان.

لذا ، وبعد أن زَرَقتُ إلى صالون لقص الشعر ، كان أول ما قُمْتُ به هو شراء ” طاقِيّة ” او ” بُرْنيطة ” ، ثم أخذنا ننتقل من مكان الى آخر في الشارع ، نحتسي قَهوة هنا أو عصيراً هناك ، ونَستَمتع في الإنخراط مع الناس في نشاطاتهم وفِي مشاهدتهم ، وقد لَفَتَ نظري في الشارع ، إقامة ” ستاند ” مع خيمة صغيرة لـ Amnesty International ، مع شباب وشابات صغار في السِّن يقفون ، وفِي أيديهم منشورات يوزعونها ، ويتبادلون الحديث مع مستفسرين من المارّة، يمضون وقتهم في خدمة قضايا للإنسان هنا وهناك ،…

وخلال تجوالنا في الشارع ، شاهدنا مظاهرة صغيرة تَحْرُسها سيارة أمن واحدة ، ولَم أرَ حولها شرطياً واحداً ، ولا بنادق أو هراوات ، وأتراس ، ….الخ ، ولا أشخاص متخفين يجمعون المعلومات ويَتَصَيّدون ….!

في المَساء ، عندما عُدنا الى الفندق ، جَلستُ أُكمل يومية الأمس ، وأنشرها ،… ويبدو أني أمضيت أكثر من ساعَتين جالساً، وساقاي مرفوعتان يسندهما التخت ،… بَعْدَها ، ذُقت الأَمَرّين ، وجعاً لم أشهده في ساقي اليُسرى من قبل .

إستعنتُ بهبة التي كانت مع مُنى في بلكونة الغُرفة الأُخرى ، تراقبان الألعاب النارية التي تنطلق من تراسات قلعة هايدلبيرغ ، ومن منطقة جسر المدينة الذي تطل القلعة عليه، في ذكرى حرق القلعة وتهديمها في العام ١٦٩٣ على أيدي الفرنسيين الغزاة ،..!

أعطتني مُسَكِّناً للألم . مارست بعض التمارين لعلها تخفف من وطأة الأَلَم . لكني أمضيت ساعَتين صعبتين قبل أن أتمكن من الخلود للنّوم .

في الصّباح ، كان وَضعي جيد جدا ولا ألم .

صباح هايدلبيرغ وسماءها تكسوه الغُيوم ويلفه الضباب .

لاحظتُ تعليقاً لصديقي نبيل فرح على يومية الأمس ، فوجدتُ نفسي منخرطاً في الرّد على التعليق بتعليق واستفاضة .

عَلّق نبيل فرح على يومية ٧ ايلول ٢٠١٩ قائلا :

“أنا موافق على هذا الحل ، ولكن ماذا عن حق العودة ؟”

كَتَبتُ أقول له :

“القرار ١٨١ ( أي قرار تقسيم فلسطين الصادر في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧) مبني على إعمال حق تقرير المصير لسكان فلسطين على أرض فلسطين كلها ، ولكن مع تقسيم فلسطين إلى ثلاثة كيانات مُرتبطة باتحاد إقتصادي ، وبالتشارك في تقاسم الموارد.

ماذا يعني ذلك ، أي ماذا يعني تقرير المصير لسكان فلسطين في كياناتها الثلاثة التي رأى القرار ( الجائر) تقسيمها لها ؛

يعني ذلك أن سكان الجزء المخصص للدولة اليهودية في فلسطين هم مواطنوا ذلك الكيان، وهم من يقرر مصيره ( مع السماح باستقبال مهاجرين يهود من ضحايا الحرب العالمية الثانية ومن غيرهم الى اراضي ذلك الكيان ) .

وهذا يعني أيضاً أن مواطني ذلك الكيان، وهم ٤٣٥ ألف عربي فلسطيني و٤٩٥ ألف يهودي ممن كانوا سكاناً في بلدات وقُرى ومدن وبوادي الجزء المخصص من فلسطين لذلك الكيان ، هم من سيناريوا حق تقرير المصير في إطار ذلك الكيان المحكومة تشريعاته بقيود حددها القرار .

لقد بَقِيَ من الفلسطينيين العرب من سكان ذلك الجزء ( شاملين ذلك العدد الذي تمكن من العودة في الشهور الاولى بعد ١٩٤٨ وهلال ١٩٤٩) -أي بعد الإعلان عن اقامة ” اسرائيل “- في ذلك الجزء من فلسطين ( وكذلك في الجزء الذي احتلته من اراضي الدولة الفلسطينية ) حوالي ١٦٥ ألف فلسطيني عربي ، وهؤلاء تحولوا الى مواطنين في الدولة اليهودية التي سمح قرار التقسيم بإقامتها في جزء من فلسطين ( على مساحة ٥٥٪؜ من فلسطين) .

لقد بلغ عدد من غادر ( من الفلسطينيين العرب ) ذلك الجزء من فلسطين ( طوعاً او كرها بالتخويف والإرهاب او بالتطهير العِرْقي ، لا يهم ) ٢٧٠ ألفاً.

هؤلاء هم بمنطوق قرار التقسيم وحسب احكامه ، مواطنوا ذلك الكيان المُسمى ( دولة يهودية ) ، ويجب ، في اعتقادي ، أن يُطالبوا ( هم وأحفادهم وذرياتهم ) ليس فقط بالعودة الى مدنهم وبلداتهم وقُراهم وبواديهم ، ولكن باسترداد مواطنتهم في ذاك الكيان ، واكتساب نفس المنزلة والصفة التي يتمتع بها مواطنوا ” اسرائيل ” العرب ( الذين بقوا في فلسطين في العام ١٩٤٨ ولَم يغادروها ) .

وبموجب احكام قرار التقسيم المذكور ، فإن كافة حقوق هؤلاء بالملكية وغيرها مَكفولة ومَحفوظة ، وعليه يجب أن يُطالبوا ( وتطالب الحركة الوطنية الفلسطينية ) برد ممتلكاتهم لهم ، والتعويض عن كل الأضرار التي لحقت بهم منذ تم تهجيرهم وحتى الآن .

وهؤلاء لهم حقوق في كل مَوارد ذلك الجزء من فلسطين الذي خُصِّصَ لإقامة الدولة اليهودية ، بما في ذلك الأصول الثابتة من مطارات وسكك وطرق ،..الخ و كذلك في الموارد الطبيعية البحرية والأرضية والجوية لذلك الجزء .

لقد بلغت ملكية الأراضي في الجزء الذي خصص لإقامة الدولة اليهودية ما نسبته ٢٥ ٪؜ للسكان اليهود ، و ٧٥٪؜ للسكان العرب.

حَفِظَت أحكام قرار التقسيم حقوق الملكية والحقوق المدنية لسكان ذلك الجزء الذي خصص للدولة اليهودية ، وحَرَمَ الهيئات التشريعية في تلك الدولة و في الكيانات الاخرى المقامة بموجب احكام القرار ، مِنْ سَنِّ تشريعات تمييزية او من مصادرة أي من حقوق مواطني تلك الدولة .

ينطبق هذا الوضع على سكان الجزء الذي خصص من فلسطين لإقامة الدولة العربية الفلسطينية ( على ٤٤٪؜ من مساحة فلسطين) ، وكان عدد سكانها في ذلك الوقت من العام ١٩٤٧ (أي سكان الدولة العربية) نحو ٨٦٠ الف عربي و ١٢ ألف يهودي.

خلال عام ١٩٤٨ ، سَيْطَرت واحتلت قوات المُنظمات الصهيونية المسلحة على حوالي نِصْف الاراضي المخصصة للدولة العربية الفلسطينية في فلسطين ، وهَجَّرَت ٤٦٠ الفاً من سكان القُرى والمُدُن القائمة في الجزء الذي احتلته من اراضي الدولة العربية الفلسطينية الى الضفة الغربية ، والى شرقي الاْردن وسورية ولبنان وبلدان اخرى .

ان إقامة الدولة الفلسطينية العربية مُقَرٌ في صُلْب قرار التقسيم ذاته ، ولا يوجد مدى زمني في القرار يُقَيِّد حق الشعب العربي الفلسطيني في إقامة دولته عليه ، وهو القرار نفسه الذي استندت عليه الحركة الصهيونية في اقامة الدولة اليهودية في ١٤ أيار ١٩٤٨ ، والذي حددت حدود دولتها في إعلان إقامتها وفي رسالتها للامم المتحدة بالحدود التي رسمها القرار ١٨١ لها ، وقد اعترفت الدول بهذه الدولة وفق قرار الشرعية الدولية أي وفق القرار ١٨١.

وعليه، فإني ارى أنه يجب أن يعلن الفلسطينيون إقامة دولتهم العربية الفلسطينية وفق أحكام هذا القرار، وبذلك ، ستتحدد هوية الارض التي احتلتها الدولة اليهودية خارج الحدود المرسومة لها في قرار التقسيم ، ولأنها مُحتلة بالكامل الآن( ما عدا قطاع غزة – ٣٦٥ كم مربع ) ، فإن عليهم ، أي على الفلسطينيين ( والعرب ) أن يُطالبوا اسرائيل بالجلاء عن كامل الاراضي الفلسطينية – التي احتلتها – والمخصصة في قرار التقسيم لإقامة الدولة العربية الفلسطينية . وان يُطالبوا كذلك بحق من تم تهجيره ، وأحفادهم وذريتهم بالعودة الى بلداتهم ومدنهم وقُراهم وبواديهم .

وينطبق هذا المَنطق كذلك على منطقة القدس وبيت لحم ، التي خُصِّصَت في قرار التقسيم لتكون تحت حكم دولي الى فترة انتقالية ، وكان عدد سكانها ١٠٥ الف عربي فلسطيني و ١٠٠ ألف يهودي .

والمَنطق اعلاه، ينطبق أيضاً على سكان منطقة القدس وبيت لحم العرب الفلسطينيين الذين غادروها طوعا او كُرْها في الأعوام ١٩٤٨ و ١٩٤٩ وبعد هذا التاريخ .

القضية هنا ، -أي فيما يتعلق بقضية القدس وبيت لحم – يجب التعامل معها بخطاب وطني وسياسي مختلف .

المشكلة الكبرى ، في نظري ، أن منظمة التحرير قد اعترفت في العام ١٩٨٨ وبعده بالقرارين ٢٤٢ و ٣٣٨ ، مع أنهما لم يُخاطبا سكان فلسطين العرب واليهود- الذين خاطبهم القرار ١٨١ – ولَم تعترف منظمة التحرير – ولا الدول العربية – حتى تاريخه بالقرار ١٨١ – مع انه هو الوحيد الذي خاطب سكان فلسطين العرب الفلسطينيين واليهود – ، ولَم تُطالِب بوضعه موضع التطبيق .

في ظل الظروف القائمة فلسطينياً الآن ، علينا ، في نظري ، وبادىء ذي بدء ، ان نعيد صياغة استراتيجيتنا ، وان نضع استراتيجية نضال وطني جديدة تقوم من جهة على الاعتراف بقرار التقسيم رقم ١٨١ بصورة رسمية وشعبية ، واعتباره يحدد حقوق شعب فلسطين العربي في كل قسم من ارضه التي قسمها القرار – ومن جهة اخرى ، الدعوة لإقامة الدولة الديمقراطية الواحدة لكل سكان فلسطين اللاعنصريين واللاصهيونيين لحل المسألتين العربية الفلسطينية واليهودية اللاصهيونية .

على ذلك ، فإن حق العودة ، في نظري محفوظ ضمنا وصراحة لمواطني فلسطين حسب أحكام القرار ١٨١ – وقد أكد عليه القرار الأُممي ١٩٤ –

مع تحياتي

هذا هو رأيي

هايدلبيرغ

عبد الرحمن البيطار”