Menu Close

في نفق الـ MRI …إبحار مع إدوارد سعيد …!

يومية الثلاثاء الموافق ١٠ أيلول ٢٠١٩

السيارة التي أقلتنا الى عِيادة الأورثوبيدك التابعة لمستشفى جامعة هايدلبيرغ والكائنة خارج هايدلبيرغ على بعد عشرة دَقائق أو أكثر كانت عابقة برائحة الثوم من السائق التي يقودها .

لم يكن أمامنا خيارات كثيرة لتغيير السيارة ، فقد كان الموعد مع التصوير بتقنية الـ (إم . آر . آي) ” MRI” قد إقترب كثيراً .

تحملنا الوضع بعد أن أسْمعتُ السائق إحتجاجي على رائحة سيارته ، وتفاجئت حين قال لي أن ما أشمه هو بقايا رائحة الثوم من ليلة الأمس….!

السائق باكستاني الأصل ، ويبدو أنه يعشق الثوم ولا يستطيع مقاومته.

لحسن حظنا ، فقد تفهمت إشارات المُرور العشرة على الطريق حجم معاناتنا ، وقررت أن تتحول للون الأخضر عند كل مرة كانت السيارة تقترب منها .

بعد أن أنهينا المعاملات الورقية ، ذَهبنا الى قسم التصوير بتقنية الـ إم . آر . آي ، وهناك استقبلتنا ، أنا وهِبة مُمرضة ، وزودتنا بلباس أزْرَق ، طَلَبَتْ مِنّي إرتداءه، ونموذج إستعلامات علينا تعبئته.

إشتركتُ مع هِبَة في تعبئة النموذج والإجابة على أسئلته المُستفيضة . وجاءت المُمرضة ، وكان تركيزها حول ما إذا كنتُ قد تَعَرَّضتُ مؤخراً للتصوير بواسطة تقنية الـ إم آر آي، وما إذا كنتُ قد أحسستُ إحساسا بحرارة زائدة في منطقة المفصل المعدني المَزروع في مفصل وركي الأيسر خلال خضوعي للتصوير بهذه التقنية.

أخبرتها أنّي فعلاً قد مَرَرتُ بتجربة حديثة مع تقنية الـ إم آر آي ، ولكني لم أشعر خلالها بحرارة في منطقة المفصل المعدني.

على أي حال ، قالت لي أنها ستزودني بجرس يمكن أن أضغط عليه في حال أني شَعرتُ بشيء غير عادي أو يستدعي إيقاف التصوير.

وبعد أن وقَّعتُ على النموذج ، طَلَبَتْ من هِبَه التوقيع عليه أيضا بصفتها شاركت في الترجمة ونقل المعلومات وكونها شاهداً كذلك .

بَعْدَها ، قادتني الى الغُرفة حِيث يَرْقد جهاز التصوير .

طَلَبَ الفني مِنّي أن أرقد على ظَهري ، وَوَضَعَ مَخَدّة تحت رأسي ، الذي كان باتجاه نَفَق جهاز التصوير. ووضع مَخَدّة أُخرى تحت رُكْبَتَيّ . وزَوَّدني بسدادّتين لأضعهما في أُذناي لأَصُمّ بهما سَمْعي ، من الأصوات التي سيُصْدِرها الجهاز ،وقال لي :

الرِّحلة ستستمر نحو ٢٠ او ٢٢ دقيقة .

أتمنى لك السلامة .

وابتدأ التصوير ،… تحرك السَّرير بي أو النَّفَق، لا أعرف ،… وفجأة ، إندلعت أصوات عالية جدا ، بترددات مختلفة ، مرة على شكل زئير ، ومرة صفير ، ومرة صوت عجلات قطار تتحرك على السكة المعدنية ، ومرة صراخ ، وعويل ، ونقير ، وحفيف ، وفحيح …. وخلال رحلتي ، كنت اتساءل : لم كل هذا الضجيج والعويل والصراخ ،… ثم ، قُلتُ لنفسي ، هي عِشرون دقيقة ، تَحَمّلها يا عبد ، وحاوِل أنْ تُلهي نفسك بأي شيء…!

لا أعرف لِمَ جاء على بالي إدوارد سعيد . ربما لأني أقرأ كتابه : ” مسألة فلسطين ” الذي كَتَبه في أواخر عقد السبعينيات ونشره في عام ١٩٨١،… وربما لأني أكتب ، في هذه الأيام ، عن المقدمة المُهِمّة جداً التي كتبها إدوارد لطبعة كتابه لعام ١٩٩٢ .

تَفَكَّرتُ بإدوارد ، خلال رحلتي وأنا في نَفَق الجهاز ، وأبْحَرْت معه في ذلك الجزء من رحلته الذي امتد ما بين عامي ١٩٧٧ و ٢٠٠٣ عندما تمكن منه سرطان الدَّم ( اللوكيميا) وأجهز عليه ، في تآمر سافر بين هذا المَرَض الخبيث والبغيض، والصهيونية العنصرية ، ضد مفكر فلسطيني ، عربي ، تقدمي ، إنساني .

، وأنا في النَّفَق ، أثار اهتمامي محطتين في حياة إدوارد:

المحطة الاولى ، وكانت في العام ١٩٧٧ ، عندما أصبح إدوارد سعيد عضواً في المجلس الوطني الفلسطيني ، وحاول إقناع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بأهمية الجاليات الفلسطينية المنتشرة في أنحاء العالم.

هو أراد أن يقول للقيادة الفلسطينية أن شعبها هو طير عُشّه في فلسطين ، وجِسْمه هُناك ، وله جناحان ، أحدهما في فلسطين يُرَفْرِف في سماءها ، والآخر في سماوات الشتات ، القريب والبعيد.

ويرى إدوارد، أن عودة الطير بجناحيه الى موطنه ، تستدعي تضافر وتناغم حركة الجناحين ، وبدونها ، سيبقى الطير كسير الجناح ، وسيطول وقت العودة الى العش.

لم بنجح إدوارد ، في أسْر إنتباه القيادة الفلسطينية لأهمية فلسطينيي الشتاتين : القريب ( في بلدان الشّتات العربي)، والبعيد ( في بلدان الشّتات في العالم ).

والمحطة الثانية ، في العام ١٩٩١ عندما استقال إدوارد سعيد من عضويته في المجلس الوطني الفلسطيني بسبب معارضته الشديدة لياسر عرفات ، وانتقاده لسياساته ، وَفَرْدانيته، وأسلوبه في القيادة والحكم.

الا أن إستقالة إدوارد ، لَمْ تَمنعه من مواصلة النضال. فقد بدأ منذ العام ١٩٩٤ يطالب باستقالة عرفات الذي وصفه بِأنه مُقْدِم ، بتوقيع اتفاقيات أوسلو ، على ما أقدم عليه المارشال هنري بيتان الفرنسي الذي تعاون مع الألمان المُحتَلّين لفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية.

إعتبر إدوارد سعيد أن عرفات وافق، من خلال إتفاقيات اوسلو “١٩٩٣”، على التبرؤ من التاريخ الفلسطيني، وقد وصف هذه الاتفاقيات بأنها “اداة إستسلام العرب” في وجه الدولة العبرية والولايات المتحدة، وبالتالي ،إتخذ إدوارد موقفا معارضاً لسياسات سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية التي أسستها تلك الاتفاقيات .وقد ناضل إدوارد سعيد من اجل انشاء دولة فلسطينية ديمقراطية سيّدة يعيش فيها شعبان متشابكان ، وكان يقول أن الفلسطينيين و”الاسرائيليين” يعيشون “في دولة مزدوجة الجنسية بحكم الأمر الواقع، الى جانب التمييز العنصري ” المُستَفْحِل فيها، وكان يَرى أن في حياتهما معاً على أرض فلسطين بشكل ديمقراطي ، متحررين من عنصرية المشروع الصهيوني ، ومن شروره ، يكمن الحل الديمقراطي الإنساني لمسألة فلسطين بِبُعْديها العربي الفلسطيني ، واليهودي.

كنتُ لا أزال في نَفَق جهاز الـ إم . آر . آي ، عندما فَكّرتُ في إدوارد ، وهو يتجرأ، ويرمي إستقالته في وجه عرفات في العام ١٩٩١ ، مُحَذراً إياه باستقالته هذه ،- وهي أبلغ طريقة يمكن أن يُقْدِم عليها مثقف عملاق ، كأدوارد-، من المُضِي في طريق أوسلو الكارثي .

كان ذلك قبل إقدام عرفات على توقيع اتفاقيات اوسلو المشؤومة في العام ١٩٩٣.

رَأيتُ في الزئير والصفير الذي سَمِعْته في تلك اللحظة من رِحٍلتي داخل نَفَق الجهاز ، وكأنه ، زئير وصافرة إدوارد ، وصُراخه في وجه عرفات ، مُحتجاً على ما كان يَرى في ذلك الوقت أن فردانية عرفات ، مُقْدِمَةٌ عليه ،…

نعم، إمتلك المثقف والمفكر والفيلسوف الفلسطيني إدوارد سعيد الجرأة الأدبية والأخلاقية والوطنية والسياسية لمواجهة طُغيان قائد الثورة الفلسطينية منذ العام ١٩٦٧ ؛ ياسر عرفات ، وسَطوته ، وهو القائد الذي تمكن من إمتلاك السّطوة والتفرد على الصعيد الفلسطيني ، وإمتلك الوزن ، وتحول الى رمز للنضال الوطني الفلسطيني ، على الصعيد العربي، والإسلامي وعلى صعيد دول عدم الإنحياز ، وحركات التحرر العالمية ، وكذلك على الصعيد الدولي ، أقول ، إمتلك إدوارد الجرأة ، وقدم إستقالته من المجلس الوطني الفلسطيني ، وأعلن عن معارضته لرؤية ياسر عرفات ولسياساته التي جسدها بقبوله التوقيع على اتفاقيات أوسلو الكارثية .

وبالتالي ، لم يعرف إدوارد سعيد، أنه ، باستقالته تلك ، وبوزنه المعنوي والأخلاقي والفكري والسياسي ، يكون قد قد رمى ،في تلك اللحظة التاريخية بالتحديد ، شِباك الخلاص للشعب العربي الفلسطيني للصّيد خارج المياه الضّحلة التي اختار عرفات الصيد فيها ، وهو أيضا برؤيته ومنهجه ، يكون قد منح شعبنا ، ويهود فلسطين والعالم، غير الصهيونيين واللاعنصريين، فرصة بديلة للعمل والتوصل الى حل لمسألة فلسطين؛ الفلسطينية العربية ، واليهودية ، بأفق وطني سياسي إنساني خارج الرؤيتان المحبوستان في داخل الصندوق الفلسطيني العرفاتي الرسمي ، وكذلك في زنزانة الصندوق الصهيوني الاستعماري العُنصري.

لقد توفي إدوارد سعيد في الخامس والعشرين من ايلول ـ ٢٠٠٣ بعد صراع طويل مع مرض سرطان الدم ـ لوكيميا ـ الذي أصابه من عشر سنوات ، لكن رُؤيته ومنهج تفكيره لا زالا يعيشان معنا، ويقدمان لنا مساهمته في وصفة الخروج من المأزقين : العربي الفلسطيني، واليهودي في فلسطين.

وسيكون لي قريباً مع مقدمة طبعة كتابه “مسألة فلسطين ” لعام ١٩٩١، أكثر من جولة.

(إستكملتُ هذه اليومية في – ١١ أيلول ٢٠١٩/ هايدلبيرغ )

عبد الرحمن البيطار

8 Comments

  1. ملهم النجار

    الثوم وما ادراك ما الثوم …. الواقع بالاضافة الى طعمه الرائع هناك فوائد جمه لمتناوله باعتدال وبغير ذلك يصاب بالتسمم لأحتواء الثوم على الكبريت هذا بالاضافة الى الروائح المنبعثة كثمن يدفعه ويعاني منه من قَرِب والتى بالغالب أو دائما تكون قاتله . هذا ينطبق على نفق ام. أر. اَي. الذي آمل ان لا تتعود عليه ويعجبك بحيث تتناغم مع الأصوات وتنسى تأثيرها على المحيط حواليك ، وتنشط وتشطح سياسيا ، وتعتبره من الحوافز الإيجابية للإنتاج المعرفي
    تمنياتي لك بالسلامه
    ملهم النجار

  2. بشار مجيد غنما

    هلا بالعزيز مهندس عبد الرحمن تحياتي ، لا شك انني اسعد دوماً لقراءة كتاباتك و منذ فترة انشغلت مع احد الاقارب يتعالج و يحتاج أحدنا بجواره و لذلك لم اشارك بالتعليقات منذ فترة ، اولا الف حمدالله على سلامتك و بعون الله عودتك السالمة مضمونة من الله،،، فقط اريد أن أقول إن رأيك و رأي الاستاذ القدير د . ادوارد سعيد واقعيين و فيهما أحساس وطني واضح لخاطر القضية الفلسطينية قضيتنا الاولى نحن العرب لكني اريد أن أذكر أن المرحوم ياسر عرفات ، رغم ادراكي لأخطائه مثل الزلة التي وقع فيها هو و أطراف أخرى في أيلول ١٩٧٠ و التي تسببت بضرر للعلاقات و المشاعر العربية و مستقبل القضية و اخطاء أخرى وقع فيها هو و كثير من القادة العرب و التي اظن انها ايضا آذت الأوضاع ، إلا أنني أظل أقدر الصعوبات التي مر بها المرحوم و المؤامرات التي حيكت ضد القضية و الدسائس التي تمنهجت من قبل الأعداء و ايضا من قبل بعض العرب ، لقد مر المرحوم باوضاع من أشد ما مر به أي قائد أن كان عربيا أو أجنبيا، لم تكن المساعدات العربية للقضية الفلسطينية هامة أو مؤثرة و لم يخلص معظم العرب
    للقضية و ها نحن الآن نشاهد تحرك معظم العرب للصداقة مع العدو اكثر من التقارب مع الأشقاء العرب ، أن المسؤولية في الاتفاقيات و المعاهدات و الخطط التي تم توقيعها من قبل عرفات ليست مسؤولية هذا الإنسان لوحده، انها مسؤولية العرب الذين دفعوه و ربما أجبروه عليها أما مباشرة و أما لاضطراره لفعل ذلك ، أن تاريخ نضال المرحوم يشفع له بما حصل ، و هذا يذكرني بما يقوله و ينتقده بعض الناس هذه الأيام عن المرحومين الرئيس الخالد جمال عبد الناصر و الشهيد المهيب صدام حسين و الملك الحكيم الحسين بن طلال ، جميعهم حاولوا العمل بأمانة و إخلاص و وفاء لشعوبهم و للوطن العربي كله، إلا ان التآمر الأجنبي و الخيانات العربية تسببت بفشل كثير من الطموحات و الخطط و الإنجازات بل إن بعض المصائب مثل حرب ١٩٦٧ كانت كارثية كبرى ، فهل يجب أن نظلم القائد المخلص الذي أنجز عشرات المهام الكبرى ، تأميم قناة السويس و خلق هيبة للعرب
    ، نشر التعليم المجاني في المدارس و الجامعات، خلق الصناعات الثقيلة ، توزيع الاراضي على المواطنين و تحويلهم من عبيد للاقطاعيين الى اصحاب اراضي متمسكين بارضهم ، تقوية و تطوير الجيش ( ماعدا رئيس الجيش عبد الحكيم عامر و أعوانه ) و مساعدة دول عربية لتتحرر مثل الجزائر … ، ليرحم الله من قضى نحبه و حاول خلال حياته أن ينجز ما تمناه ، لكنه وقع في مكائد العدو اللئيم و القوي ،، للحديث بقية و تسلم تسلم أخي الكبير عبد الرحمن

    • admin

      أنا معك في وجهة النظر ،.. ولكن الأخطاء( ولا نقول خيانات او جَرائِم) لها ثمن باهظ يا صديقي ….

  3. صالح عبد الهادي

    اهنئك على هذا الأسلوب بالكتابه وارجو ان تستمر لتوضيح الصوره.كما وارجو لك الشفاء

Comments are closed.