يومية الخميس الموافق ١٢ أيلول ٢٠١٩
أنهينا قبل قليل موعدنا مع دكتور العظام المتخصص في العَمود الفقري ومشاكله.
بعد فحص نتائج صور الـ MRI ، استبعد الدكتور بحزم ان تكون الأوجاع لدي في عضلة الساق السلفية الخارجية ناتجة عن ديسك أو ضغط على nerve يمر بين فقرتين سفليتين او أي شيء من هذا القبيل .
وبعد أن قام بفحصي وفحص حركاتي المختلفة ، ومدى المرونة ، في المفصل ،… أخبرني أن المشكلة لا علاقة لها بالعمود الفقري ،… وقد يكون لها علاقة بالمفصل الصناعي المُرَكّب في مفصل الورك الأيمن .
وبعد أن اتصل بالدكتور المُختص بمفصل الوِرْك والذي فحصني يوم الخميس الماضي( دكتور موري) ، أكد له الدكتور موري أنه ونتيجة فحصه لي ، وصور الـ Xray التي أُخِذَت لمفصل الورك ، فإن الوَجع لاعلاقة له بالمفصل كمفصل ،.. وأنه قد تنشأ حاجة لعمل صورة طبقية CT Scan ، للتأكد بصورة قاطعة أن لا وجود لـ loosening في المفصل الصناعي المركب منذ عام ١٩٧٩.
بعد إستبعاد أن يكون هناك مشكلة في فقرات العَمود الفقري ، والأعصاب التي تمر عبر الفقرات أو من خلالها ، وأن لا مشكلة في المفصل كمفصل ،…
ماذا بَقِيَ ؟
قال الدكتور المُختص بمشاكل العَمود الفقري أنه يرغب في الإستعانة برأي ؛ رئيسة قسم الفيزيوثيرابي ” باتينه ” ، قبل أن يُقَرّر عن الخطوة التالية .
إتصل بها . جاءت ، شرح لها الموقف .
أخذتني مع مُنى وهِبَه الى المنطقة المسؤوله عنها .
طَلبت مِنّي ان أخلع البنطلون والقميص.
شَرَحت لها كيف يأتي الأَلَم ومتى أشعر به، وكيف يتطور .
طَلبت مِنّي الإستلقاء على طاولة الفَحْص.
فَحَصتني بدقة وبتفصيل مُمِل . في وضعية الإستلقاء على البطن ، وعلى الظُّهر ، ووقوفا ، مع تحريك القدمين في كل الاتجاهات ، ومشياً على رُؤوس أصابع القدمين وعلى الكعب وبشكل عادي .
فحصت كل حركة من حركات مفصلي الوركين . وانتبهت الى أن عضلة الفخذ حول المفصل الصناعي ذات حجم يقل عن حجم العضلة عند المفصل الطبيعي .
وبعد تقييم تفصيلي ، قالت ؛
انها تعتقد أن المشكله ليست في الفقرات ولا بالمفصل ، لكن بالعضلات بسبب المفصل الصناعي ، وطبيعة الحركات والأوضاع التي يتخذها جسدي أثناء ممارستي لحياتي الطبيعية ، وطبيعة عملي وحياتي ، وأن الأمر يحتاج لتصميم تمارين معينة ، للتعامل مع المشكلة التي نشأت وأدت الى ضعف عضلة معينة في منطقة الفخذ من الناحية الخلفية .
بعد أن عرفت أننا لسنا مقيمين في هايدلبيرغ ، وبعد أن تشاوَرَت مع الدكتور الذي ذَهبنا الى عيادته ، قال الدكتور :
أنَّ عليَّ أن أخضع لعلاج فيزيوثيرابي على يد ” باتينه ” وتحت إشرافها لمدة أسبوع وبصورة يومية، لتحديد أي التمارين يجب عَليَّ ممارستها وللتأكد من أنها ستحل المشكلة وأتخلص من الألم الذي احس به .
وحدد موعد لتقييم كل ذلك يوم الخميس القادم .
ستبدأ الجلسات إبتداء من يوم غد الجمعة ، في الحادية عشر صباحاً .
مَنَعني الدكتور من أخذ حُبوب ” أيبو بروفن “.
وصف لي حُبوب أُخرى ، عليَّ أنٌَ أتناولها خلال فترة العلاج .
لذلك ، تُقرر تأجيل عودتي لمدة أسبوع آخر .
كما وعدتكم في اليومية السابقة التي كتبتها في هايدلبيرغ يوم أمس ، فسأتحدث في هذه اليومية عن جزء من القضايا التي أرى أنها في مقام “المسكوت عنها” في استراتيجيات العمل التي تحكم النِّضال الوطني الفلسطيني وعي قضايا طرحها إدوارد سعيد في العام ١٩٩٢ في الـ ” مُقَدِّمة ” المُهِمّة جداً والتي كتبها لطَبْعِة كتابه ” مسألة فلسطين ” .
لا أعرف ، إنْ كانَ كتابَه ” مَسألة فلسطين ” الذي نُشِر في العام ١٩٨١ قد حَظِيَ بالترجمة الى العربية أم لا . وبالتالي ، لا أعرف أيضاً إِنْ كانت مقدمة طبعة كتابه الصادرة في العام ١٩٩١ قد حَظِيَت بالترجمة ام لا.
ولأنّي أرى أن مُقَدِّمة طبعة كتابه لعام ١٩٩١ ، قد جاءت بعد إعلان القيادة الفلسطينية قُبولها بالقرارين ٢٤٢ و ٣٣٨ – وهو قبول لقرارين لم يُخاطبا إطلاقاً ولا حتى بِشَكلٍ ضِمْنِي شَعْبَ فلسطين العربي وقضيته وحقوقه، بل تعامَلا مع إسرائيل من جهة ، ومن جهة أُخرى ؛ الدول العربية التي خاضت حرب حزيران عام ١٩٦٧ (مصر ،والاْردن، و سورية)، وتلك التي خاضت حرب تشرين أول عام ١٩٧٣( مصر وسورية ) ، وذلك فيما يتعلق بالقضايا العالقة بسببهما (الإنسحاب من الأراضٍي المحتلة ، والحدود الآمنه المعترف بها ، واللاجئين خلال تلك الحربين )، وبالتالي ، لم يُعيرا أي إهتمام لدقائق قضية فلسطين ولا لحقوق شعبها العربي ، كما فعل القرار ١٨١ ( وإن كان على نحوٍ جائر) الصادر عن الجمعية العامة للأُمم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني العام ١٩٤٧ مخاطبا سكانها ؛ العرب الفلسطينيين ويهود فلسطين ، والذي قضى بتقسيم فلسطين ، وإقامة ثلاثة كيانات لدول فيها ؛ دولة عربية فلسطينية ، ودولة يهودية ، وحكم دولي لمنطقة القُدس ، وحفظ حقوق سكانها باعتبارهم مواطني كل من الكيانات الثلاثة تلك ،وقسم حق تقرير مَصيرهم في نطاقها ،..الخ ، وجاءت كذلك بعد حرب الخليج ضد العراق في العام ١٩٩١ ، وإطلاق عملية السلام العربي الإسرائيلي في الشرق الاوسط ، والتي أفضت الى التوقيع على اتفاقيات أوسلو ووادي عربة، وإنهيار منظومة العمل العربي الرسمي ضد إسرائيل باٌعتبارها كياناً غاصباً للحقوق الوطنية العربية الفلسطينية، ولأراضٍ عربية سورية ولبنانية ، فإن لهذه المُقَدِّمة أهمية بالغة ، تقدم فهماً ناضجاً للقضية الفلسطينية في وضعها الذي نجم عن تلك التطورات ،وقدم مساهمة قيمة لتطوير رؤية شاملة وعميقة بأبعاد فلسطينية ويهودية ، وعربية واقليمية ودولية ، لمسألة فلسطين في مرحلتها الراهنة ، بِبُعْديها الفلسطيني العربي، واليهودي .
تتكون مقدمة إدوارد سعيد من الفصول التالية :
إستهلال من صفحة ونصف .
فصل أول بعنوان :
Paradox and Irony : The PlO and Its Enviroment
فصل ثاني بعنوان :
التغييرات والتحولات
Changes and Transformations
فصل ثالث بعنوان
الفلسطينيون والخطاب الغربي
The Palestinians and Western Discourse
فصل رابع بعنوان
العلاقات الأمريكية الفلسطينية
U.S. – Palestinian Relations
فصل أخير خامس بعنون
في معرض التقييم
By Way of Assessment.
كتب إدوارد سعيد كتابه خلال عامي ١٩٧٧ و ١٩٧٨. وهو يقول انه ومنذ أن نشر كتابه في العام ١٩٧٩، وحتى تاريخ كتابته لمقدمة طبعة العام١٩٩٢ ، فقد كان قد حصل العدوان الإسرائيلي على لبنان في العام ١٩٨٢، واندلعت الإنتفاضة الفلسطينية الكبرى في العام ١٩٨٧ والتي كانت ما زالت متأججة عندما كتب مقدمة طبعة العام ١٩٩٢، وشَهِدَت المنطقة خلال تلك الفترة أيضاً أزمة الخليج وحرب عامي ١٩٩٠ و١٩٩١، وانعقاد مؤتمر الشرق الاوسط للسلام في تشرين الاول والثاني من عام ١٩٩١. وشهد العالم كذلك التغيرات الجوهرية التي عصفت ببلدان أوروبا الشرقية وانحلال عقد الاتحاد السوڤييتي، كما شَهِدَت الفترة تلك نيل المناضل نلسون مانديلا الحرية ، وحصول ناميبيا على استقلالها ، وانقضاء الحرب في أفغانستان ، وشهد إقليم الشرق الاوسط نجاح الثورة الإيرانية .
يصف إدوارد سعيد هذه الأحداث بأنها كانت هائلة ، وذات مفاعيل كبيرة على العالم بأسره ، وأنها أفضت الى عالم لايقل تعقيداً ولا اضطراباً عن ذلك الذي مضى ، لكن ، مع ذلك وبالرغم من كل ذلك ، فإن مسألة فلسطين ، كانت حتى ذلك الوقت قد بَقِيَت غير محلولة ، وانه وكما يبدو له ، فقد بَقِيَت على صعوبتها متعذرة الحل وغير مطروقة .
يقول إدوارد سعيد أنه بعد مرور عقدين من أحداث أيلول عام ١٩٧٠، فإن الملامح الأساسية لحياة الفلسطينيين بَقِيَت مطبوعة بتجريد الفلسطيني من ممتلكاته ، بنفيه الى خارج وطنه، بتشتيته في بلدان العالم ، وبحرمانه من حق المواطنة في وطنه(تحت الإحتلال العسكري الاسرائيلي) . ويقول أن ذلك بقي متلازماً مع مقاومة وطنية فلسطينية هي بالتأكيد غير عادية، وواسعة ، وعنيدة، لجميع هذه المظالم والمآسي التي حَلّت به . ويبدو أن فقدان آلآف الأرواح من الفلسطينيين ، وتحطم حياة مئات الألوف منهم على نحو لا يمكن ترميمه ، فإن كل ذلك لم ينجح في إضعاف روح استمرار قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على المقاومة ، وهي حركة ، مع انها تمظهرت في نجاحها في تحقيق مكاسب كثيرة للفلسطينيين من حيث انتزاع شرعية وجودهم الوطني والسياسي ، وتمكنها من إبقاء الفلسطينيين وقضيتهم مرئية على المسرح الدولي ، ومن مد شعبها بكل وسائل الصمود في وجه مصاعب وتحديات غير عادية ، فإنها لم تتمكن بعد من اكتشاف الوسائل اللازمة لإيقاف أو إحتواء المحاولات الاسرائيلية التي لم تعرف الكَلَل عن السيطرة على المزيد والمزيد من أراضي الفلسطينيين والأراضي العربية . لكن التباين فيما بين المكاسب السياسية والمعنوية والثقافية المُهِمّة التي حققها الفلسطينيون من جهة ، وفيما بين حالة الإغتراب عن الارض التي أصبحت لحنا مملا ثقيلاً مستمراً في حياتهم من جهة أُخرى ، هو أمرٌ يحتل في الوقت الراهن موقعاً أساسياً في قلب المأساة الفلسطينية. أما أن نتحدث عن هذا التباين ، بتعبيرات جمالية ، كما بقول إدوارد سعيد ، ولكن على نحو ساخر ، فإنَّ ذلك يأت من باب العمل على تقليل او تسفيه شدة وقع هذه المُفارقة . فعلى عكس ذلك ، فإن ما يراه فلسطينيون كثيرون على انه إما قسوة عسيرة على الفَهم لفعل الأقدار بهم أو أنه معيار لمدى الصعوبة التي تكمن في الآفاق المتعلقة بتسوية مطالبهم ، فإن ذلك يمكن ان يتوضح في رؤية تلك المفارقة على أنها عامل تكويني في حيواتهم كمجوعة وأفراد .
في يومية الغد ، سأتناول الفصل الثاني من المُقدمة .
هايدلبيرغ
عبد الرحمن البيطار – يوم الخميس ١٢ ايلول ٢٠١٩