Menu Close

مع غانية ملحيس وتحديد طبيعة الصراع …!

يومية يوم السبت ١٤ أيلول ٢٠١٩.

هذا الصّباح ، إستلمتُ رِسالة عَلَّقت فيها المُفَكِّرة والباحِثة والكاتبة المرموقة “غانية ملحيس” ، على يومية الجمعة ١٣ أيلول ٢٠١٩، ونظراً لقيمة التعليق ، وأهميته ،فقد قَرَّرت ان أقتطف منها الفقرات التالية، وأِشرككم معي فيها :

“………..

….كَما قُلْتَ في يومياتك ، التّشخيص مُهِم، وهو نصف العلاج فهذا صحيح ١٠٠٪؜

ومن تَجْرُبَتي، تَعَلّمتُ أن الإعتراف بالمشكلة ،وإدارة تداعياتها بأفضل السُّبل المُتاحة هو النصف الاخر للعلاج

وبمحاكاة أسلوبك الشيق في إسقاط ذلك على الحالة السياسية في بلادنا

فإنَّ الإقرار بِدايةً بالهزيمة التي ألحقتها الغزوة الإستعمارية الإستيطانية الصهيونية بِنَا / بمَعنى الإعتراف بها، وليس الإستسلام لها ، والقبول بها /شَرْطٌ أساسيٌ للنّهوض .

وأنَّ الوَعْيَ بأسبابها، وتقدير حَجمها ، وتَداعياتها بدِقّة ووُضوح يُشَكِّل أولى خطوات التأهب للنهوض.

وأنَّ تحديد طبيعة الصِّراع مع المشروع الصهيوني بمثابة التشخيص الذي يُشَكِّل نصف العلاج، لأن التوافق على ذلك وطنياً وقومياً يُسَهِّل الإتفاق على الخَيَارات المُمْكِنة لحَسْمه ، في ضوء التجارب المُشابِهة التي عَرَفها التاريخ البشري المُدَوَّن .

ويُمَكِّن من بَلوَرة الرؤية النهضوية والمَشروع التّحرري النقيض للمشروع الصهيوني القادر على توفير موجبات الإنتصار / الذاتية والموضوعية / ، والمدى الزمني الذي يحتاجه بلوغه ، وإدارة الصراع وفقا لبرامج تنفيذية مُجَدْوَلة زمنياً، متتابعة ، للإقتراب من النصر بشكل تدريجي وتراكمي .

وكما المَريض الذي يتعافى دون أن يعود لسابق عهده ، كذلك الوطن الذي نَستهدف تَحريره،لَنْ يكون إستنساخاً لما كان عليه ، وعلى الرؤية النهضوية ، والمَشروع التحرري التعامل الخلاّق مع تداعيات الغَزْوة الإستعمارية الإستيطانية الصهيونية من وقائع ديموغرافية .

والتّعامل الخلّاق لا يعني القبول بالتعايش مع المشروع الصهيوني ومُهادنته بأي شكل / إقتسام الوطن بغض النظر عن نِسَب التقسيم / أو الرُّضوخ لمُماهاة اليهودية / كدين/ يمكن التعايش مع أتباعه / بالصهيونية كعقيدة إستعمارية إستيطانية عُنْصُرِيّة يتوجب هزيمتها.

والتّعامل الخلاّق لا يُهادن الكيان الإستعماري الإستيطاني الصهيوني، بل يسعى لتفكيكه ، ويُتيح الفرصة لمواطنيه اليهود الرّاغبين في مُواصلة العَيْش في مَوْطِنهم الجديد عند تخليهم عن عقيدتهم الإستعمارية الإستيطانية العُنصرية ،والعيش مع أصحاب البلاد الأصليين كمواطنين مُتساوين أمام القانون .

التّعامل الخلّاق قد يَستدعي التفكير بمفهوم الدولة الوطنية / الفلسطينيين المُقيمين ، واللاجئين العائدين من المَنافي / ويَهود إسرائيل حَصرياً، وليس عُموم اليهود المؤهلين للحصول على مُواطنة مُكتسبة، والراغبين بالبقاء في فلسطين بديلاً للدولة القومية.

سَبَقَ وأن كتبت قبل ثلاثة أعوام عِدّة مقالات تتضمن أفكاراً أولية حول الموضوع

آسفة للإطالة

تحياتي لمنى وهبة ،

وآمل أن نلتقي عند عودتكم لعمان.

غانية”

وهذا اليوم ، هو ذكرى ميلاد صديقي وأخي احمد . وقد وجدت نفسي أكتب له هذه الكلمات :

“أحمد ، صَديقاً كُنْتَ ولا زِلْتَ ، وأخاً ولدته أُمّي ، وبالأحرى إسمها ” سلوى”…!

من هايدلبيرغ ، في هذا الصّباح المشمس ، سأطلب من أشعة الشمس الدافئة أن تحمل اليك من مشاعري أحَرَّها ، …

وسأبحث اليوم في هايدلبيرغ عن رُكْنٍ أنزوي فيه ، أَتَفَكَّر بهذه الحياة ،..

قَرَّرتُ أيضا أنْ لا أتغزّل بك وبخِصالِك في عيد ميلادك هذا اليوم ، فقد رَأيتُ أن مُحبيكَ وَهُم كُثْرٌ ، سيُغْدِقون عليكَ في هذا اليوم مَشاعرهم ، وأغلبها يا أحمد تجاهك صادقة،…وأردتُ أن أُمَيِّز نفسي ، وأن أصوم عن كلمات الغَزَل ، وعَنْ رَشْقِكَ بالأُمنيات العَذْبة،… أو بالأحرى أَعْذَبها…

سأحتفل بعيدكَ على طريقتي ،…

ولا تَقُل لي كَيف ،…؟!

فهذا سِرّي

أحلى عيد

هايدلبيرغ – عبد

السبت ١٤ أيلول ٢٠١٩”

لنعد الآن لمقدمة ، إدوارد سعيد التي كتبها ونشرها في طبعة كتابه ” مسألة فلسطين ” في العام ١٩٩٢.

وفي قسم الأول من المُقدمة التي كتبها إدوارد سَعْيد لطبعة كتابه لعام ١٩٩٢، بعنوان “Paradox and Irony : The PLO and Its Enviroment “، يقول أن حرب الخليج ضد العراق في العامين ١٩٩٠/١٩٩١ قد تركت آثاراً سلبية جَسيمة على القضية الفلسطينية ، وعلى الحركة الوطنية الممثلة للشعب العربي الفلسطيني ، وعلى مواقف القوى الفاعلة في مُحيطها المباشر من القضية ذاتها ، ويُسَلِّط إدوارد الضوء في هذا القسم من المُقدمة على الجهود التي بذلها جيمس بيكر ، وزير الخارجية الأمريكي ، وجولاته الثمانية لعواصم البلدان العربية المعنِيّة بالقضية الفلسطينية في فترة الحصاد الأمريكي والصهيوني التي تَلَتْ مُباشرة حرب الخليج ،والتي نَجَح فيها في بلورة الخطوط الرئيسية لمُؤتمر سلام يستهدف التوصل إلى تسوية للصراع العربي الإسرائيلي ، والتي تُشَكِّل المَسألة الفلسطينية المُكَوِّن الأساسي فيه.

وفي هذا الصدد ، يقول أن جيمس بيكر قد سَمِعَ خلال جولاته في العام ١٩٩١/ ١٩٩٢ من كل واحد من كبار المسؤولين في عواصم الدول العربية التي زارَها ، مَوقِفاً مَفاده أنَّ عليه أن لا يتوقع أي تحسين في العلاقات الرسمية الغير موجودة بِدْءاً بين البلدان العربية وإسرائيل ، قبل أن يتم التخاطب مع القضية الفلسطينية على نحو أكثر جدية.

وفِي سِياقِ ذلك ، فإن إدوارد سعيد يُضيىءعلى مُفارَقة مُثيرة ، فهو يقول أنّه وفي ذات الوقت الذي نَقَلَت فيه حكومات الدول العربية التي زارها بيكر موقفها إليه، وذلك من مسألتي الصِّراع العربي الإسرائيلي ، والفلسطيني الإسرائيلي ، فإن إدوارد سَعْيد يقول بأنَّ مَكانة منظمة التحرير الفلسطينية لدى الدول العربية المُشْتَركة في التحالف الذي كانت الولايات المتحدة قد شَكَّلته لشن حرب الخليج ( الحرب على العراق ) ، وهي الدول التي تباحث معها بيكر في مسألة تسوية الصِّراع في الإقليم ، يقول إدوارد ، أن تلك المكانة كانت في حقيقة الأمر تتعرض في تلك الدول للصّد والخُذْلان في أعقاب حرب الخليج تلك ، وأنَّ ذلك قد تَمَظْهَر في اٌزدياد مُعاناة الفلسطينيين في المناطق المحتلة نتيجة تَقَلُّص مُساعدات دول الخليج لهم ، ونتيجة تدهور واٌهتزاز أوضاع الفلسطينيين العاملين فيها . ففي الكويت ، فإن الفلسطينيين الذين كانوا يَعيشون فيها ، فقد وَجَدوا أنفسهم نتيجة الحرب يَتَعَرّضون لأنواع شديدة من البلاد والمحن والملاحقات . لقد تَعَرَّض هؤلاء ، وأولئك الفلسطينيين المُعالين من قِبَلِهم في الأراضي المُحْتَلّة لخَسائر ماديّة غير قابلة للقياس بسبب حرب الخليج . أَضِف إلى ذلك ، أنَّ السُّلطات الكويتية في ذلك الوقت كانت قد أعلَنتْ عن مَنْعِها للفلسطينيين الذين كانوا مُقيمين فيها والذين اٌضطروا لتركها إبان الإحتلال العراقي لها من العَوْدة إليها، وبالتالي فقد وَجَدَ هؤلاء أنفسهم مُضطرون للبقاء في الاْردن الذي كان إقتصاده يَنوءُ بحَدِّ ذاته بفعل تلك التطورات بأعباءٍ لا قِبَلَ له بها . كما تَعَرَّض من بَقِيَ من الفلسطينيين في الكويت إلى أعمال إضطهاد ومُلاحَقة .

لذلك وكنتيجة لتلك التطورات ، فإن مَرْكَزِيّة القضية الفلسطينية في الخِطاب الرَّسمي العربي ومكانتها المعنوية المؤكدة في صُلْب ذلك الخِطاب قد تعرضت للأذى بسبب ذلك التّعارض في العلاقة الذي نَشَأَ فيما بين الفلسطينيين الذين ظَهَروا كشعب حقيقي ، وكمجتمع سياسي ، وكأُمّة من جِهة ، وبين الدول العربية من جهة أُخرى.

يأخذنا هذا التّعارض على وجه الخصوص الى الوراء الى العام ١٩٦٧، حين إستمد بروز الحركة الفلسطينية بعد حرب حزيران ١٩٦٧ وَقودَه من الرَّغبة ( لدى الشعوب العربية ) بالتعويض عن الآداء المُخْزي للجيوش العربية خلال الحرب مع إسرائيل . ومن المُهِم هنا الإدراك أنَّ العلاقة ذات الطابع الحَرِج ، ورُبّما الجاف فيما بين النشاط الفلسطيني في ذلك الوقت وبين نظام الحكم العربي، قد آلت لأن تكون ذا طبيعة بنيوية وليس عَرَضِيّة .

ومع نُهوض منظمة التحرير الفلسطينية في أواخر عقد الستينيات من القرن الماضي ، فقد حَضَرَ بحُضورِها في ذلك الوقت أَشياء مُسْتَجَدّة مثل الجُرْأة في الإفصاح والتعبير ، وعَوْلمة غير عادية الطابع ( ثورية ) إحتلت فيها شَخصيات مثل “فانون” ، و “ماو” ، و”چيفارا” عالم المُصْطَلحات السياسية العربية ، هذا مع شُعور بالغَطْرَسة ( رُبَّما تَصِل الى درجة التّهَوُّر ) تَمَلَّكَ حركة سياسية ، طَرَحَت نفسها على أنها قادرة على أن تفعل أكثر بكثير من عَدَدٍ من تلك الدول التي تُغْدِق عليها عَطاياها ، ومن أنصارها.

مع ذلك ، فإنه يتعين علينا أنْ لا نُخطِىء في فهم تلك العلاقة البنيوية الحَرِجة بأن نتحدث عنها فقط كعلاقة تضادية .

يَقول إدوارد سعيد ، عِنْدَما نفكر في ذلك النزاع الذي حصل فيما بين الجيش الاردني وجماعات الفدائيين الفلسطينيين في عامي ١٩٧٠- ١٩٧١ ، وفِي المواجهات المختلفة التي حَصَلَتْ فيما بين منظمة التحرير الفلسطينية والجيش اللبناني في بدايات عقد السبعينيات من القرن الماضي أو بمذابح صبرا وشاتيلا المخيفة في العام ١٩٨٢، أو فِي حالة العداء التي كانت قائمة فيما بين منظمة التحرير الفلسطينية ومصر والمملكة العربية السعودية والكويت وكذلك سورية ، في الوقت الذي كان فيه مُنْهَمِكا في كتابة طَبْعة كِتابِه في العام ١٩٩٢ ، فإنَّ التّوترات الضِّمْنِيّة لتلك النزاعات، كما يقول إدوارد ، قد أَخَذَت بالفعل أشكالاً دراماتيكية بغيضة وكريهه .

لكن إدوارد سعيد يقول بأنه ، ومع إستحضار تلك الأحداث ، فإنَّ هناك بُعْداً كُلِّيّا آخر هناك حاجة لاٌستذكاره أيضاً. إنّ جميع الفلسطينيين يَعْرِفون أنَّ الوَسَط الذي يَنتمونَ إليه أساساً، ويُشَكِّل نصيراً لهم هو الوَسَط العربي ، وأنَّ نضالهم يتواجد في بيئة يَطغى عليها العُنْصُر العربي والإسلامي. ولذلك ،فإنّه من الأهمية بمكان في إطار هذه العلاقة الحَرِجة، الإضاءة على ذلك التّعايش والتعاطف فيما بين القضايا العربية والفلسطينية ، وهو ، إطار ٌ يتمظهر على سبيل المثال ، في كَوْن فلسطين قد مَثَّلت رَمْزاً لأفضل ما في هذا الإطار ، من تقاليد التعاون العربي ، ومن الروح والطاقة المؤثرة لهذا التعاون، وأكثره حيوية .

إنَّ العنوان الذي اختاره إدوارد سعيد لهذا القسم من مقدمته، يَعكِس إنحيازات إدوارد لاُختصاصه في الأدب المقارَن ، وفِي فَلسَفة التاريخ . فهُنا ، يستعمل إدوارد اصطلاحية ” البارادوكس ” و الـ ” أيرُوني ” في وَصْفه طبيعة التّناقض والإتفاق ، والتّباين والتّناحر والتّعارض ، من جهة والتّوافق من جهة اخرى ، هذه الطّبيعة الغَريبة والمُتَعَثّر تَفسيرها في بعض الأحيان ، والمُثيرة للسُّخرية في أحيان أُخرى والتي تَحْكُم العلاقة التي نشأت ما بين الحالة الفلسطينية ، وحالة النظام العربي .

هِيَ عَلاقة تَحمل في أحشاءها التّضاد والتَوافق . وفِي هذا يقول إدوارد أن منظمة التحرير الفلسطينية في مَرْحلة ما بعد الشقيري ، والتي هَيْمَن عليها ياسر عرفات لعَقدين مُتكاملين قد رَأَت نفسها عروبية بالمنظور الناصري . لكنها ، وفِي وقت مبكر ، فإنَّ المُنَظّمة أَقْحَمَتْ نَفْسها فيما لا يقل عن ثلاثة ، وربما أربعة أو خمسة من دوائر التأثير ، أو العَوالم ، داخل الإقليم وعلى المستوى الدولي ، ليسوا جميعاً في حالة إنسجام بعضها مع بعض ، كما أنها غير مُتشابهه كذلك.

الدائرة الاولى ، كما حددها إدوارد سعيد في مُقَدِّمَته، هي ما أسماها دائرة الخليج الفارسي ، والتي كانت مُنذ العام ١٩٤٨ مَرْكَزِيّة في مَسيرة الفلسطينيين الإقتصادية والسُّكانية (الديموغرافية) . لقد حَمَلت هذه الدائرة عدداً من حكام دول الخليج ، ذوي الرؤية السياسية المُحافِظة للتقارب مع مُنَظّمة التحرير لمدىً إمتدَّ لسنين ، ولكنّه لَمْ يَقْتَصِر على ذلك فقط ، ولكنه حَمَل معه أيضا عامِلين آخرين ، سَبَغَ كل منهما سِمَة (أيديولوجية) ذات مَعنى : المال ، والإسلام السُّنّي.

الدائرة الثانية ، وقد ربطها إدوارد سعيد بثورة عام ١٩٧٩ الإيرانية ، والرابطة الفورية التي تَكَوَّنَت بين نظام الخميني ومنظمة التحرير . لقد جَلَبَتْ هذه الثورة لفلسطين دَعْم دَولة مُهِمّة من الفرع غير العربي الإسلامي الشِّيعي ، وهو فِرْع كان له إنعكاسات شديدة على أطراف تحمل عُضوية منظمة التحرير .

الدائرة الثالثة ، وقد عَرّفها إدوارد سعيد بالرّابطة العُضْوِيّة التي تَجمع النِّضال الفلسطيني بمعظم حركات المعارضة التقدمية في العالم العربي ، إبتداءً من الماركسيين المصريين ، والناصريين ، والمجموعات الإسلامية، إنتهاءً بأحزاب متنوعة كبيرة وصغيرة الحجم ، مُروراً على شَخصيات وتيارات في منطقة الخليج ، والهلال الخصيب ، وشمال إفريقيا .

الدائرة الرّابعة ، وهي دائرة باهرة مثيرة للإهتمام ، وتتمثل في عالم حركات التحرير والإستقلال . سيأتي اليوم الذي سَيُذكَر فيه تاريخ التّبادل والدّعم الذي حَصَلَ فيما بين منظمة التحرير وحركات مثل المؤتمر الأفريقي الوطني( ANC) ، ومُنظمة شعوب جنوب غرب إفريقيا ( SWAPO) ، والسانديستا ، وكذلك الجماعات الثورية الإيرانية المُناهِضة لشاه إيران ، والذي سيَصِفُ فصلاً باهراً من فُصول نِضالات الشعوب في القرن العشرين ضد الأنماط المتعددة للطُّغيان وفُقدان العَدالة. وفِي هذا يقول إدوارد سعيد أنْ لا عَجَب أنْ يُعلن نلسون مانديلا ، على سبيل المثال، وبصورة علنية أنَّ معارضة الأبارتهايد ، والإلتصاق بالقضية الفلسطينية هما على نحو جوهري عمل واحد ، ولا عجب أيضا أنه ومع نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي ، فإنه لَمْ تُوجَد قضية سياسية تقدمية لم تتماهى مع الحركة الوطنية الفلسطينية .

وفَوْقَ كل ذلك ، وفِي الزّمن الذي حَصَلَ فيه العدوان على لبنان واٌنْدَلَعَتْ فيه الإنتفاضة الفلسطينية (في أواخر العام ١٩٨٧) ، فإن إسرائيل ، كما يقول إدوارد سعيد ، قد فَقَدَت سِياسِيَا تلك المَنْزِلة الرّفيعة التي كانت قد إحتلتها يوماً ما ؛ أما الآن ، أي في الوقت الذي كتب فيه إدوارد مقدمة طبعة كتابه في العام ١٩٩٢ ، فإن فلسطين وشعبها قد أصبح لهم اليد العليا على الصعيد الأخلاقي .

إنَّ النُّقطة حول ذلك الإحتشاد المُحَيِّر لكل تلك التطورات ، لا تَكْمُن في كَوْنِها قد إلتَقَتْ مَعاً على نحو جيد أو سيّء ، ولكنها في كونها قد إلتَقَتْ على الإطلاق ، وذلك في ضُوء تأثير هذا العدد الهائل من القوى المضطربة الكامُنة في جِسْم العلاقات التي تربط الفلسطينيين بعددٍ من الدول العربية .

يَقول إدوارد سعيد ، أنه ما يَزال ، وهو يَتناول مَواضيع كتابه بالتحليل ، يَرى أنَّ رُقَعَاً واسعة من التاريخ الذي تَكَوَّن منذ العام ١٩٧٠ ، يُمْكِن تأويلها كما لو أنها مُسْتَمَدَّة من ظُروف مَأزومة ، لا زال مَفعولها قائماً ، ثم رُكِنَت جانباً مَشفوعة بعَداء صَريح شَديد ، وباٌتهامات مُتضادة ، وَمِنْ ثمَّ عادَت لتعمل من جديد لبعض الوقت .ويُضيف بأنه في مطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي ، فإنَّ العلاقة الاردنية الفلسطينية إتسمت بالتضاد الشديد وذلك مع فقدان عددكبير من الناس لحياتهم وخَسارتهم لممتلكاتهم : وأنه ، ومع مرور عقد او أكثر من الزمان ، ومع إقرارٍ حَذِر ، فقد تحول ذلك العداء الى حالةٍ من الود ، وذلك مع وُصول التفاهم الفلسطيني الاردني الى قدر كاف من التوافق المشترك سمح بانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في عمان في العام ١٩٨٤، ونشوء فِكرة وفد فلسطيني أُردني مُشترك للأمم المتحدة ، وبروز فِكرة الكونفدرالية ، والوفد المشترك لمحادثات السلام في العامين ١٩٩١ – ١٩٩٢.

وبذات القدر ، وإذا لم يكن دوماً مُتسامحاً ، فقد كان الحُضور السوري في الحركة مُتَذَبْذُباً — فقد إنعقد عددٌ من جلسات المجلس الوطني الفلسطيني في دمشق، وفِي الأيام الاولى للحرب الأهلية اللبنانية ، فقد شَهِدَت تلك الايام تَحالُفا عَسكرياً ، ولكن، ومنذ أن آلت الامور لأن تُصبح عَصيبة في مَطلع عقد الثمانينيات من القرن الماضي ، فإن العلاقات مع سورية لم تَسْتَعِد زَخَمَها منذ ذلك الوقت ( أي ، حتى كتابته لمقدمة طبعة كتابه في العام ١٩٩٢) .

ويقول، أنه مع كل من سورية والعراق ، فإنه لم يَسبق أن حصل نزاعٌ مسلح مع أي منهما ، ولكنْ، كان أن تعرضت العلاقات مع كل منهما لصُعود وهُبوط حادّين بين الفينة والأُخرى ، وأنَّ التدهور الأخير قد حصل فيما بين منظمة التحرير والقاهرة ، وذلك لأسباب مختلفة منها تحالف المنظمة مع العراق ، والذي بدأ قبل بعض الوقت من ٢ آب ١٩٩١ ، والذي تصادف مع إنزياح الدعم لعدد من الدول العربية الرئيسية عن فلسطين والذي حصل خلال مُنتصف عقد الثمانينات من القرن الماضي .

أما بخصوص لبنان ، فإن الحِكاية هناك هي بالفعل مُلتوية ، حيث ، أن دُول بديلة مثل إيران أو إسرائيل ، بالإضافة إلى ميليشيات وأحزاب محلية في لبنان ، إما أنهما راقصا الفلسطينيين أو تحاربوا معهم بِهِمّة ونشاط، وهؤلاء الفلسطينيين هم الذين تم إخراجهم من لبنان رسمياً في العام ١٩٨٢، وفِي الوقت الذي كان إدوارد سعيد يكتب فيه هذه المقدمة في العام ١٩٩٢ ، يقول إدوارد ، أن هؤلاء قد عادوا إليها الآن ، هذا مع إستدراك أنهم أَخضعوا أوضاعهم في لبنان لتعديل ليس سَلساً في مرحلة ما بعد إتفاق الطائف ، والتي تولّى فيها الجيش السوري إدارة شؤون لبنان .

إن البيئة العربية المعقدة التي تتسم بحالة شديدة من اللايقين ، ولكن حتماً بالإنخراط ، والتي وصفها إدوارد سعيد في مَنظوره أعلاه ، تُبْرز مَلمَحَين إثنين ، الأول ويتمثل في غياب حليف إستراتيجي للوطنية الفلسطينية في هذه البيئة ، والثاني، وهو إلى حَدٍ ما متماشٍ مع المَلْمَح الأول ويتمثل في الحُضور اليقيني عبر عقود من الزمان لإرادة سياسية فلسطينية مستقلة نسبياً. ويقول إدوارد أنه وبالفعل ، فإن الطريق شديد الوعورة الذي سَلَكته الحركة الوطنية الفلسطينية يَشي بأنَّ البيئة المذكورة قد قَبَضت على هذه الإرادة ، وتمسكت بها . لذا، نرى أنه وفِي مؤتمر قمة الرباط عام ١٩٧٤ الذي إنعقد بعد حرب أوكتوبر مباشرة ، فإنَّ مُنظمة التحرير قد تمَّ تَسميتها على أنها “الممثل الشر عي الوحيد للشعب الفلسطيني “. وكذلك ، فِي المؤتمر الذي عقده المجلس الوطني الفلسطيني في الاْردن في العام ١٩٨٤، بعد المواجهة الفلسطينية مع الجيش السوري في شمال لبنان ، فإن الفِكرة التي تم الترحيب بها ، قد قامت على أن الفلسطينيين تمكنوا هذه المَرّة من عقد مؤتمرهم الوطني بالرغم من قُرْب الدولة السورية ، وسَعي رئيسها ( في ذلك الوقت ) للهيمنة على الإستراتيجية الإقليمية . غير أن أكبر مثال صارخ لممارسة الفلسطينيين لإستقلاليتهم ، فقد تَمَثَّلَ في المؤتمر الذي عقده المحلس الوطني الفلسطيني في الجزائر في العام ١٩٨٨، والتي تم خلاله سن وتشريع لمساومة تاريخية ، رأى الفلسطينيين بموجبها أن نضالهم من اجل حق تقرير المصير يتحقق في فلسطين مُقَسَّمَة ؛ وأعلنوا في الجزائر أيضا فِي نفس الوقت ، قيام دولة فلسطينية توجهها مبادىء تشريعية مُتَنَوِّرة ، عَلمانية بكُلِّيَتِها .

ذلك ما كتبه إدوارد سعيد ،عن الفلسطينيين ومنظمة التحرير ، والعرب ، وبلدانهم ، وتعقد العلاقات التي تربط فيما بين كل من هذه الأطراف فيما يتعلق بفلسطين وقضيتها ، وذلك بعد إجهاض قيام الدولة العربية الفلسطينية في فلسطين او في جزء منها في العام ١٩٤٨ بعد الجلاء البريطاني عن فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨ ، وكذلك ، بعد أن قَرَّر العرب ، مصادرة الهوية العربية الفلسطينية ، وإبقاءها حبيسة قمقم اللجوء ومخيمات اللاجئين ، وفتح اسوق بلدان الخليج العربي لتشغيلهم خارج فلسطين ، لتمكين هؤلاء من مد سبل العيش لمن تم حبسهم في مخيمات اللجوء في الضفة الغربية وفِي البلدان العربية المحيطة بفلسطين ، و هذا الجانب بَقِيَ مسكوتاً عنه في استراتيجيات العمل الوطني الفلسطيني .

لا أريد التعليق على هذا القسم في هذه اليومية ، فقد بلغ طولها حدا يمنعني من تطويلها أكثر .

هايدلبيرغ – عبد الرحمن البيطار

١٤ أيلول ٢٠١٩