يومية الأربعاء الموافق ١٨أيلول ٢٠١٩
بعد ان عُدْتُ من جلسة الفيزيوثيرابي قبل قليل والتي إستهدفت التعامل مع آلآم العضلة الجانبية أسفل الساق اليُسرى ،قَرَّرتُ أن أستأنف تغطية القسم الثاني من القضايا المسكوت عنها في النِّضال الوطني الفلسطيني والتي طَرَحها إدوارد سعيد في العام ١٩٩٢ في الـ ” مُقَدِّمة ” التي كَتَبَها لطَبْعِة كتابه ” مسألة فلسطين ” .
في يومية السبت ١٤ أيلول ٢٠١٩، عَرَضتُ لما تَناوله إدوارد سعيد في مقدمته ، عن طبيعة العلاقات العربية الفلسطينية التي نَشَئت وتَشَكَّلت وأخذت مَظاهر مُختلفة،خلال الفترة الممتدة بين عامي ١٩٦٧ و ١٩٩١، أي خلال الفترة التي تلت حصول الإنهيار الثاني لجيوش الدول العربية أمام الجيش الإسرائيلي ، وهو الإنهيار الذي حصل خلال برهة زمنية لم تتجاوز العشرين عاماً بعد حُصول الانهيار الأول في العام ١٩٤٨.
عام ١٩٦٧ كان عاماً مَفصلياً في تاريخ الوجود الفلسطيني وإستعادة الهوية العربية الفلسطينية التي كان قد تم تغييبها بالكامل بعد حُصول الإنهيار الأول للجيوش العربية في حرب ١٩٤٨، والذي تكرّس عبر عقد إتفاقيات الهدنة الاربعة ما بين شباط وتموز ١٩٤٩ فيما بين مصر ولبنان والاردن وسورية ، كل على حِدَة ، من جهة ، وإسرائيل من جهة اخرى .
نَعَم، جَرى التغييب الرسمي للفلسطينيين ؛ كحركة سياسية ، وكشعب من شعوب الأمةالعربية، له هوية مستقلة تُمَيِّزه، في العامين ١٩٤٨ و١٩٤٩ وذلك بعد عقد إتفاقيات الهدنة المشار اليها أعلاه بين دول عربية وبين ” إسرائيل ” ، وهي الكيان الوَليد الجديد الذي تشكل بموجب قرار التقسيم رقم ١٨١ الصادر في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧.
قبل العام ١٩٤٨، كان للشعب العربي الفلسطيني هوية ، مَثَلَه مَثَل باقي هويات الشعوب العربية. ومع أنه قرار جائر ، فقد إعترف قرار التقسيم رقم ١٨١ المذكور بالفلسطينيين كشعب عربي له هويته الخاصة، ومَنَحه حق تقرير مَصيره على ثلاثة أجزاء، كل في إطار كيان ِمُسْتَقِل ، ورَبَطَه القرار بالكيانين الآخرين بوِحْدة إقتصادية .
وأحد هذه الكيانات الثلاثة التي قَضى قرار التقسيم بإقامتها في فلسطين ،هو كيان لدولة عربية فلسطينية على ٤٤٪ من مساحة فلسطين، أي على مساحة من فلسطين تَصِل الى نحو ١٢٥٠٠ كيلومتر مربع ، وبسكان من الفلسطينيين العرب بلغ عددهم في ذلك الوقت ، أي في العام ١٩٤٨ (٨٦٠،٠٠٠) نسمة .
في العام ١٩٤٨، بعد إعلان تأسيس دولة ” إسرائيل ” في ١٤ أيار ١٩٤٨ وفق أحكام قرار التقسيم ، وفِي المساحة التي خصصها القرار لإقامة كيان تلك الدولة فقط ( أي على ٥٥٪ من مساحة فلسطين) ، فقد مارَس جزء من سكان ذلك الجزء من فلسطين -من المُكَوِّن اليهودي (أي حوالي ٦٠٠،٠٠٠ يهودي) مع حوالي ١٦٥،٠٠٠ عربي فلسطيني- هذا الحق ( أي حق تقرير المصير وفق أحكام قرار التقسيم ) ، وكان يُمَثِّل هذا العدد من عرب فلسطين في ذلك الوقت حوالي ٣٨٪ من العدد الإجمالي للمُكَوِّن العربي من سكان تلك المنطقة من فلسطين التي خصصها قرار التقسيم لذلك الكيان ، وهم الذين تمكنوا من البقاء في دِيارهم بالرغم من حملة التطهير العِرْقي الصهيوني التي شُنَّت ضدهم في العام ١٩٤٨ ( وكان عددهم الإجمالي في ذلك الجزء حوالي ٤٣٥،٠٠٠ عربي فلسطيني ، تم في العام ١٩٤٨ تهجير ٦٢٪ منهم خارج دِيارهم من المنطقة المخصصة في قرار التقسيم لإقامة كيان دولة ” اسرائيل”) ) .
وفي ذلك الوقت ، كانت ستة دول عربية ( مصر ، اليمن، السعودية، العراق سورية ولبنان ) قد تَمَكَّنَت من إكتساب عضوية منظمة الأمم المتحدة في العام ١٩٤٥ والمشاركة في تأسيسها ، واعتبارها دولاً مؤسسة للنظام الدولي الجديد التي شَكَّلَته الدول المُنْتَصِرة في الحرب العالمية الثانية .
هذا وقد كانت وحدات عسكرية لأربعة من جيوش هذه الدول العربية الستة بالاضافة الى وحدات من الجيش العربي الاردني قد شاركت في حرب ١٩٤٨ .
كما كانت تلك الدول بالاضافة الى الاْردن قد شاركت في آذار من العام ١٩٤٥ في تأسيس جامعة الدول العربية، وقد شَكَّلَت الجامعة إطاراً فضفاضاً للعمل العربي المشترك منذ تأسيسها ، وحتى تاريخه- وذلك بعد أن تم بموجب اتفاقية سايكس بيكو تمزيق وِحْدة أراضي بلاد الشام وتفتيتها على أربعة كيانات – .
وفي الوقت الذي كانت فيه فلسطين لا زالت تحت الإنتداب البريطاني ( الذي انتهى رسميا في ١٥ أيار ١٩٤٨) ، فقد إعترفت جامعة الدول العربية بـ”الهيئة العربية العليا لفلسطين” بصفتها ممثلاً لعرب فلسطين ،أو للفلسطينيين العرب فيها .
ومع صدور قرار التقسيم رقم ١٨١ في أواخر العام١٩٤٧ ، ورفض جامعة الدول العربية للقرار ، ورفض الهيئة العربية العليا لفلسطين له ، وإعلان المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول المنعقد في غزة تشكيل “حكومة عموم فلسطين” في أيلول ١٩٤٨ ، في الوقت الذي كانت فيه جبهات القتال العربي داخل فلسطين تتعرض للضغط الشديد ولانهيارات وللحصار من قبل قوات دولة الكيان الصهيوني الوَليد ” إسرائيل” ، ومع الإنقسام في الصف العربي ( مصر من جهة والأُردن من جهة أخرى) حول إستراتيجية العمل العربي المشترك تجاه فلسطين ، وحول مسألة الإعتراف بـ “حكومة عموم فلسطين” ، -مِمّا أدّى الى تهميشها ثم الى تجميدها -، ومع توقيع الدول العربية الأربعة ( مصر ولبنان والاردن وسورية ) لإتفاقيات الهدنة مع ” إسرائيل ” خلال الشهور السبعة الاولى من العام ١٩٤٩ ، وخُلُو هذه الإتفاقيات من أي إشتراطات تتعلق بإلزام الكيان الوَليد ، أي إسرائيل ، تنفيذ قرار التقسيم ١٨١ والتقيد بأحكامه ، و/ أوتطبيق الأحكام الواردة في القرار الأُممي رقم ١٩٤ المتعلقة بإعادة اللاجئين الى دِيارهم في فلسطين التي غادروها كرهاً او طوعاً ، أقول ، مع كل ذلك ، فإن شروط عملية تغييب فلسطين والفلسطينيين من كل ساحات العمل داخل ما تبقى من فلسطين تحت السيطرة العربية ، وكذلك تغييبهم من ساحات العمل العربي والدولي تكون قد إكتملت وتحققت .
لقد تكرّست عملية التغييب والغياب الفلسطيني في العام ١٩٤٩ بإنشاء وكالةدولية لغوث اللاجئين الفلسطينيين وإعاشتهم وتشغيلهم، و مع إنشاء الوكالة الدولية، فقد أَخذ التعامل مع الفلسطينيين ، ينتقل من التعامل معهم كشعب ، وهوية وطنية ، أو من حركة تحرر وطني أو إستقلال الى التعامل معهم كلاجئين ( وقد بلغ عدد هؤلاء المسجلين كلاجئين في سجلات وكالة الغوث في ذلك الوقت ، أي في أواخر العام ١٩٤٩ حوالي ٥٥٪ من مجموع عدد سكان فلسطين العرب ) أي كحالات إنسانية ، تعتاش على ما تجود به دول العالم عليهم من معونات إنسانية ، وتعيش في مخيمات لجوء أُقيمت لهم في عدد من البلدان العربية المحيطة بفلسطين ، حيث تم فيها حبسهم هناك ، وفي سياق ذلك ، فُتِحَت لهم أبواب بلدان الخليج لتشغيل أبناءهم فيها ، هذا من جهة ، ومن حهةٍ اخرى ، وفي ذات الوقت ، جرى إخفاءهم ، من خلال مُصادرة أو إختزال هوية الجزء المتبقي منهم، ومنحهم هويات أُخرى غير هوية بلدهم فلسطين .
وفِي الوقت الذي وافَقَت فيه ثلاثة من الدول العربية ( مصر ولبنان والاردن- والأخيرة لم تكن قد اكتسبت بعد عضوية الأُمم المتحدة ) على توقيع إتفاقيات هدنة مع دولة الكيان الوَليد “إسرائيل” خلال الشهور الأربعة الاولى من عام ١٩٤٩ ، والتي شَرَّعَتْ لقبول طَلَبَ عضويتها في الأمم المتحدة باعتبارها دولة مُحِبّة للسلام – وهو شرط مُسْبَق لقبول عضوية أية دولة في المنظمة الدولية – ، فقد تمكنت الحركة الصهيونية من تكريس وجود ” إسرائيل ” على ارض الواقع ، وفِي المجتمع الدولي ، كدولة واقعية ، باعتبارها دولة عضو منظمة الأمم المتحدة ،يعتبر أي عمل عسكري ضِدّها عملا غير مشروع ، وينتهك القانون الدولي ، وبالتالي نالت حق إعتراف دول في العالم بها كدولة شرعية لها حق طبيعي بالوجود ، هذا على الرغم من أنها في أيار ١٩٤٩ ، أي عند قبول طَلَبَ عضويتها في الامم المتحدة ، كانت تنتهك قراري الامم المتحدة رقم ١٨١ و ١٩٤ ، باحتلالها -بالإضافة الى حصتها من أراضي فلسطين المرسومة لها في قرار التقسيم رقم ١٨١ – نِصْف الأراضي المخصصة لإقامة الدولة العربية الفلسطينية في فلسطين بموجب القرار نفسه، وعلى الرغم أيضاً من أنها كانت قد هَجَّرَت في العام ١٩٤٨ بالإرهاب والتطهير العِرْقي ، نحو ٨٠٠،٠٠٠ عربي فلسطيني من دِيارهم ، أي نحو ٥٧٪ من سكان فلسطين من العرب الفلسطينيين في ذلك العام.
وفوق كل ذلك ، فقد تمكنت دولة الكيان الصهيوني الوَليد من تكريس حالة اللجوء الفلسطيني وإدامته ، بشل وتعطيل عملية تطبيق القرار ١٨١ من جهة -وبالتحديد ذلك الجزء من القرار القاضي بانشاء دولة عربية فلسطينية على ٤٤٪ من مساحة فلسطين – وشل وتعطيل عملية تفعيل حق تقرير المصير لسكان فلسطين في نطاق الكيانات الثلاثة التي قضى القرار بإقامتها في فلسطين ، ومن جهة أُخرى ، بشل وتعطيل عملية تطبيق القرار ١٩٤ الصادر في ١٢ كانون أول ١٩٤٨ القاضي بتشكيل لحنة توفيق دولية لغاية تطبيق القرار ١٨١ ، ولإعادة اللاجئين الفلسطينيين الى دِيارهم في فلسطين وإعادة ممتلكاتهم لهم .
ومما يجدر ذِكْره في هذا الخصوص ، انه مع إكتساب إسرائيل عضوية الأمم المتحدة ، والإعتراف بها ، من قبل الأمم المتحدة والدول الأعضاء فيها كدولة ضمن الحدود المرسومة لها في قرار التقسيم فقط ، أي على مساحة ٥٥٪ من فلسطين، ( وليس على ٧٨٪ من مساحة فلسطين )،فإن اسرائيل اشترطت وربطت تطبيق القرارين ١٨١ و ١٩٤ بتحقيق السلام فيما بينها وبين الدول العربية ( وليس مع الفلسطينيين، فهؤلاء لم يعودوا طرفا يُخشى منه بعد أن سحبت بريطانيا جيوشها من فلسطين ، وتركت عرب فلسطين لمصيرهم ، فالطرف المُتنازَع معه والذي يشكل خطراً على وجودها في تلك الفترة كان هو الدول العربية المُجاورة لفلسطين ) .
هذا وتذرعت إسرائيل رسمياً في جلسات قبول عضويتها كدولة في الأمم المتحدة، واشترطت بأن تطبيقها للقرارين مرهون باٌعتراف الدول العربية بها ، أي بالاعتراف بالقرار ١٨١ الذي منحها حق الوجود ، وبإقامة وتوقيع اتفاقيات سلام معها ، أي ، بمعنى آخر ، بتخلي الدول العربية عن نيتها القضاء على ” إسرائيل ” كدولة .
لقد بقيت إسرائيل تختبىء وراء هذه الذرائع طيلة الفترة الممتدة من أيار – عام ١٩٤٨ وحتى حرب حزيران ١٩٦٧،وقد إستفادت أيما إستفادة من رفض الدول العربية لقرار التقسيم ، ومساهمتهم الجوهرية في تكريس حالة ” غياب وتغييب الفلسطينيين ” عن ساحات العمل الفلسطيني والعربي والدولي .
كما واستفادت من هرطقات إعلام عربي طيلة تلك الفترة ، من ١٩٤٨ وحتى ١٩٦٧ عادى ” إسرائيل” لفظياً ، والإختباء وراء مقولات تحقيق التنمية ، وبناء القوة ، قبل التحرير ، وانتهى الأمر ، بلا تنمية ، وبجيوش انهارت خلال خمسة ايّام، وبمنح اسرائيل فرصة التمكن ، وترسيخ وجودها كدولة لا منافس فلسطيني عربي او عربي لها …
أما الإنهيار الثاني للجيوش العربية والذي حَصل في حزيران ١٩٦٧، فقد شَهِدَ لأول مرة تكريس عودة الفلسطينيين الى ساحات العمل الفلسطيني والعربي والدولي ، وهيمنة حركات المقاومة الفلسطينية على منظمة التحرير ، ونشوء وضع لم تكن الدول العربية ، وعلى الأخص تلك المحيطة باسرائيل قد إعتادت عليه خلال الفترة الممتدة من
العام ١٩٤٨ وحتى ١٩٦٧. ونشأ مع عودة الوجود العربي الفلسطيني الى ساحات العمل وضع جديد ، وغير مُعتادٌ عليه ، تمظهر في تعقد طبيعة العلاقات فيما بين الفلسطينيين من جهة وبين الدول العربية ، وعلى الأخص المحاورة لفلسطين من جهة اخرى.
وقد تَناول إدوارد سعيد في القسم الاول من ” مقدمته ” لكتابه ” مسألة فلسطين ” الحديث عن الوضع الجديد الذي نشأ بعد حرب حزيران ١٩٦٧.
رَأيتُ ان أقدم هذا التوضيح كمدخل للانتقال الى التحولات والتغييرات التي تطرق لها إدوارد يعيد في مقدمته ، وهو موضوع اليومية القادمة .
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ