Menu Close

٥- مع إدوارد سعيد … رحلة في مخطوطته : ” المسألة الفلسطينية “-

يومية الخميس الموافق ١٩ أيلول ٢٠١٩

في القضايا المسكوت عنها في النِّضال الوطني الفلسطيني والتي طَرَحها إدوارد سعيد في العام ١٩٩٢ في الـ ” مُقَدِّمة ” التي كَتَبَها لطَبْعِة كتابه ” مسألة فلسطين ” ، منح إدوارد القسم الثاني من المادة التي تناولها في مقدمته عنوان ” التّغيير والتَّحَوُّل ” .

وتحت هذا العنوان ، تناول إدوارد سعيد مسألة تَشَكُّل ” الإرادة الفلسطينية ” بعد أن تم تغييبها في العام ١٩٤٨ ، ولنحو عقدين من الزمان ، وفي هذا يقول إدوارد بأنّه،وكما يعتقد ، فإنه لا يجب الإستخفاف بذلك السخاء في الرؤية ، ولا الجسارة في القفزات ، ولا الجراءة في الصِّيَغ والتي واكبت عملية التشكل البطيء للإرادة الفلسطينية Palestinian Will . ويُضيف قائلا ، أنه وبكلمات أُخرى ، فإن تَشَكُّل تلك الإرادة لَمْ يَكُن وكأنه مسألة تَكَيُّف ومُوائَمه فلسطينية مع حقائق الأمر الواقع وحسب ، ولكنَّ تَشَكُّلها كان في الحقيقة أمراً متوقعاً ، أو كان تَحَولاً في حقيقةٍ كانت قائمة في الواقع . وعليه وفي السياق ذاته ، يقول إدوارد ، فإنه كان للبيئة الدولية التي تَشَكَّلَت في إطارها الإرادة الفلسطينية وَقْعٌ نافذ على السياسة الفلسطينية، وأشكال تَمَظهرها .

إنَّ أكثر النّتائج الجديره بالملاحظة لهذه التأثيرات الدولية تَكْمُن بالطّبع في تَحَوُّل الحركة الوطنية الفلسطينية من “حَرَكة تحرير ” إلى “حَرَكة إستقلال وطني” ، وتلك، كما يقول إدوارد سعيد ، قد وردت ضمنياً في إشارة المجلس الوطني الفلسطيني المَعقود في العام ١٩٧٤ في أدبياته التي نشرها للدولة والسلطة الوطنية . ولكنه ، وكما يُضيف إدوارد سعيد ، فإنه كان هناك أيضاً تغييرات مُهِمّة أخرى ذات أثر على التَّحَوُّل الذي حَصَل ، مثل القُبول بقراري الأُمم المتحدة رقم ٢٤٢ و ٣٣٨ ( والتي كان يتم وَسْمَهما في السابق على أنهما يُجَسِّدا الشَّر بذاته في الخطابات الفلسطينية لنحو جيلٍ كامل ) ، ومِثْل ، إعادة الإصطفاف مع مِصْر بعد كامب ديڤيد ، وكذلك ، قُبول خُطّة بيكر في العامين ١٩٨٩- ١٩٩٠.

ويقول إدوارد ، أنه ، عندما يَتِم مُقابلة هذا التكيف والمُوائمة مع تاريخ فلسطيني حافل بالرَّفض العنيد لتلك القرارات ، ومع إعتبار تلك الخلفية التي لا زالت حَيّة في الأذهان ، بما فيها من فقدان للأرواح ومعاناة ،فإن المرء ليُدَهش حول كيف تمت موائمة كل تلك المواقف مع ذاك التّسامح والتّساهل الذي تجلّى بالتوق والأمل الصميمي بالتوصل الى توافق أو مصالحة مع الدولة اليهودية . وفِي هذا يقول إدوارد، إن تلك المواقف وهذا التساهل والتسامح الذي تم ابدائهما ( من قبل القيادة الفلسطينية ) كان ينبني على مشروعٍ كان قائماً منذ مدة طويله يستهدف التوصل الى تسوية قَوامها سياسي أكثر منه عسكري ، وذلك مع عدو صَعب المِراس، وان ذلك كان ينطلق من التسليم بما أصبح معروفاً مع الزمن في أن ، ليس لدى الإسرائيليين ولا الفلسطينيين بالفعل الخيار العسكري تجاه بعضهما البعض.

لكن ، هذا التحول لدى الفلسطينيين يَنبغي قراءته ، كما يقول إدوارد سعيد على خلفية موقف إسرائيلي قوامه الرَّفض غير المتهاود ، والذي بقي قائما أيضاً ، للإعتراف بِـالوطنية الفلسطينية ، أو للتعامل أو لمحاولة التوصل الى أي نوع من التفاهم معها.

يناقش إدوارد النقطة المذكورة أعلاه ويقول بأنها تحتاج الى توكيد. ويُضيف بأن القبول الفلسطيني بالقرار ٢٤٢ لم يتم اتخاذه في عقد السبعينيات من القرن الماضي ، كما أن لهجة التمسك بالكفاح المسلح بَقِيَت ذات نبرة عالية في ذلك العقد ، هذا بالإضافة الى أن الفلسطينيين خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات لم يتيقنوا أن دورهم على الصعيد العربي كان يجب أن يكون في دفع العرب للإجتماع معاً والتوافق أكثر من دَفعهم للإفتراق والتنافر بصورة أكبر ( وعلى الأخص خلال حرب الخليج )، ولكنه يستدرك ويقول أنه مع ذلك ، وبلا شك ، فإن قوة الدفع للسياسة الفلسطينية كانت تتجه بصفة عامة نحو الإعتدال أكثر مِنْه نحو التّصعيد أو التطرف، وذلك من حيث المطالب والتطلعات والأحلام. أما الحقيقة الماثلة للعَيان ، فهي تتمثل في أنه وتحت قيادة عرفات ، فإن السياسة الفلسطينية كان تفعل مفعولها عبر الإنتقال من الأطراف نحو مركز إجماع دولي يقوم على مبدأ قبول التعايش مع اسرائيل ، وكذلك حول فِكرة تحقيق الدولة ، وتقرير المصير ؛ هذا في الوقت الذي ، كان فيه الموقف الإسرائيلي يتحرك بإتجاه معاكس ، أي أنه كان يتحرك من موقف الإعتدال الإحترافي الظاهر لحكومات العمل الإسرائيلية إلى موقف غاية في التصلب والمُغالاة للحكومات المتعاقبة التي هَيْمَن عليها الليكود بعد العام ١٩٧٧. ويقول إدوارد ، أنه وفِي الوقت الراهن ( أي عند كتابة مقدمة كتابه في العام ١٩٩٢) ، فإنه يبدو أن المتعصبين والمتحمسين والأيديولوجيين الذي يتبنون فِكرة ” إسرائيل الكبرى ” أمثال شامير ، وشارون و أرينز يقفوا كوسطيين في حكومة إسرائيلية تشتمل على يوڤال نيمان Yuval Neeman و ممثل لحزب مولِدتMoledet، والذين يَجْهَرون بدعواتهم لترحيل “transfer” الفلسطينيين الى خارج المناطق الفلسطينية . لذلك ، فإن وجود عرفات قد أدّى كما يقول البعض الى توطد خطاب سياسة فلسطينية مُدَجَّن ومُرَوَّض ، في حين حصل عكس ذلك تماماً داخل إسرائيل وذلك منذ تولّى مناحيم بيچن الحكومة في العام ١٩٧٧.

وفي هذا يقول إدوارد ، أنه يجب أن لا نخفق في الإشارة الى أنه وعندما نتحدث عن السياسة الفلسطينية تحت قيادة عرفات ، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد حَفْنه من نُشَطاء سَلام او الى ممارسات رياضية في المعارضة والتعارض (oppositional sports)، ولكن الى التيار الرئيس في السياسة الفلسطينية ، والذي تَشَكَّل وتَوَحَّد على المواقف التي أعلنها المجلس الوطني الفلسطيني، والذي يُمَثّل الأُمة الفلسطينية (Palestinian nation) على أعلى مستوى سِياسي وتَشريعي.

ويقول إدوارد ، بأنه يجد أن لديه الآن ( أي في الوقت الذي كتب مقدمة كتابه في العام ١٩٩٢) ما يقولة ويُضيف اليه بخصوص التغير الذي تطرق اليه والذي تصاحب مع حصول إنقلاب في الأدوار والصور على المستوى الإنتقالي والرمزي . وفِي هذا يقول ، أنه ومنذ تأسيسها في العام ١٩٤٨، فإن إسرائيل قد تمتعت بمكانة باهرة في مسائل متعددة مثل التحصيل العلمي (scholarship)، والخطاب السياسي، والحُضور الدولي، الخ ، ويُضيف ، بأن إسرائيل كانت قد تم تصويرها وتقديمها على أنها تمثل أفضل ما في التقاليد الغربية والإنجيلية.

نَعَم ، إن مواطنيها كانوا جنوداً ، ولكنهم أيضاً كانوا مُزارعين وعُلماء وفَنانين ؛ وأنَّ تحويلهم الإعجازي المُبْهِر لـ ” أرضٍ كانت قاحلة وجرداء ” ، كما تم تصويرهم ، نال إعجابا كونياً ، وهو أمرٌ ما زال قائماً ومُستمراً. أما الفلسطينيين ، فقد تم تصويرهم وتقديمهم على أنهم إما ” عرب” أو مجرد مخلوقات غامضة من النوع القادر فقط على تشويش وتشويه رواية ( يهودية / اسرائيلية ) شاعرية رائعة.

وما َ مُهم ٌ أكثر ،كما يذكر إدوارد، فإن اسرائيل مَثَّلَت في الصورة المُقدمة للعالم دور الأُمة الساعية للسلام ، بينما العرب ، ومنذ الأبد الى حد ما، فقد كانوا يُقَدَّمون بصورة مُحاربين ، متعطشين للدماء ، جانحين للإستئصال والإبادة ، ومَيّالين لعنفٍ لا عقلاني.

ويُضيف ، أنّه ومع نهايات عَقد الثمانينيات من القرن الماضي ، فإن تَغَيّرا جوهرياً قد حَصل مع إندلاع الانتفاضة الفلسطينية في العام ١٩٨٧، فقد أَخَذَت الصُّوَر في التّحول والتوافق والتطابق أكثر مع حقائق الواقع ، وذلك من خلال إجتماع صُوَر متباينة تمظهرت في الممارسة العالية المستوى لمقاومة سياسية وشعبية واسعة لجماهير الإنتفاضة الفلسطينية ، مقابل تلك القسوة والوحشية المُفْرِطة ،والفراغ السياسي ، والسلبية التي أبدتها وأظهرتها إسرائيل الرسمية .

وفِي ذاك يقول إدوارد ، أنه وعلى الرغم من أن أكثر ذلك قد حصل بفعل النشاط الشّعبي الفلسطيني المُقاوِم ، لكن من الأهمية بمكان أن يتم التأشير هنا الى المُساهمة المُمَيَّزة لعدد من اليهود ، وحتى الصّهاينة ؛ مجموعاتٍ وأفراد ، داخل إسرائيل وخارجها ، والذين من خلال معارفهم التجديدية، وعبر التحدث بشجاعة عن حقوق الإنسان ، والحَمْلة النَّشِطة التي تم شَنّها ضد العَسْكَرة الإسرائيلية ، فإن كل ذلك قد ساعَدَ على خلق التحول الذي حَصَل ، وفي جَعْلِه ُمُمكِناً .

وإلى ذلك يُضيف إدوارد سعيد عامل ٌآخر للمسح الذي أجراه حول التغييرات التي حصلت ، ويتمثل ذلك في المكانة البارزة التي إكتسبتها الولايات المتحدة ، وفي حُضورها َّ في مَطلع عقد السبعينيات من القرن الماضي و تَحَوّله الى ما هو بلا شك الحُضور المؤسسي الأكثر زخماً لأي قوة خارجية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث .

وفِي هذا يقول إدوارد ، إنَّ طريقة ما لمُعاينة ذلك تكمن في إجراء مقارنة لدور هنري كيسنجر في عَهْد نكسون من جهة ، مع بِناء حِلْف إستراتيجي ما بين إسرائيل والولايات المتحدة خلال سَنوات ريغان من جِهَةٍ أُخرى.

يقول إدوارد، لقد نَفَّذَ كيسنجر دبلوماسية مَكّوكية بحِنٌكة وفِطْنة سياسية مَصحوبة باستعراض صاخِب . لقد ساعد في المفاوضات التي أدَّت الى وَضْعِ حَدٍ لحرب عام ١٩٧٣، وهو الذي نَجَح في وضع إتفاقية فَضّ الإشتباك الثانية في سيناء وذلك كما تم تسميتها في العام ١٩٧٥، وهو الذي وضع الأرضية لإتفاقيات كامب ديڤيد . لكن ، ومع أن الولايات المتحدة قد قامت بإعادة تزويد إسرائيل بالعَتاد والأَسلحة اللازمة للقتال في العام ١٩٧٣، وبالرّغم من وُجود رَوابط ، وكل أنواع الجُهود ُالمُشتركة ما بين البلدين ، ، فإنَّ وُجود مصالح للإتحاد السوڤييتي ، وكذلك للولايات المتحدة يتم متابعتها بهِمّة ونَشاط في عدد من الدول العربية ، قد مَنْع حُصول أي شيء مثل صِلة مؤسسية فيما بين البلدين . لذا ، يقول إدوارد، وبينما كان ريتشارد نكسون مُتَوَرِّطاً في ووترچيت ، وبينما كان كيسنجر منخرطاً بلا كلل في التسويق لنفسه وفِي جولاته وترحاله، فإن إسرائيل لم تكن هي بؤرة الإهتمام الرئيسية للولايات المتحدة خلال عقد السبعينيات من القرن الماضي؛ لقد كان مُستوى المساعدات الأمريكية لإسرائيل عالياً، ولكنه لم يَكُن فَلَكياً ؛ وكان ما يزال التنافس فيما بين مصر وإسرائيل هو المستحوذ على الإنتباه؛ كما كانت الحرب الباردة وأمريكا اللاتينية وڤيتنام ما زال لها الأولوية العليا ( في جدول أعمال الولايات المتحدة ) .

يُضيف إدوارد سعيد ويقول ، أنه ومع نهاية الفترة التي أدَّت الى تولي رونالد ريغان الرئاسة في الولايات المتحدة في العام ١٩٨٠، فقد أصْبَحت الأشياء مُختلفة كثيراً. لقد وُضِعَت مصر وإسرائيل معاً في سَلّة واحدة، وذلك فيما يتعلق بتشريع المساعدات الخارجية الأمريكية ، وكذلك ، وإلى حَدٍ ما فيما يتعلق بوعي وإدراك الجمهور أو الرأي العام ( في الولايات المتحدة ) . لقد مَنَحَ ألكسندر هيچ إسرائيل الضوء الأخضر للعمل في لبنان بدون قيود( وهذا عكس ما حَصَلَ عندما وَجَّه جيمي كارتر تحذيراً شديداً لحكومة مناجم بيچن خلال إجتياح الجيش الإسرائيلي للبنان في العام ١٩٧٨، وأَلْزَمَه بالخروج منها ، وهو ما حَصَل فوراً في ذلك الوقت ) .

ومع إستلام جورج شولتز مَنصب وزير الخارجية في صيف عام ١٩٨٢، فقد وَضَعَ الأرضية لأكبر حُزْمة لمعونات خارجية منفردة ، ولمساعدات عسكرية ، وكذلك وعلى الأغلب لصفقة دعم سياسي غير مَشروطة عقدتها الولايات المتحدة فيما بينها وبين أي حكومة أجنبية.

يقول إدوارد ، أن هذا قد حَصَلَ ، في الوقت الذي كانت فيه أعمال مُصادرة الأراضي الفلسطينية جارية على قَدَمٍ وساق من قبل إسرائيل ، بينما يفقد فيه آلاف الفلسطينيون حياتهم بسبب أعمال العنف الاسرائيلي ، وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تستمر وبدون أن تَهاب ، في تجاهلها اللاقانوني لقرارات الأمم المتحدة، ومواثيق والمعاهدات الدولية (جنيف الخ) ، وللمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ويُضيف إدوارد ويقول بأنه ، ومع أن هذه الممارسة قد بدأت مع تَوَلّي دانييل موينيهان مَنْصِبَه سفيراً للولايات المتحدة لدى الأُمم المتحدة ، فإنَّ الولايات المتحده وَجَدَت نفسها في ذلك الوقت تَقِف وحيدة مع إسرائيل في هذه المُنَظّمة الدولية ، مُتَحَدِّيَة في أغلب الأحيان الحس السليم والإنسانية باتخاذها مواقف بغيضة .

ويَستطرد قائلاً بأنه وخلال صيف ١٩٨٢، في الوقت الذي كان فيه الحِصار الإسرائيلي لبيروت مُستمراً ، ومع شَنها لمئات الغارات الجوية بدون أي تَدقيق ، ومع إنقطاع التيار الكهربائي عن المدينة وكذلك المياه والطعام والإمدادات الطبية ، بالرغم من كل ذلك ، فقد قامت الولايات المتحدة باستخدام الفيتو ، وأَحْبَطَت قراراً لمجلس الأمن يَدعو للسَّماح بتَمرير الإمدادات الإنسانية على خَلفية أنَّ القرار يَفتقد للتوازن.

ويقول إدوارد، إن أفضل المُؤشرات الامريكية حول مدى إقتراب الولايات المتحدة وإسرائيل من بعضهما البعض ، تمثل ؛

اولاً ، في إعلان رئيس الأيباك خلال عَهْد الرئيس ريغان بأنَّ الكونغرس الأمريكي قد أصبح في ذلك الوقت الأكثر تأييداً لإسرائيل في التاريخ( وأصبح أعضاء المجلس في عهده عُرْضَة للعقاب إذا لَمْ يَمتثلوا أو يتماهوا مع الموقف المُهَيْمن في المجلس ، وهذا ما حصل في حالة “بول فندلي” عضو مجلس النواب الامريكي ، والسيناتور تشارلز بيرسي ، وكلاهما من ولاية إلينوي )، و

ثانياً، في إرتفاع المَعونات الأمريكية من (٧٠) مليون دولار بالسّنة في نهايات عقد الستينيات من القرن الماضي الى ما يزيد عن (١،٥) بليون دولار بالسنة خلال السنوات الخمسة عشر الماضية ، أي خلال الفترة التي سَبَقَت كتابته لمقدمة طبعة كتابه في العام ١٩٩٢.

ويقول ، بأن التقدير الإجمالي لحجم المعونات التي قدمتها الولايات المتحدة لإسرائيل ما بين عامي ١٩٦٧ و ١٩٩١، قد بلغت نحو (٧٧) مليار دولار . وهذه الأرقام لا تتضمن قيمة ما تلقته إسرائيل على هيئة تبادل معلومات إستخباراتية ( والتي يبدو ، كما يقول إدوارد سعيد ، ان القَبض على جوناثان بولارد في العام ١٩٨٦ لم يؤثر كثيراً على الحد من ذلك التبادل أو على وَضْعِه تحت السيطرة ) ، والتخطيط العسكري الإستراتيجي، وغيرها من النشاطات المشتركة.

ويَذْكُر إدوارد سعيد أيضا أن النفوذ التّدَخُّلي غير العادي الذي تملكه الولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط قد أخذ أبعاداً دراماتيكية ، وأصبح مَرْئِيّاً بشكل صارخ ، وعلى الأخص في تلك الإنجازات التي رأيناها مثل النجاح الذي أحرزه جيمي كارتر في إتفاقات كامب ديفيد، والتي تَرَتَّبَ عليها إعادة شبه جزيرة سيناء لمصر ، ومعاهدة السلام وتطبيع العلاقات ما بين مصر وإسرائيل ، وأخيراً وبالطبع التّدخل الأمريكي العسكري السافر في حرب الخليج في آب من العام ١٩٩١، والذي تم بعد الإجتياح العراقي للكويت وإعلان العراق ضَمّها له.

يقول إدوارد ، أنه لم يَسْبِق أنْ تَمَّ إحضار قوات أمريكية إلى المنطقة بهذه الضّخامة مثلما حصل في حرب الخليج عام ١٩٩١ ( وفِي هذا يقول بأن نماذج التّدخل الأمريكي في لبنان في العام ١٩٥٨، وفِي عامي ١٩٨٢-١٩٨٣، لا تُقارَن البَتّه ) ، لا بل ، أن المنطقة لَمْ تَشْهَد حَشداً للقوات من خارجها بهذا الحجم الهائل- والذي كان له تأثيرات مُدَمِّرة على دولة عربية ذات سيادة ( العراق) – وذلك منذ الإجتياحات المَنغولية للمنطقة في القرن الثالث عشر.

ويَذْكُر إدوارد سعيد ، أنه وسَواء كان ذلك للأحسن أو للأسوأ، فإن حقائق الأمر الواقع في المنطقة كما تَجلَّت في العام ١٩٩١ تنطق لتقول بإن الولايات المتحدة بَقِيَت واقفة في ذلك الوقت لا تواجه أي معارضة من قِبَل أي دولة وقوة ذات قيمة في الشرق الاوسط. ويُضيف ، إن مَصالح الولايات المتحدة الضخمة في نفط الخليج ، وحالة التجمد في الأوضاع السائدة، ومكانة المنطقة الجيواستراتيجية ، جعلت للولايات المتحدة نفوذاً وتأثيراً فوق أي واحدة من القوى العاملة في المنطقة .

ويُضيف ،أنه وفِي ذلك الوقت ، فإنَّ حالة الغليان والسُّخط لعدد متنوع من المجموعات المَحرومة في المنطقة أو تلك التي تُعاني من الإنسلاخ والإغتراب – وأغلبها في الأعظم ذات إنتماءات إسلامية – هي فقط من كان يَملك الرّغبة والقُدرة في دفع الأمور باٌتجاهات أُخرى ، وربما ، وهو إحتمال أقل ترجيحاً ، في قلب الأمور رأساً على عَقب بصورة كلية ، كما حصل في الجزائر والسودان ، أي في الوقت الذي كتب فيه إدوارد سعيد مقدمة طبعة كتابه هذه في العام ١٩٩١ . ويقول أن الولايات المتحدة هي فقط في تساهلها المفضوح مع إسرائيل وتغاضيها عن انتهاكات اسرائيل لقرارات الأمم المتحدة ، فإن هذا التلاعب الأمريكي وتلك المعايير المزدوجة التي تستخدمها ( حتى أمام حلفائها الرئيسيين في المنطقة ، العربية السعودية ومصر ) هو الذي يضع الولايات المتحدة في مواقع صعبة في أحيان كثيرة ، ويُبْقيها مُحْرَجة ، ويَستجلب السّخط للسياسات التي تنتهجها.

عبد الرحمن البيطار

هايدلبيرغ