يوم الأحد الموافق ٢٩ شباط ٢٠٢٠
دَعونا نَبتعد قليلاً عن عالم الكورونا ومَشاغله.
قبل قليل إنتهيت من قراءة هذا المقطع من كتاب ” قُل ، ولا تَقُل “، وما جعلني أُقَرِّر إقتباس النَّص وتقديمه في هذه اليومية ، أنْ الموضوع له علاقة بمصطلح نستخدمه نحن المهندسون . وسَأستئذن في هذا الموضوع كذلك من صديقتي الأخصائية خلود عباسي ، العاشقة للعربية ، لتقديمه ، فهي أيضا مهندسة تشاركنا الهُموم الهندسية .
يقول النَّص:
” قُلْ : وَقَفَ في المُسْتَشْرِف أو الرُوَيْشٍن أو الجَناح .
ولا تَقُل : وَقَفَ في الشُرْفة
فالشُرْفة هي أجزاء مُتساوية من البناء ذاته على حافة السَّطح ، بَعضها مُتَّصِل ببعض، وهي في الغالب مُحَدَّدة الأطراف ، وتُعَدُّ زينة للسطوح ، وقد يَقِف عليها طائر ، أما الإنسان ، فكيف يَقِف أو يَقعُد على ناتئة من البناء في حافة السَّطح ؟
وقد وصف إبن الرومي شُرْفات بعض القصور التي كانت على دِجْلة ، قال :
تَرى شُرْفاته مثل العَذارى
خَرَجَنَ لنُزْهَةٍ، فَقَعَدَنَ صَفّاً
عليهنَّ الرَّقيب أبو رياح
فَلَسْنَ لخَوْفِه يُبْدينَ حرفاً
فالمُراد إذاً ” المُستشرف ” ، وهو الموضع الذي يُشرف منه الإنسان على ما حَوْله ، أو الروشن ، وهو معروف عند الغربيين بالبالكون، ويجوز أن يُقال ” المشرف ” ، وقد ظَهَرَ أنْ بعض المترجمين الضعفاء ترجم البالكون بالشرفة ، ولَمْ يَعْرِف الروشن ولا المستشرف ، وكذلك يَجوز استعمال الجناح مكانٍ الشُّرفة بالمعنى المغلوط فيه “.
واسترعى انتباهي كذلك في هذا اليوم خبر نشرته ” الغد ” في عددها الإلكتروني . الخبر يقول :
“الطبيعة تستعيد حقوقها من البشر
مع تدابير الإغلاق والحجر الصحي الإلزامي الذي أجبر الناس على البقاء في المنزل، تستفيد الحيوانات والنباتات البرية من الهدوء الذي كان سائدا منذ زمن بعيد.
في الأيام الأولى للعزل المنزلي، بدأ سكان المدن الكبرى مجددا يسمعون زقزقة العصافير فيما شوهدت خنازير برّية تسرح في شوارع برشلونة وأسد أميركي (بوما) صغير يتجوّل في سانتياغو ودلافين متجمّعة في البحر الأبيض المتوسّط.
يقول رومان جوليار مدير الأبحاث في المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي في باريس لوكالة فرانس برس إنه مع تراجع الوجود البشري، وجدت الحيوانات البريّة في المناطق الحضرية “حرّية للتنقل في المدن”.
ويستشهد بمثال الثعالب “إنها تغيّر سلوكها بسرعة كبيرة. عندما تكون هناك مساحة هادئة تأتي إليها”. وبالتالي، يمكن للحيوانات والطيور التي تعيش في المناطق الحضرية، مثل العصافير والحمام
والغربان، مغادرة أراضيها المعتادة “وإفساح المجال لحيوانات أخرى”.
ذلك هو الوجه الآخر ” المُضيء” لهذا الوباء الكوروني ” البغيض” الذي ” سَرْسَبَ ” البشرية كلها على نحو لا مثيل له في التاريخ البشري المَعروف ، الا ما تَستذكِرَه البشرية من قصة ” سفينة نوح “،… التي يُفترض فيها ان تكون قد انقذت النَّوع البشري والحيوي على هذه الأرض…!؟
عُدت إلى الجوجل ، لإستذكر سيرة “سفينة نوح” ،… فوجدتُ فيها المقطع التالي :
“عندما جاءَ وَعْد الله إلى قَوْم نُوح، وظَهَرت بوادر العذاب بتفجُّر الينابيع، واٌنفراج السماء بالمَطَر الغزير، أسرع سيّدنا نوح – عليه السِّلام -بفتح السفينة؛ ليُدخِل فيها من آمن برسالته، كما حَمَل فيها من كلّ حيوان زوجين إثنين؛ ذَكَراً وأنثىً؛ ليستمرّ وجود جميع المخلوقات على الأرض. وبعد أن حَمَلَتْ السفينة من آمن من قوم نوح ، وغيرهم من هَوام الأرض ودَوابها، إرتفعت المياه في مَناحي الأرض من شتّى الجهات، واٌشتدَّ المَطَر حتّى التقت مياه الأمطار بمياه يَنابيع الأرض، واٌرتفع المَوْج واٌزدادت شِدّته، فعمَّ اليابسة من شِدّته، فغَرِقَت الأرض، ولَمْ يَبْق من الأحياء إلا من رَكِبَ السفينة مع نوح- عليه السلام -، وفي ذلك الوقت جَرَت سفينة نوح وَسْط الأمواج، وقد اٌستمرّ الطوفان زمناً لا يُعرَف مِقداره، حتى جاء أمر الله بأنْ تَكفّ الأمطار عن الإنهمار، وأنْ تَبتلع الأرض ما أخرجته من مياه، وأن تَرْسو السفينة وتَستقرّ على جبل الجوديّ.”
هل تحمل سيرة ” سفينة نوح ” و سيرة ” فيروس الكورونا ” عَناصر من كُنْه رواية الحياة على هذه الارض ؟
تلك هي قَبَسَات أردتُ أنْ أنقلها في هذه اليومية لعل من يقرأها يَجِد فيها غذاءً يسد من نوع من الجوع الذي يتفشى في الزمن الكوروني ” المَقيت “.
عبد الرحمن البيطار
عمان في الزمن الكوروني