Menu Close

عمان في الزمن الكوروني – رحلة مع ابداع رجل من وطني : عدنان جابر – الثلاثاء الموافق ٣١ آذار ٢٠٢٠

يومية الثلاثاء الموافق ٣١ آذار ٢٠٢٠ – يوم آخر من أيام الأرض

على موقع المنتدى الثقافي العربي , قَرأتُ قِطْعة مَكتوبة نشرتها السيدة تهاني الشخشير ، تُصَوِّر حكاية لواحدٍ من أبناء الوطن المحتل يروي تجربته مع الوطن ، ومَع احتلال الوطن ، ومَع مُقاوَمة المحتل من أجل تحرير الوطن .

حكاية تَتكرر باٌستمرار ،… رَأيتُ أنَّ من العَدْل أن تتشاركوا معي في التَّعرف على وقائعها، وتَلَمُّس مَشاعر وأحاسيس من عاشها .

بعد ان انتهيت من قراءتها علمت بأنها فازت بجائزة تقديرية في مجال “القصة الصحفية” في “مسابقة العودة” 2011 التي نظمها “مركز بديل” في بيت لحم ـــ فلسطين.

أما الكاتب فهو المناضل “عدنان جابر “، فلسطيني من مدينة الخليل،أسير سابق ومبعد، مقيم في بلغاريا

#الحكاية تقول :

” مَرَّ العُمْر بسُرعة. في ذلك اليوم، في 5 حزيران عام 1969، عندما رَأتني أُمّي في ‘مُستشفى عالْيَة’ في الخليل ، ورَصاص المُحتلين قد أصابني في رَقْبتي وقَدَمي، كُنتُ في السابعة عشر من عمري.

كان سِلاحي “سيخُ كَبَاب” صَنَعتُه في ‘مدرسة الأمير محمد الإعدادية’، وطَعَنتُ به ثلاثة جنود إسرائيليين أمام الحَرَم الإبراهيمي.

في ذلك اليوم، وأنا بين الصّحو واليَقَظة، نَظَرَتْ أُمي إلى وَجهي المُشَوَّه الدّامي، وقالت:

‘معلش يَمّا، المهم إنك عايش’.

كانَتْ قَوِيّة، مثلما عَرَفتها دائماً. أنْعَشَتني كلماتها وأنفاسها المُشبعة بالحنان.

أَخَذني الجُنود في عَرَبة عَسكرية من طرف شارع ‘السهلة’ أمام الحَرَم الإبراهيمي حيث اشْتَبَكتُ معهم إلى الثكنة العسكرية ‘العَمارة’ المُتواجِدة على تَلّة مُرتفعة، وهي مسافة طويلة بالنسبة لجريح يَنزف من فَمِه ورَقْبَتِه وقَدَمِه. ويَبدو أنهم اعتقدوا بأنني على وَشَك الموت، لذلك قَفَلوا عائدين بي ، وأدخلوني إلى ‘مستشفى عالية’ كَيْ أموتُ هُناك، ولكنْ تحتَ حراسة من قِبَل شُرطة الخليل المحلية، ومُداهمة مُفاجئة مُتكررة من جنود الإحتلال للتأكد من عدم هروبي أو تهريبي. لَمْ تَطُل إقامتي هُناك، إذْ عندما عَرِفوا بأنني لمْ أمُتْ سُرعان ما تم نقلي إلى ‘مستشفى سجن الرَّمْلة’.

طِوال سَنوات أسْري، كانتْ أُمّي تُطارد ورائي من سجن إلى سجن، وكانت أكثر حيوية ومَعنوياتها أقوى مُقارنة بوالدي الطيِّب. كانتْ تَتَمَتّع بصوتٍ جَميل، قالت لي قريبتنا ‘أم العبد’ :

‘ أُمَّك كانت تُحيي كل عُرْس تَحْضُره ‘ .

قَبْلَ الإحتلال، كان غِناؤها يَشي بالفَرَح والقُوّة.

مَع مَجيء الإحتلال وتَكَرُّس الفُراق وتَشَتُّت الأُسرة بين الوَطن ومَنافي الغُرْبة، صارَ غِناؤها مُفعماً بالحزن والأسى، لكن لَمْ يَخْل من القُوّة والصّبر.

أدْرَكنا أنَّ أُمنا تُغني كي لا تَبكي، وإنْ بَكَتْ، فبعيداً عن أنظار الآخرين.. كانت تُغني لأنها اعتادَتْ صِناعة الأمل.

كنتُ أعرف أنَّ لي مَكانة أثيرة في قَلبِها، بِسبَب كوني أسيراً وجريحاً. وأنا خَلف القُضبان ،خَصَّصَت لي بعض قصائدها الزَجَلية.

وبَعد خُروجي من السِّجن، أثناء وجودي في رومانيا للعلاج تلقيتُ منها رسالة تقول فيها:

‘ ليتني قِطْعة شاش أبيض، ألتفُّ بها على قدمك يا ولدي الحبيب’.

في صُوفيا، أثناء درَاستي هُناك، أسمعتُ بعض الزملاء والأصدقاء شريطاً لها كُنتُ قد سَجَّلته لها أثناء زيارتها لي في سوريا . أثناءَ إستماعهم لصوتها، سألتهم مازحاً:

‘ هل تعرفون مُغَنِّيَة في فلسطين إسمها سُعاد صلاح ‘، فأجابوا:

‘ لا، ولكن صَوتها حُلو ‘ .

فقلت:

‘هي أُمّي’ .

إمتدَّ زَمَن الفُراق، صَعُبَ على الحاجّة سُعاد أن يكون أولادها مُشتتين في فلسطين والأردن والكويت وسورية والعراق والصين وبلغاريا، فعانَتْ من عَنَتِ الزيارة، وعِبء السَّفر.

مَرَّة، تَطَلَّعَتْ إلى شَجَرة التوت أمام بيتنا في الخليل، ورَأتْ عُصفوراً يُنَطنِط على أغصانها فأنشدتْ تقول:

‘ عُصفور يا كَتكوتْ..

يا مغرِّدْ فوق التوتْ..

أيام عَمْ بتفوتْ..

وحبابي ما عادوا لِيِّ ‘.

وعلى جِسْر الأُردن، طِلْعَتْ مَعها:

‘مقساك يا دَهر.. وما أَصْعَبَك يا جِسرْ ‘.

كانَتْ تأتي لزيارتنا مُجتمعين أو فُرادى. في البداية، وهي في صِحَّتها، كانت تأتي لوحدها، ثم صارَتْ تأتي برِفْقِة أحد أبنائها أو إحدى بناتها، وأخيراً، لَمْ تَعُد تأتي.. تَعِبَتْ عِظام أُمي!

إنتظرتني في عمّان سنتين كي تَراني، لَكنَّ ذلك لم يَحصُل. فلا هي قادِرة على السّفر إلى سوريا بسبب عِظامها المُتْعَبة، ولا أنا كنتُ قادِراً على السّفر إلى الأُردن لأنني مُبْعَد عن البلاد.

بِسبب وَضعها الصّحي، إرتأى إخوتي وأخواتي في الأُردن أن يُبقوا الوالدة لَديهم، وأن ‘تَدور’ على بُيوتهم، أسبوع في كل بيت، إلى أنْ يأخذ الله الوديعة. كانت تُلِحُّ للعودة إلى الخليل، وهم يُراهنون على ‘النُّسيان’ الذي بدأ يفعل فعله في ذاكرتها، ويقولوا لها :

‘يا حاجة لسه امبارح جيتي!’.

لكن ذلك لمْ يَعُد يَفلح مَعها، صارت تَبكي كالأطفال كي تَعود إلى الخليل.

وعادَتْ وماتَتْ ودُفِنَتْ هُناك.

.. حَقَّقَتْ أُمي ‘حَقَّ العَوْدة’ بأنْ يَكون لها قَبْر في الوطن!

حُلْمُنا الغالي ‘حق العودة’ سَيشمل الأَحياء، فهل سَيَشْمَل الشُّهَداء، والأموات، والعِظام، وكيف ؟!

رُبّما سَيكتفي الشُّهداء بالنَّصر، فهو العَوْدة.. ويَكفي أن نقرأ الفاتحة، كلٌّ من مَكانه، على أعزائنا الذين تَضمهم القبور.. في أربع رياح الأرض.

يُحزنني تَشَتُّت قُبورنا.. يُقلقني شَتات العِظام. أبي وأمي مَدفونان في الخليل، أخي الأكبر غازي مدفون في الكويت، وإبني مارسيل مَدفون في صوفيا: إختار في بلغاريا، صوفيا، الساعة الواحدة ظهراً، يوم السبت الموافق 26 تموز 2008، وهو في الرابعةِ والعشرين من العمر، أنْ يُتوِّج نَجاحه في السنة الرابعة والأخيرة في الجامعة، بالقفز من الطّابق السادس. كان على وَشَك التّخرج من الجامعة.. لكنه فضَّل أنْ يَخرجَ من الحياة !

وأنا.. أين سيكون قبري؟!

لقد قالها محمود درويش: أرى الجنازة ولا أرى القَبْر..

كما حَصل مع عِظام أُمي، لمْ تَعُد عظامي تَحملني بيُسر، مع أنني أتوكأ على عصا، فالشظايا تُرافق قدمي منذ 5 حزيران 1969 وحتى الآن، والجرح لا يَلتئِم.

عندما زارني والدي المسكين في بَغداد قال لي بألم: ‘يابا، إذا بتتعبك كتير، وما بتشفى، اقطعها وارتاح ‘ !

لكنني قَرَّرت التّمسك بها، وعندما يسألني إخوتي وأخواتي على الهاتف من فلسطين أو الأردن أو الصين: ‘كيف وَضِع رجلك؟’، أُجيبهم:

أفضل من الوَضع السياسي!

صَمَدَتْ رِجْلي أكثر من 40 عاماً، وهناك دُوَل لا تَصمُد 40 يوماً.

بعد أن رافقتني كل هذه السنوات، وتَحملتني في السّراء والضّراء، وبعد 14 عملية جراحية، وبفضلها رَأيتُ عدة دول في العالم، هل أتخلى عنها؟!

وإذا تم بَتْرها، كيف سأنزل إلى البحر، أو أنزل إلى الدَّبْكة وأدْبِكُ مع من يَدبِكون؟!

تَخيلتها وَهُم يَبتروها ويَرموها في حاوية النفايات،

تَخيلتها بعد هذا الصُّمود وهذه “العِشْرة”،

تَخيلتها تقول بأسى: يا عيب الشوم!

رِِجْلي جاءت إلى الدنيا مَعي، وسَتُغادرها معي، لن أتخلى عنها.. جئنا معاً، وسَنذهب إلى القَبر معاً، أحتفظ بها مثلما أحتفظ بـ (البنطلون) المثقَّب بالرصاص.. الحمد لله أنّه رصاص الأعداء!

عِندما رأتني أمي في ‘مُستشفى عالْيَة’ ، كنتُ في السابعة عشر من عمري، أما الآن فأقترب من الستين. كان سلاحي “سيخ كباب”، وأصبح سلاحي القلم، أحمِلُ شهادتين:

دكتوراه في الفلسفة

ودكتوراه في القهر،

القهر من جهتين: من الغُرْبة والمَنافي، ومن وجود مفارقة باهظة ودامية: شعبنا الفلسطيني شعب عظيم مُبْدِع معطاء، وزُعماؤنا يُتْقِنون الفشل والتبديد والخواء.. زُعماء يَرون الكرسي.. ولا يَرون زَيتون البلاد!

أصابني مرض الضغط بعد الإقتتال في غزّة بين حَماس وفَتْح.. و”انتصار” ثورتنا.. وبعد أن ‘رَزَقنا’ الله ‘دولتين’ بدل دَوْلة واحدة، واحدة في رام الله والأخرى في غَزّة !

كنتُ أعرف أن الدواء والحِمية لا يَكفيان، بل لا بد من إطعام الروح. لذلك، من أجل تعزيز الأمل ومحاربة الكآبة، قُمْتُ بشراء “سيديات” مختارة لفيروز، أم كلثوم، عبد الوهاب، خوليو اغليسيس، ياني، فلاديمير فيسوتسكي، بافاروتي ، أندريا بوتشيلي ، وموسيقى كلاسيكية لموسيقيين مختلفين من عدة قرون.

لا أملك ما أُوَرِّثُهُ لأولادي سوى بَنطلوني المُصاب وبعض المؤلفات، لا أملك بيتاً أُوَرِّثُهُ لهم كي أريحهم وأريح فاطمة من هَمِّ الإيجار و’شحشطة البيوت’ ، لا أملك شيئاً سوى حُلْمٍ بامتلاك قَبْر.. قَبْر في الوطن !

ولي حُلْمٌ بسيط: ابني عُمَر (8 سنوات) وابنتي دالية (10 سنوات) أن يعيشا طويلاً وان لا ينقصف عُمرهما كما انقصفَ عُمْرُ أخيهما مارسيل، ألاّ تَموت فاطمة قَبلي بل أن أموت أنا قبلها، وأن تعيش هي وأولادي بكرامة، لا أريدها أن تَصطَف في طابور الأرامل أمام باب أي مسؤول تافه، أو سافِل !

وأريدُ كبوةً أخيرة

كبوةً ترافقها السلامة

قبراً جميلاً

أُعَلِّقُ عليه التعب

وأنامُ فيه إلى القيامة

لا أُريده في وُحشة الغُرْبة وفي صَقيع المَنافي، أريدُ قَبْراً هُناك في تُراب الخليل، قُرْب كُروم العِنَب، بجانب عِظام أمي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هذه الشهادة ؛ شهادة عدنان جابر ،… تَنْطق بكل حرف من حروفها قِصة معاناة شعب بكامله ،… معاناة ، سَببتها الصهيونية العنصرية ، التي ادعت ، عند انطلاقها بأنّها حركة علمانية ، منافية للقهر والاضطهاد ، وتستهدف تخليص يهود أوروبا من الاضطهاد الذي عانوا منه منذ قرون في أوروبا ، وانتهت ، ترقد في القعر في مهاوي العنصرية ، حَركة ؛ مارست وتمارس التّطهير العِرْقي بأبشع اشكاله ، وزَيّفت وَعْي يَهود العالم وفلسطين ً، وحولتهم الى مُضطهدين، يتفنون في ممارسة أفظع أشكال القهر والاضطهاد ، ضِد شعبٍ مسالم

عبد الرحمن البيطار

عمان في الزمن الكوروني