تعليق على مقال :” للإحتلال وَجْه واحد ، ما قبل وما بعد الكورونا ” الذي نشرته جريدة الايام في فلسطين المحتلة هذا اليوم الموافق ١٩ نيسان ٢٠٢٠
” للاحتلال وجه واحد ، ما قبل وما بعد الكورونا “
تَناوَلتِ في مقالك قضايا عديدة،…بَدأتِه ، بتساؤل مَفادَه يقول ؛
هل وضعتنا الكورونا في قارب واحد مع الإحتلال …، وماذا يعني ذلك ..؟
خَلصتِ في المقال – وهنا ، أنا سأكتب ما فهمته -إلى أننا في قارب واحد بسبب مَوضوعي ، تُمليه الجغرافيا ، وحقيقة أنْ الارض مُحتلة ، وشعبها يُعاني من الإحتلال ؛ عُنصريته وضراوته .
ٍ
ومَزَجتِ بعد ذلك الأمر ، بالمَقولة السائِدة ، بأنَّ عالم ما بعد الكورونا هو غير ما قبله ، وتَوَصَّلتِ الى نَتيجة بأنَّ هذه المَقولة ، لن تمس طبيعة الإحتلال الصهيوني الرّابض على أرض فلسطين منذ (٧٢) عاماً، والذي يقمع ويضطهد شعبها منذ العام ١٩٤٨، ولذلك ، فإنَّ الأمر يَستدعي أن نُحضِّرَ أنفسنا لمرحلة ما بعد الكورونا وأن هذا الأمر يُوجب على الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال ( وخارج فلسطين ) أن يُعيد تنظيم صفوفه ، وأن يُغيِّر واقعه القائم ، عَبر التحرر من كل ما يُمَيِّع أو يُزَيِّف صُورته الواقِعِيّة أو يُخفف من وطأة الإحتلال وبَشاعَتِه ، باتجاه تطوير برنامج مقاومة تفاعلي يُخلِّص، في نهاية المطاف، شعبنا من مُعاناته ونَكبته المُستَمِّرة منذ اكثر من قرن .
أنا لا أختلف مَعكِ فيما وَصلتِ اليه ، ولكني أرى الأُمور – بالإضافة إلى ما ذَكَرٍتيه – على نحو مُغاير بقدرٍ ما.
الكورونا يا صديقتي ، أراها حربا عالمية ثالثة ، تختلف عن الحربين السابقتين في أنها، هذه المَرّة ، وَضَعَت البشرية كلها في قارب واحد ، في سفينة ، في حاملة بَشَر ، … !
الأنظمة والشُّعوب جَميعها تَعيش في هذه السفينة ، يَتعرَّضون لخطر ٍشامِل ،… ومع أنهم تحت نفس الخَطَر ، ويَعيشون في السفينة ذاتها ، إلا أنهم وهُم فيها مُختلفون ،…
صَحيح أنَّ الوباء أو الجائِحة بمعنى أصح ، لم تُمَيِّز أحداً من هذه الأنظمة والشعوب ، وصَحيح أنها، أي الجائحة، ضَرَبتْ ضَرْبتها التي اصابت الجميع ،.. ومع أنها جعلت الجميع يُعاني ، إلا أنها لمْ تَقْضِ على الفروقات ، بمختلف اشكالها ومضامينها ، القائمة فيما بينها ، ولا على التمييز بكل اشكاله ، ولاعلى الإضطهاد ، والإستغلال ، والسلب ، كذلك ، ولا على آخر إحتلالهمجي عُنْصري، تَمييزي في الكُرَة الارضية …!
لقد أبقت الجائحة كل التناقضات وكل أشكال الظلم والإضطهاد ، والإستغلال والسلب في هذه السفينة ، على حالِها … !
إذَنْ ، إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا تَتَرَدَّد مَقولة أن العالم أو الاوضاع ، بَعدَ الكورونا سَوف تَتغيَّر عما كانت عليه قَبلها ؟
ما هو هذا الشيء الذي يَتغير أو سَيتغيَّر ؟
يا صديقتي
عِندما تَعَرَّضَت البشرية لجائحة كورونا ، كان العالم يعيش حالة من الصراع البائن والمخفي بين القُوى الذي تتحكم به …وكان يُتَوَقَّع أن دول العالم الرأسمالي النيوليبرالي المتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة ستكون قادرة بل الأقدر على مُواجهة هذا العدو بنجاعة،..
ولكنها فَشِلَت عندما أظهر هذا العدو ، على حِينِ غَرَّة ، وبشل غير متوقع ، كل عُيوب هذه الدول ،.. !
ولأنَّ هذه الدول هي في صِراعٍ صامتٍ مرير – بعد إنهيار الإتحاد السوڤييتي – في بيئة مُعَوْلَمة ، مع دُوَلٍ أُخرى ،.. ولأنَّ بعض هذه الدُّوَل الأُخرى ، كانت أقدر على مواجهة هذا العدو ، والذي يُهدِّد الحياة البشرية عُمومًا ، فإنَّ البَشَرية سَتَسْتَخْلِص حَتماً، من المُواجهة التي حَصَلَت ، من هذه الحرب العالمية ذات الطابع المختلف، الكثير ، الكثير من الـدُّروس والعِبَر …
ما هُوَ بصَدَد التغير ، يا صديقتي ، هو مَوازين القُوى ، ومفاعيل القُوى في تلك الموازين ، ووَقْعها على البَشَر والحَجَر في هذا العالم ،…
ولا التَّغير يَعني أنْ تَكْسَبَ قُوى مَساحات جديدة ، وأن تَفقد قُوى مُقابِلة تلك المساحات ،.. فانَّ من سَيَسْتَفيد ، هو تلك الدول والقوى / الحركات المتحالفة مع قوى التغيير التي ستكسب ، والتي ستتمكن ، في مرحلة تالية ،من الإنضواء في مُعسكرها …
العالَم القادِم سَيَتغير ،.. هذا صحيح ..!
مُعَسْكرات جديدة ، وتحالفات مختلفة ، في مرحلة الصراع القريبة القادمة ، سَتَتشكل … هذا صحيح ،..!
ولأن الصراع مُستَمِر ،وطبيعته ستأخذ أشكالاً أُخرى …ولأن موازين القوى والتحالفات تَتغير ، فيجب علينا ، كفلسطينيين في أرضنا المحتلة وخارجها ، أن نُعيد تَنظيم صفوفنا ، وأن نَمتلك إستراتيجية نِضال وطني جديدة ، وبرنامجا جديداً للنضال ، إذا أردنا لقضيتنا أنْ تَنتصر ، وللدولة الديمقراطية الواحدة على أرض فلسطين ،من البحر الى النهر، المترابطة مع بيئتها العربية والإقليمية أن تَرى النّور
عبد الرحمن البيطار
١٩ نيسان ٢٠٢٠
عمان في الزمن الكوروني