Menu Close

مع نور الهدى في :… يا جارة الوادي ….

يومية السبت الموافق ١٧ تشرين اول ٢٠٢٠..

أعترف أن “نور الهدى” تُثيرني بشَذى صوتها الدافىء وعلى الأخص وهي تَشدو كَلِمات ” يا جارةَ الوادي … طَرِبتُ”..و تَذوب وتُحَلِّق مع حُروف كلمات هذ القصيدة الرائعة ، ومع مَعانيها ،.. في آفاق فضاءٍ تمتد حدوده بقدر ما يَسمح به خَيالُ عاشِقٍ طَرَحِه الغرام صريع الهوى…

“لم أَدْرِ ما طيبُ العِناق عَلى الهوى// حتى تَرَفَّقَ ساعِدي فَطَواكِ… !”

ما أجمل هذه الكلمات …!

في آداءها لهذه الأُغنية في العام ١٩٦٩ في لبنان ،… بَلَغَتْ ” نور الهدى ” وبحق ، مَرْتبة ” سُلطانة الغناء العربي “،… في وقت كان مليئاً بسلاطين الغِناء وملكات الطَّرب …!

رَأيتُ أن ابدأ يَوميتي هَذِه بهذه المُقَدِّمة …! فَقَدَ خَرَجتُ ليلة البارحة من مَخاضٍ إخترتُ أنْ أعيشه لوحدي …

كانت الساعة قد تجاوزتْ الحادية عشرة قبل مُنتصف الليل عندما قَرَّرتُ أنْ ألزم فِراشي وأَخلُدَ الى النّوم … وقَبْلَ أنْ أنام ، قَرأتُ تَرْجمةً لمَقالٍ نَشَرَته “الغد” قبل يومين بعنوان ” أمريكا ليست مُخَوَّلَة لقِيادة العالَم “…!

وفِي طريقي الى التَّخت ، رَفَعْتُ أباجور الغُرْفة نحو ثلاثين سم لكي أسمح بمزيد من هَواء الليل المُنْعِش القادم من الشمال أنْ يَزورني في غُرْفَتي خلال فترة نَوْمي ، وهو هَواء يَحْمِل في طياته برودة لذيذة …!

لكن ، وما أن ألقيتُ بجسمي على التخت ، والتفحتُ بلحاف خفيف ، حتى أصابتني فجأة قشعريرة غامضة … لمْ أُدْرك كُنهها … كانَتْ لَحوحةٌ الى درجةٍ مُزعجة … أي الى درجة جَعَلَتني أبحث عن غطاء آخر أُضيفه على اللحاف الذي التحفتُ به..لعله يَمنحني مزيداً من الدِّفء أقاوم به هَجمة تلك القشعريرة … !

ولأني اعرف أن عوارض القشعريرة وحالة التّبَرُّد ،.. تعني ارتفاعا في درجة حرارة الجسم ،.. ولأنَّ هذا الارتفاع قد يَحْمِل أكثر من رسالة مِنْها واحدة من ” ڤيروس الكورونا “… فَقَد أقلقني الأمر …!

لَمْ ينجح الغطاء الجَديد بمُهِمَّته ،… فقُمتُ من الفِراش ، وأنزلتُ أباجور الغُرفة الذي كنتُ قد رَفَعته قبل قليل في محاولة لكتم أنفاس شُبّاك الغُرفة ولمنع الهواء البارد من التسلل عبر تِلكَ الكوّة التي حاولتُ المحافظة عليها كعادتي في كل ليلة ،.لعلَّ ذلك يُقلل من شعوري بالبرد ، وَمِنْ قشعريرتي كذلك .. وعُدتُ الى السَّرير ..

هذه المحاولة فَشِلَتْ أيضا في التغلب على قشعريرةٍ تَطورَّتْ الى نوع من الرَّجفة الناجمة عن شعورٍ ببردٍ شَديد … أي بحرارةٍ عاليه ..!

تركتُ سريري مرة ثالثة ، تناولتُ حَبَّتين “بانادول” ، وارتديتُ بنطلون “البيجامة” وجاكيتها كما أفعل فَقَط أيّام البَرْد في شتاءات الفصول … لا بل ودَهَنتُ صَدري وجَبيني ورَقبتي بدهون ” الفيكس “( Vicks) المُكَثَّف…!

و …تَركتُ لجسمي أن يتفاعل مع كل هذه الاجراءات وحاولتُ النَّوم ….

طيلة الوقت ، كان يتملكني قَلَقٌ دَفين ،… كنتُ أتساءل ؛ هل ما أشعر به هو من أعراض الكورونا … ؟!

هل أوقظ ُ”مُنى” وأُخبرها بحالتي …!؟

كُنتُ متردداً ..!

شَيْءٌ ما داخلي كان يُهاتفني ويقول لي ؛ لا تفعل ..!

هذا مجرد عارَضٌ وسينتهي الأمر بسلام …!

أَخَذَت أتذكر ماذا فعلت خلال الأيام القليلة الماضية ، وتذكرتُ أني خَضَعتُ لفَحص كورونا في مختبر بيو لاب يوم الإثنين الماضي في ذاتِ اليوم الذي غادَرت فيه عَمّان مُتجهاً الى العقبة لتفقد أوضاع مشروع هناك نتولى تقديم خدمات إدارة إنشاء لَه ،..!

أذكرُ يَوْمها أنّي شعرت بنوع من القلق عندما أَمضيتُ الوَقْتِ بعد وصولي العقبة في الثالثة عصراً وحتى السادسة الا عَشْر دَقائق انتظر نتائج الفَحْص ، الى أن جاءت اخيرا ببُشرى أنّها ” سلبيه”..!

وكنتُ دوما أتساءل ، ماذا يعني أن تتكون النّتائج سلبيه ،..!؟ ، فهي سلبية حتى اللحظة التي تم فيها إجراء الفحص ،… وكونها كذلك لا يمنع فيروس الكورونا من ان يكون قد انقض عليك في اي لحظة بَعْدَها …!

ولأن الوقت قد تأخر عند ظهور نتائج الفحص ، فلم اتمكن من زيارة المَشروع ،..! فأمضيتُ الوقت في الفُنْدق أقرأ أُطروحةً عن ” حق العودة “،… إلى أن يأتِ إليَّ صديقي “أَنَس” ، لنذهب معا كالعادة لتناول طعام العشاء في مطعم ” علي بابا “..!

وتَفَكّرتُ في أمرٌ الكورونا ، وخاطبتُ نَفسي قائلاً ؛

في اليوم التالي لوصولي العقبة ، ذَهَبَت الى الموقع ، وهُناك ، قابلتُ كثيرين واجتمعت معهم ،… صحيحٌ أني كُنْتُ ألتزم بارتداء الكمامة ، وأُلزم الآخرين بذلك ،… ولكن من يدري في أي ركنٍ يربض فيروس الكورنا ومن يختار أن يَصطاد ..!

وفي فُنْدُق الكيمبنسكي الذي أقمتُ فيه ، التقيتُ بقليلٍ من الناسِ هناك ، وكذلك في مطعم “علي بابا” في ليلة اليوم الذي وَصَلَت فيه العقبة …

لا بل ، فِي المحلات التي دخلتها في اليوم التالي في طريق العودة الى عمان ؛ أي في محطة البنزين ، وسوبر ماركت على الطريق ، وحمام السوبر ماركت … في كل هذه الاماكن ، أنت مَعرض للاصابة ،… فمن يدري ، اين يُنتظر فيروس الكورونا على امتداد هذا الطريق ؟!

وفي اليوم التالي لعودتي الى عمان ، اي في يوم الاربعاء ، ذَهَبْتُ مع اخي سيف الى مركز الحسين للسّرطان ،

كان باسبورت الدخول الى المُستشفى هو أن تقف امام شاشة لـقياس درجة حرارة الجسم ، فإذا كانت اقل من ٣٧ درجة ، يُسمح لك ان تَمضي الى داخِل ردهات المَرْكز …

وهناك خَضَعتُ لفحوص دورية روتينية ،..

وكانت قد اتصلت بي المُمرضة المَسؤولة عن متابعة حالتي العلاجية في المركز ، واخبرتني أن الدكتور المُعالَج يُفضل أن أُحقَنَ هذا اليوم بـ ” مطعوم الإنفلونزا ” ، لعله يقيني من مَخاطر الإنفلونزا قَبْلَ دُخول فصل الشتاء …!

واذكر انه في ذلك اليوم ، اي الاربعاء الماضي ، قبل ثلاثة ايام ، وبعد ان تم حَقني بإبرة المطعوم في عضلة يَدي اليسرى عند مفصل الكتف ، ان الممرض اخبرني اني قد اشعر بنوع من الانفلونزا الخفيفة خلال اليومين التاليين مَصحوباً بارتفاع خفيف لدرجةِ حرارة جِسمي ،.. وأن ذلك مجرد احتمال فقط ،وقال : اذا ما حصل ذلك ، لا تَقْلَق ، تَناول عِنْدها حَبَّتين “بنادول”..!

لكنّي ، في تلك الليلة ، بَين أنْ أُصَدِّق الممرض ، وبَيْنَ أن أُفسِح المجال لمخاوف أن أكون قد التقطت عَدوى فيروس الكورونا أَنْ تتملكني ،.. فقد بَقيتُ مُتَنَبِّهاً لساعات ، وبَقِيَ قَلَقٌ دفين يُهاجِسُني طيلة الوقت الى أن انتبهتُ الى نَفسي أقطر عَرَقاً ، …

عندها ، وَضَعتُ يَدَي على القميص التحتاني الذي أرتديه … كان مُبتلاً تماماً من العَرَق الذي أهدرته… وعِنْدَ ذلك فَقَط ،… شَعرتُ نَفْسي أتحرر من الحرارة التي داهمتني ، وما لازمها من قَشعريرة وحالة إنبراد…

في تلك اللحظة فقط ،… تَرَكتُ السّرير ، نَظَرتُ الى السّاعة القريبة من سريري ،.. كان عقرب الدقائق مستقرا عند رقم (٢٠) دَقيقة ، وكان عقرب الساعات يرقد بهناء عِنْد رقم ” الثّانية ” بَعْد مُنتصف الليل ،… عندها ، خلعتُ قميصي المبلول ، وبَدَّلتَه ،.. وعُدتُ الى السرير ،.. وتركتُ نفسي لسلطان نّوْمٍ زارَني فقط بعد أن تم دَحْر سُلطان الحرارة والقشعريرة …

وكان هاتفٌ يخاطبني في تلك اللحظات عندما كان جفناي يُغالبهما النَّوم ،ويَقول ؛ هذا الجِسْم ، يحرسه فقط نِظام مَناعة شَرْط ان يكون عاملاً …! فمرحى لمفاعيل نظام المَناعة عِنْدما تَعمل في الوقت المناسب …

عَمّان

١٧ تشرين اول ٢٠٢٠

عبد الرحمن البيطار