بين مقالات عديدة أقتطعها من صفحات جريدة ” الغد ” ، وأحتفظ بها لوقت أتمكن فيه من قراءتها ، مقال بعنوان ” كيف انتزعت إيطاليا الصحة من أنياب الموت ؟” .كتبته ” اليزابيث براو ” في مجلة “الفوزين بوليسي” …التقطتُ تلك الصفحة ، وقرأته ، ولفت انتباهي مقطع في المقال يقول :
” يُعتقد أن فيروس كورونا المستجد وصل الى ايطاليا في أواخر كانون الثاني ، بعد وصول مسافر مُصاب من الصين . وبحلول ٣١ كانون الثاني ، كانت لدى البلد حالتان مؤكدتان من الإصابة بـ” كوفيد ١٩” . وبعد اربعة أسابيع ونصف لاحقاً ، مع وجود اكثر من (٣٠٠٠) حالة مؤكدة ، أغلقت الحكومة المدارس والجامعات ،…”.
تَذكَّرْتُ ، وأنا أقرأ المقال ، أنّي ، أنا ومنى ، وهِبَه ، كُنّا قد وَصَلنا روما من فرانكفورت في يوم ٢٦ كانون الثاني ، وذلك بعد ان أنهيتُ في مُستشفى جامعة هايدلبيرغ الفحوصات الطبية الروتينية للمتابعات العِلاجِيّة بعد نجاح عَملية “زراعة الخلايا الجَذْعِيّة ” والتي كانت قد تَمَّتْ في مثل هذا اليوم من عام ٢٠١٧ ( أي ١٧ تشرين الثاني ) تحت إشراف فريق طبي بِـقيادة البروفسور ” بيتر دريچر ” ،وأذْكُرُ أنه لدى وصولنا المَطار ، لم يكن أحدا من المسافرين في المطار مُكَمّماً ، ولكن وفي يوم مغادرتنا مطار فيو ميتشينو في روما ، أي في اليوم الاول من شباط ٢٠٢٠ ، فَقَد أَخذتُ أُلاحظُ أَنَّ كثيرين من المسافرين في المطار من ذوي الملامح الآسيوية الصينية واليابانية كانوا مُكَمَّمين،… وقد أثار ذلك إستغرابي ،… فلم تكن أخبار الجائحة قد تم وَعْي أبعادها بعد في اوروبا، ولا في بلادِ الشرق الاوسط أو الامريكيتين … !
وأنا أكتب هذه اليومية ، أخذتُ استرجع ذكريات الأيام الجميلة التي أمضيناها في روما ؛ “المدينة الرائعة ،ومَسْرَح مَتْحَف الحضارة الإنساني المفتوح ” ، كنا نقضي الوقت في مطاعمها ، في معالمها السياحية ، في شوارعها وأزقتها ، في متاجرها ،…الخ ،
وقُلتُ في نَفسي : في تلك الايام ، كان ” الڤيروس ” رابضاً في أركان البلد ، يتحفز للإنقضاض على ضَحاياه من الناس ؛ سُكّان البِلاد ، وزُوّارها ،… فحسب المقال ، فإنّه ، وفي ٢٢ آذار ٢٠٢٠ ، كان ” الڤيروس ” قد نجح في اصطياد ما يزيد على (٦٠،٠٠٠) حالة إصابة مؤكدة، وأنّه وفي يوم ٢٦ آذار ، كان قد قَبَضَ على أرواح (٧١٢) إيطالياً وزائراً لإيطاليا ، وأنه وفي اليوم التالي فقط ، قتل ” الڤيروس ” (٩١٩) آخرين ….
نَعَم ، وأنا أستعرض ُ وقائعُ تِلك الأيام ، والإحتمالات التي كانت تَحملها في ثناياها ، فإنَّ صُورة الوَضْع ، كانت بالفعل مخيفة وقاتمة ، ولكن أحداً لم يكن يَعي تماما ً ما كُنّا مُقبلين عليه ، ولا يأخذ تحذيرات الصّين ، ولا منظمة الصحة العالمية محمل الجد على النحو اللازم … ! ، وربما أن تصريحات الرئيس الأمريكي ترامب في تلك الفترة التي كانت تستهين بـ ” الڤيروس ” ومخاطره ، قَدْ ساهَمَت في تَعطيل مساعي التحوط او تبطيئها الى حد كبير
يقول المقال ، ان إيطاليا قد بدت عالقة في دوامة انحدارية مدمرة ، وإن كانت مَصحوبة برومانسية الشرفات . فقد تمكنت بعد نِصف عام فقط ، من تنزيل معدل الإصابات الى (٣٤) إصابة فقط لكل (١٠٠،٠٠٠) مواطن في (١٤) يوم ، وهو يُقارب معدل آداء ألمانيا البالغ (٢٦) حالة لكل (١٠٠،٠٠٠) ، وهو أيضا رقم يقل عما مما شهدته اسبانيا (٣١١) وفرنسا ( ١٩٣) للفترة ذاتها .
ويضيف المقال ، بأن إيطاليا التي ابتلت بالوباء بقسوة ، قد تَمكنت من تَنظيم تكريم محترم لأُولئك الذين أودى ” الفيروس ” بحياتهم ، وانه ، وفي حزيران الماضي ، فقد قدمت مدينة ” بيرغامو ” عَرْضاً رائعاً لموسيقى ” القداس ” للمؤلف الأوبرالي من القرن التاسع عشر ، غايتانو دونيزيتي ، ابن المدينة التي داهمها الوباء بشدة ، وبالتّالي ، فقد ارست سابِقة للمدن الايطالية الاخرى ، ولبلاد العالم لتكريم ضحايا الجائحة .
اقتطف من المقال هذه الاخبار ، وانا ومُنذ عِدّة اسابيع ، أتابع مجريات الأمورفي الاردن وذلِك فيما يتعلق بوباء الكورونا ، واجراءات مكافحته ، وأتساءل ، هل الاستراتيجية المتبعة في بلادنا في مواجهة الدمار العميق للتعافي من ” ڤيروس كورونا ” هي استراتيجية سليمة …؟! . لقد تمكنت ايطاليا ، وبلاد كَثيرة من تسطيح المنحنى ، ومُواجهة الوباء ،.. فلماذا ارتبكنا في حَمْلة مواجهته …
تقول كاتبة المقال ، أنَّ أحد الخبراء قد جادل مُوَضِّحاً ” أنّ الحكومات تحتاج الى معاملة الجُمهور كمُوَرِّد بدلاً من معاملتهم كعِبء أثناء الأزمات “. وأنَّه “سوف يكون هناك المزيد من الأزمات ، سواء ناتجة عن الطّبيعة الأُم أو بسبب دُوَل مُعادية “. و كذلك فإنّه ، ” من المُرَجّح أن يلعب الجُمهور دوراً مُنتجاً إذا شَعَرَ بأنّه مُمَكَّن أكثر من كونه مُجْبَرَاً ” .
أكتب هذه الكلمات ، وأنا أرى وأسمع ، وأقرأ عن كثيرين كثيرين حولنا يُغادرون الحياة بفِعْلِ هذا ” الفيروس ” اللعين ، وربما بفعل قصور الإجراءات ، و/ او التقصير … فما نواجهه في هذه الأوقات هو وباء يَدُق أبواب بيوتنا ، لا بل وجدرانها أيضاً ، في كل وقت من اوقات اليوم ،… الى درجة أصبح فيها حتى الإتقاء سلعة ليس بمقدور كل منا اقتناءها …
كُنْتُ أرغب في هذا اليوم أن أكتب عن ” يوم مَوْلِدي “… الجديد – ١٧ تشرين الثاني ٢٠١٧،… هذه المرة ليس في فلسطين / نابلس ، وإنما في هايدلبيرغ المانيا …
في هذه المرَّة كانت أُختي ” سائدة “، هي الأُم …وقد حَلّت مَحَل أُمّي ” سلوى ” التي كانت قد غادَرتنا في ١١ آب ٢٠١٧ … يجمع بينهما اشياء كثيرة ، وليس حَرْفَ ” السّينِ ” فقط ،..
لقد منحتني سائدة هذه المرة أُكسير الحياة مَنْ خلاياها الجَذْعِية … ! ، كانت كريمة جدا ً، فَمَع ان حاجتي كانت تقتصر على (٤،٦ ) مليون خليّة ، فقد منحتني (٨،٩) مليون خلية ،… ما أرْوَعِك يا سائدة ، ما أروع العَطاء …
أنا مدينٌ لسائِدة ، ولكل من وقف معي في ذلك الإمتحان … دَيْنٌ من حُبٍّ لا يَنْضَبْ … أشكركم
عبد الرحمن البيطار
عَمان في الزّمن الكوروني
