Menu Close

في ذكرى صدور قرار التقسيم ، ويوم التضامن مع الشعب العربي الفلسطيني

في ذكرى صدور قرار تقسيم فلسطين ، ويوم التضامن الدولي مع الشعب العربي الفلسطيني ، ضحية التّطهير العِرْقي ، والمشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني العُنصري ، في فلسطين وفي الشّتات

********************

” فلنعمل معا على تجديد التزامنا تجاه الشعب الفلسطيني في سعيه إلى الحصول على حقوقه غير القابلة للتصرف وبناء مستقبل يسود فيه السلام والكرامة والعدالة والأمن.”…

بهذه الكلمات ، اختتم الأمين العام للأُمم المتحدة ” أنطونيو غوتيريش ” رسالته التي وجهها لبلدان العالم وللرأي العام الدولي بمُناسبة اليوم الدّولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني .

وكانت الجمعية العامة للأُمم المتحدة قد اتخذت قرارا في إطار جلساتها المُنْعَقدة في نطاق الدورة الثانية والثلاثين لاجتماعات الجمعية في العام ١٩٧٧ ، يَقضي ضِمن ما يَقضي اليه ، بالإضافة الى التأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف ، بتنظيم احتفال سنوي بيوم ٢٩ تشرين الثاني ( نوڤمبر ) باعتباره اليوم الدّولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني ،وذلك ابتداء من العام ١٩٧٨.

أما يوم ٢٩ تشرين الثاني ، فهو اليوم من العام ١٩٤٧ الذي أصْدَرَت فيه الجمعية العامة للامم المتحدة قَرار تّقسيم فلسطين رقم ( ١٨١ ).

حول هذه الواقعة في تاريخ الشعب العربي الفلسطيني ، كتبتُ قبل سنتين ، وكنتِ في هايدلبيرغ أخضع للعلاج من لوكيميا الدم الحاد ، عددا من اليَوْمِيات ، القيت فيها الضوء على عناصر في القَرار ، وعلى المَشهد في فلسطين عِنْد صُدوره .

ولأنّي أُراجِع هذه الأيام مسودة الجزء الثاني من يومياتي ، فَقَد وَجَدتُ في اعادة نَشر عدد من هذه اليَوْمِيات ، بهذه المناسبة ،أمراً مُفيداً ، وهي يومياتي وأنا لازلت أخضع للعلاج ، لذا فهي مزيج يختلط فيها الخاص مع العام ، والذات مع الموضوع ،… وربما يجعل ذلك منها ، مادة إنسانية سهلٌ إستساغتها ، وأفعل أثراً ، وذلك بعد مرور أكثر من سبعين عاما على حصول وقائعها ، والتي لا يزال شَعبنا يَعيشَ آثارها حتى هذه اللحظات .

عبد الرحمن البيطار

عمان في ٢٨ تشرين الثاني ٢٠٢٠

ماذا كَتَبتُ في يوم السبت الموافق ٢٧ كانون الثاني من العام ٢٠١٨

” الكتابة عن فلسطين مُوجِعَة،.. لكن الوَجَع الأكبر لا بل الطامةُ الكبرى تكْمُن في أنْ لا نَنْجح في نَقْلِ الوعي بالأحداث الماضية ، أو ما هو مُهِمٌ فيها ، وكما حَصَلت بدون تَزْويق او تَزْييف أو تَشْويه الى أبناء الجيل الصّاعد من شعبنا المِعْطاء .. وفي إتاحة المَعلومات بِخصوصها لهم ، لِيُكَوِّنوا هُم رَأْيَهُم فيها ، ولتَمْكينِهم هُم من استخدامها في الوقت وعلى النحو وبالشكل الذي يُتْقِنونه أكثر ، كَيْ يَكون التأثير على أفراد وجماعات الجيل الذي ينتموا اليه في عالم اليوم ، ومن كل الأعراق والأجناس والمعتقدات ، داخل البلاد وخارجها ، وبكل اللغات، أّكْثَرُ وَقْعاً وأعمقُ تأثيراً .

ذلك هو أقل ما يُمكن أن يَفْعَله جيلنا وهو يُسَلِّم رايات النضال ومواصلة المسيرة الى الجيل الصاعد من أبناء شعبنا ..

وهذه الغاية هي واحدة من الغايات التي أرنو المشاركة في تحقيقها من وراءِ سُطورِ يومياتي هذه . ولا أعرف إِنْ كُنتُ بِأُسلوبي في الكتابة ، وطريقتي في تقديم المعلومة قادراً على اختراق حواجز الزمن والأجيال للوصول الى قلوب وعقول شريحة او قطاع من أبناء الجيل الصاعد في بلادنا .

وأنا أكتب هذه السُّطور ، رنَّ جرس الإنذار في موبايل هبة ، مُؤْذِناً بأنَّ مّوعد تَناول نَوْبة جديدة من جُرَع الدَّواء قد أَزَف …، فقمتُ من مقعدي ، وتناولتُ الدواء ،…

جَرَسُ الإنذارِ هذا ، يَقْرّع عَشْر مَرّات في اليوم ،… وقد أصبح يُثير أعصابي ،… ! ، ولكنَّ المُديرة ” هِبة ” صارمة ، ولا مَزْحَ معها في أِمورِ الدواء ، وهيَ لي دَوْماً بالمِرْصاد ،… فلا مجال للتأخر في الإستجابة او التهرب من تناول الدواء وبمواعيده …!

عُدت قبل قليل من رِحلة زُرت فيها احد الاصدقاء الذي جاء من عمّان قبل نحو اسبوع والذي خَضع لعملية دقيقة في مستشفى هايدلبيرغ تم فيها استخدام تكنولوجيا عالية التقنية في ازالة ورم سرطاني باستخدام تقنية ” داڤينشي روبوت “،،.. !

ومع ان العملية قد نُفِّذت صباح يوم الأربعاء ، الا أنه سُمَحّ له بالخروج من المستشفى بوم أمس ، ورأيته بعد ظهر هذا اليوم في غرفتة في الفندق، بأحوالْ جيدة جداً…

ما استرعى انتباهي في هذه العملية أن تنفيذها يقتضي ان يكون المريض في وضع شبه ” شاقولي ” ورأسه الى الأسفل لمدة ثلاثة ساعات او أكثر ، …!

المهم ، أن العملية قد انتهت بنجاح كامل ، وان المريض في صحة جيدة ويتعافى .

كُنْتُ ، دَوْماً أسألُ نَفْسي ؛ كيف استقبلت فلسطين قرار التقسيم ..؟ ما هو مشهد الأحداث فيها صبيحة اليوم التالي لصدور القرار ….؟

لم أكنْ حينها قد وُِلِدت ، فقد أَبْصرت النّور في ١١ حزيران ١٩٤٨ ، أي بعد صدور القرار بستة أشهر وإثنا عشر يوماً في ليلة الهدنة الاولى ما بين ” الوِحْدات العَسْكرية العربية ” التي دخلت فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٨، و وِحْدات الهاچاناة والمنظمات الإرهابية الرديفة لها .

لا أعرف إلى أي حَدٍ كان ” القِتال ” قد بَلّغَ مداه فيما بين الوحدات العسكرية العربية والصهيونية على أرض فلسطين عَشِيٌة إعلان تلك الهُدْنة …!، فقد رأيتُ أنَّ إعلانها ووقف القتال بعد (٢٦) يوما فقط من بِدْءه هو امرٌ مُبَكِّر واستغربت حدوثه قبل حَصْد بعض النتائج ….. ؟!

ولم أكن اعرف ، ولا أعرف حتى تاريخه مَن بادرَ بِطَلبِ الهُدْنة ، ولِمَ …!؟

لَمْ أَعُد أسْتَغْرِب قِصَر وَقْت القِتال في المواجهات العربية الصهيونية ،وطلب وَقْفه ، وذلك بعد أن عِشْت تجربة حرب حزيران ١٩٦٧ المُرَّة والمريرة ، حين حُسِمَت المعركة وتوقف القِتال عملياً بعد خمسة أيام ، لا (٢٦) يوما كما حصل في مواجهات أيار / حزيران عام ١٩٤٨.

جيلنا لم يُعْطِ اهتماماً كافيا للإِلمام بتفاصيل تِلْكَ المَرْحلة من الزمن ، ومَعارِفه عنها غالبا ما تكون سَمْعِيّة عن الرُّواة ، وهي ليست كافية ، وبالتأكيد تَنْقِصها الدِقّة …!

لذا ، فقد بقينا على غير مَعْرَفة او إدراك كافٍ بحقيقة موازين القوى في تلك الفترة ، وبَقِيَت تساؤلات مثل ؛ كيف انهزمنا ولِمَ انهزمنا …! تساؤلات مشروعة حتى تاريخه …!

لَمّا صدر قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، كان ممثلوا ستة دول عربية في تلك الجلسة ، وقد عارضو القرار ( السعودية، مصر ، سوريا ، لبنان ، اليمن ، العراق ) مع سبعة دول أخرى .

كنتُ أبحث بين الوفود العربية عن ممثلٍ لفلسطين ، فلم أَجِده . فلسطين كانت على المَشْرَحة يجري ” تمزيقها ” و ” تَحصيصها “، ولكنها كانت غائبة او مُغَيَّبة .

وهي كانت مُغَيَّبة عند احتلال بريطانيا لفلسطين في كانون اول ١٩١٧، وكانت عندها في عُهْدة العثمانيين وفِي حُضْنِهم .

وتم تغييبها كذلك عندما أصدرت بريطانيا ما نُسَمّيه نَحنُ ” وَعْد بلفور ” ، وما يُسَمِّيه أصحاب الوَعْد ” تصريح بلفور ” ، والذي أصدرته الحكومةالبريطانية في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧ بعد مشاورات مكثفة مع ممثلي الحركة الصهيونية في بريطانيا وخارجها ، ومع الرئيس الأمريكي ودرو ويلسون ، ولكن دون استشارة أيٍ من أهل البلاد ، هذا على الرغم من أن قنوات الإتصال الرسمي بينها وبين الشريف حسين باعتباره ممثلاً للجانب العربي كانت مفتوحة منذ العام ١٩١٥ ، لا بَلْ وأبكَر ، إلا أنه يبدو أنها لم تجد ضرورة او حافزاً ، لا بل لم تكن لديها الرغبة في التباحث حول فلسطين- وهي جزء من المنطقة التي كان الشريف حسين يطالب بريطانيا بالإعتراف بِمُلْكِه عليها- مع الشريف او مع أيٍ من سكان فلسطين . واكتفت بالتباحث مع ممثلي الحركة الصهيونية لتقرير مصير البلاد .

لذلك وانطلاقاً من الحيثيات أعلاه ، فقد بلغ التمادي البريطاني حداً غير معقول عندما قررت أيضاً المُضي في تغييب فلسطين والفلسطينيين عند إعدادها لمسودة صك الانتداب ، وعند تقديمه لعُصبْة الامم ، وعند إقناع العُصْبة بإقراره ، ونقله الى حيّز التنفيذ في أيلول ١٩٢٣،…

إذن ،كان تغييب بريطانيا لفلسطين والفلسطينيين – وَمَنْ تَبِعَها بعد ذلك ( الولايات المتحدة وفرنسا ) فعُصبة الامم – في تلك المرحلة مقصوداً وعن سابق إصرار وتَرَصُّد .

كان التغييب بحد ذاته فاضحاً ومُخزياً ومُحزِناً ، ومع أنٌَ الرئيس الأمريكي ويلسون قَدْ شّدَّدَ في الخطاب الذي ألقاه في مؤتمر ” الصُلْح ” او ” السّلام ” الذي انعقد في ڤيرساي في العام ١٩١٩على مبدأ حق الشعوب -التي كانت محكومة من قبل تركيا وغيرها – في تقرير مصيرها ، الا انه تغاضى عن تطبيق هذا المَبدأ في حالة فلسطين ، ومضى في حذو بريطانيا في تأييده لوعد / تصريح بلفور على اعتبار أنَّ “وَعْد ” او ” تصريح ” بلفور قد بَتَّ في مَصيرها لصالح إقامة وطن قومي لليهود فيها ، وحَسَمَه بصورة نهائية وكأنه قَدَرَاً مَقْضياً لا يملك سكان فلسطين حق الاعتراض عليه ولا مقاومته.

كانت بريطانيا تُدْرِك ، وكذلك الولايات المتحدة ، ودوّل مجلس العُصْبة والدول الأعضاء فيها -ولم يكن بينهم كيانٌ عربي سوى ” مملكة الحجاز “- أنَّ أَخْذ رأي الشّعب الفلسطيني في موضوع ” إقامة ” وطن قومي لليهود في فلسطين وفتح باب هجرة اليهود اليها سوف يُقابله الفلسطينيون العرب بالرفض المُطْلَق . وقد كان بإمكان بريطانيا ان تَسْتَفْتي سكان فلسطين بعد ان احتلت تلك البلاد في كانون اول ١٩١٧، ولكنها لم تفعل ، ولم يكن في نيتها أن تفعل ، لأنها كانت قد قررت هي والولايات المتحدة – وأقنعت مجلس عُصبة الامم فيما بعد – أنْ لا حاجة لأخذ رأي الشعب الفلسطيني في أمرٍ من المؤكد لها أنه سيرفضه ، ولأن أخذ رأيه في أمر إقامة وطن قومي لليهود في أراضيه من شأنه أن يؤدي الى وضع عراقيل في طريق تحقيق المشروع الصهيوني الاستيطاني الاستعماري الذي تبنته الحكومة البريطانية بصورة رسمية قَبْلَ أنْ تستكمل احتلال فلسطين ( في ٢ تشرين الثاني ١٩١٧) .

وبذلك تكون بريطانيا أولاً ثم الولايات المتحدة ، وأيضا دول عصبة الامم ومجلسها قد قرروا – بصورة منفردة ، وبعد ان تصرفوا بحقوقه الوطنية والسياسية ومنحوها للغير- أن ما يَسْتَحِقه هذا الشعب من حقوق لا يَجب أن تتعدى حَيّزَ ” الحقوق الدينية والمدنية ” ، على اعتبار أنه مُجَرّد طائفة او جالية مُقيمة على أرض فلسطين والتي هي في اعتبارهم ” وَطنٌ” لقوم آخرين تمثله الحركة الصهيونية .

ومن المفارقة والسخرية ان الشَّعب العربي الفلسطيني ، صاحب البلاد الفلسطينية قد انتهى به الأمر في ١٥ أيار ١٩٤٨ ، مُشْرداً عن وطنه ،وفاقدا لأملاكه ….وحتّى. بدون أيٍ من تلك الحقوق المَّسْخوطة والمَمْسوخة( المدنية والدينية ) التي كَفِلَتْ بريطانيا( العُظمى! ) والولايات المتحدة الأمربكية ( صاحبة اعلان حق تقرر المصير للشعوب الواقعة تحت الاحتلال ) ومجلس عُصْبة الامم ، بصورة رسمية – وحسب نص وعد او تصريح بلفور ، و البيانات الرسمية الصادرة عن الكونغرس الأمريكي في ذلك الوقت ، وحسب أحكام صك الإنتداب المُقَر من قِبَل عصبة الأُمم في ٢٤ تموز ١٩٢٢- بأن تُصانَ ولا تُمَس بأي شكلٍ من الأشكال .

لقد استمر مسلسل غياب التمثيل الفلسطيني وتغييبه مدة طويلة منذئذ ، وتشهد وقائع وأحداث كثيرة على ذلك ، وربما ولهذا السبب ، يعاني الفلسطينيون وحتى هذه اللحظة من حساسية بالغة عندما يتصل الوضع بأمر تمثيلهم ، وما يُسمّى بـ” القرار الفلسطيني المستقل “…

وعليه ونتيجة للتغييب المقصود ، وغياب أصوات عربية مسؤولة -ذات رؤية استراتيجية طيلة الفترة السابقة لإعلان قيام دولة الكيان في ١٤ أيار ١٩٤-، تملك حرية وإرادة اتخاذ القرارات باستقلالية ،… فقد وجد الشعب الفلسطيني وقيادته أنفسهم عَشِيّة صدور قرار التقسيم في حالة ضياع وفقدان إرادة ، وشلل عن الحركة وعدم مقدرة على توفير إمكانات الصمود والمواجهة ،…في مواجهة عدو قرر المواجهة مستنداً الى الحق الممنوح له بموجب قرار التقسيم ، وهو عدو في غاية التنظيم ، مُجَهَّز ومَدعوم صهيونياً ودولياً ومُستعد تماما لهذه اللحظة ولتولّي أمور إدارة شؤونه بنفسه بعد ان قررت بريطانيا إنهاء انتدابها في ١٥ أيار ١٩٤٨ وإتمام سحب قواتها من البلاد، وهي اللحظة التي عمل منذ عام ١٨٩٧ على تهيئة الأحوال الدولية والمحلية الملائمة لتحقيق أهدافه فيها.

وما دمنا نحكي عن الغياب والتغييب ، فقد غَيَّبت الحركة الوطنية الفلسطينية نفسها عن تبيان رأيها ورأي سكان فلسطين العرب للجنة التي شَكَّلتها الامم المتحدة في نيسان ١٩٤٧ للتعرف على رأي سكان البلاد في مشروع تقسيم فلسطين وبهدف تقرير مصير فلسطين ، والتي التقتْ بصورة واسعة مع ممثلي الحركة الصهيونية والمهاجرين الصهاينة الى فلسطين بما فيهم مهاجرون ناجون من الهولوكوست ، داخل فلسطين وخارجها ، والتي صاغت مشروع التقسيم دون ان تتمكن من الاستماع الى آراء أغلبية سكان فلسطين والذي كان يقارب حينئذٍ (١،٨) مليون نسمة ، ثلثهم تقريبا من اليهود المهاجرين . وجاء الغياب بعد قيام اللجنة العربية العليا لفلسطين بإصدار قرارا بمقاطعة اللجنة وعدم التعاون معها . وقد مضت اللجنة في أعمالها ، وصاغت مشروعها وقدمته الى الجمعية العامة للأمم المتحدة لإقراره …، غير عابئة برأي السكان الفلسطينيين العرب ، وهو المشروع الذي بالاستناد عليه جرى في ٢٩ تشرين الثاني إصدار قرار التقسيم.

ومع أن قادة الحركة الصهيونية كانوا يَنْشدون صدور قرار باعتبار فلسطين ، كل فلسطين ، أرضا لإقامة وطنهم القومي ، الا أنهم قبلوا القرار ونظروا اليه على أنه مَنَصّة يمكن الوثوب منها لابتلاع مزيدٍ من الأرض ، وفقد عارض الغُلاةُ منهم القرار الصادر ( شامير /شتيرن وإشكول/ الإرغون ) ، في حين هَلّلَ الصهاينة اليهود المهاجرون الى فلسطين، وأؤلئك الذين بِرَسْمِ المُهاجرة لصدور القرار ، فلأول مرة في التاريخ، تقوم هيئة دولية بتخصيص جزء من أرض شعب آخر لآخرين ، وهذا الجزء كان يُمثل نحو (٥٦٪؜) من مساحة فلسطين حسب قرار التقسيم ويضم أهم أجزاء من الساحل الفلسطيني شاملاً ميناء حيفا ومدينتها.

لا بل أن القرار فى الفقرة (أ) من جزءه الاول ، فقد دعا السلطة المنتدبة أن تَبْذل أفضل مَساعيها ” لضمان الجَلاء عن مَنطقة واقعة في أراضي الدولة اليهودية تضم ميناء بحريا وأرضا خلفية لتوفير تسهيلات لهجرة كبيرة ، وذلك في ابكر موعد ممكن ، على ان لا يتأخر في أي حال عن ١ شباط ١٩٤٨”.

أما القدس ، فقد قضى الجزء الثالث من القرار ( الفقرة أ) ان يُجْعَلَ منها ” كيان مسْتقل( Corpus Sepratum) خاضع لنظام دولي خاص، وتتولى الأُمم المتحدة إدارتها ، ويُعَيَّن مجلس وصاية ليقوم بأعمال السلطة الإدارية نيابة عن الامم المتحدة “.

كما يدعو القرار الى انشاء الدولتين العربية واليهودية في ذات الوقت ، والى تأسيس” مجلس حكومة مؤقت ” في كل منهما وذلك ” بعد التشاور مع الأحزاب الديمقراطية والمنظمات العامة الاخرى في الدولتين العربية واليهودية ” ( الجزء الأول – ب) ، وقد حدد القرار الاول من نيسان ١٩٤٨ موعدا لتحقيق هذه المهمة ” وأنه إذا لم يكن في الإمكان اختيار مجلس حكومة مؤقت لأيٍ من الدولتين في ١ نيسان ١٩٤٨ ، او إذا انتخب ( المجلس) ولم يستطع الاضطلاع لمهماته، فعلى اللجنة ( لجنة الامم المتحدة المنصوص عنها في القرار ) أن تُبَلِّغ مجلس الأمن بالأمر ليتخذ إزاء هذه الدولة التدابير التي يراها ملائمة ، كما تِبَلِّغ الأمين العام به …”. ( الجزء الاول-ب).

كما دعا القرار ان ترتبط الدولتان في اتحاد اقتصادي ، وجمركي ، وحدد حقوق المواطنة للمكونين العربي واليهودي في كل من الدولتين ، وكان الوجود العربي في الحصة المخصصة للدولة اليهودية يزيد عن ثلث السكان اليهود.

كان لا بد من عمل هذه المقدمة ، قبل ان آخذكم معي في رحلة نَطّلِع فيها معاً على المشهد في ساحات فلسطين صبيحة اليوم التالي لصدور قرار التقسيم ،…

وهو موضوع أتْرِكَه ليومية غد”