هذه ايضاً يومية ، كتبتها وأنا تَحْتَ العلاج في هايدلبيرغ من سرطان الدم الحاد في ٢٨ كانون الثاني من العام ٢٠١٨، وصفت فيها المَشهد في فلسطين في الفترة التي تلت مباشرة صدور قرار التقسيم في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ، أيٍ مَشهد فلسطين في كانون اول من العام ١٩٤٧…
الأحد الموافق ٢٨ كانون الثاني ٢٠١٨
طَبقة رَقيقة من الزَّغَب الأبيض تُغَطي الرأس ..!
هذا ما لاحَظَتْهُ عَيْناي هذا الصباح وأنا أنظر بالمرآه…!
شَعْر الحاجبين عادَ للظّهور بعد ان نَمى شعر الشاربين والذَّقن …!
في لقاءي الأخير معه يوم الخميس الماضي ، شَكوْتُ للبروفسور عن ازدياد الشعور بالحاجة الى ” حَك ” مناطق مختلفة في الجِّسم …!
كُنتُ أعتقد ، ان ذلك من تأثيرات الكيماوي المُتَبَقِيّة ،.. لكنَّه فَسَّرها على نحو مختلف .
قال لي : إن الشُّعور بالحاجة الى ” الحَكّ ” ، ناجمٌ عن حركة نمو الشَّعر في الرأس وفِي الجسم ،..! وهو أمرٌ إيجابي وشعورٌ مفهوم ..!
نِمْتُ جيداً هذه الليلة وبدون حَبّة ” مُنَوٌِم “…
مُنى ؛ منذ الصباح ، مُنْشَغِلَة مع هِبة في عَمَل ” سَمبوسَك سبانخ “…! وقد اشْتَرَت البارحة ” المَرَقّ ” الخشبي الذي تَحْتاجه لفَرد عَجينة فطائر السَّبانخ …!
هِبة تَنْزَعج جداً عندما استعمل مُصْطَلَح ” سَمبوسَك ” ، و تُصِرُّ على استعمال مصطلح ” فَطيرة ” او فَطائر “،… بدلا ً عنه..!
السَمْبوسَك ، هو المصطلح الذي تَرَبَّينا على سَماعه من الوالِدة مُنذ كُنّا صغاراً ، ومن الصّعب التّخلّي. عنّه ، والـ ” سَمبوسَك ” مُتلازمٌ مع حَشْوة ” السّبانخ “،… أما مصطلح الـ “صْفِيحَه ” فهي مع ” اللَّحمة “،… !
في “يومية” هذا اليوم ، وَعَدْتكم البارحة أن أُحاوِل تَقديم وصف مُخْتَصر لـ ” مشهد فلسطين” في اليوم التالي لصدور قرار التقسيم ،… وسأستند في ذلك على ، ما جَمَّعته من معلومات من كُتُبٍ مُتَعدِّدة قرأتها خلال الأعوام الخمسة الماضية ،..! ولا أدّعي ان ما سأقدمه يعكس كل ما حصل ، فالرواية الفلسطينية عن أحداث تلك الفترة التي امتدت من ٣٠ تشرين الثاني ١٩٤٧حتى ١٥ أيار ١٩٤٨، لم تُكْتَب ، في رأيي ، بصورة شاملة بعد ، وما زالت تَفْتَقِد التوصيف الدقيق ، وهي مُبَعْثَرة ، وغير مُجّمَّعة او مُدَقَّقَة بصورة كافية …!
كان المُهاجِرون الصهاينة الى فلسطين قد أعدّو العدة منذ العام ١٩٤٤ لمِثْلِ هذا اليوم ، فقد كانت استخباراتهم قد جَمَّعَت معلومات تفصيلية عن كل قَريّة او بَلْدة او مَدينة عربية في فلسطين ، وحَدَّدت مداخلها ومخارجها ، وموارِدها ، ورَسَمت خرائطها ، وعَرَفَت أسماء المخاتير والوجهاء والعائلات التي تَقْطُن فيها ، وعن تَحَيّزاتهم الفكرية او السياسية ، او الحِزْبية ، وعن أعداد قِطَع السلاح المتوفرة فيها وأنواعها وحجم الذخائر ،…الخ ، واستخدموا في ذلك فِرَق من ” المُسْتَعْرِبين “من اليهود المتحدثين بالعربية كانوا قد نَظّموها ، وكذلك مما تَمَكّنوا من وَضْعِ اليَّدِ عَليه من معلومات متوفرة لدى سلطات الانتداب البريطانية، والتي تَوّفَّرَت لها وجمَّعَتها عن احوال القرى العربية بعد نجاحها في قمع ثورة الفلسطينيين الكبرى بين العامين ١٩٣٦و ١٩٣٨؛ هذه الثورة وذلك القمع الذي أدى الى استنزاف موارد سكان القرى والبلدات الفلسطينية التي كانت مُنْخَرِطة في فعاليات الثورة .
كما قاموا بإعداد الخطوط الرئيسيّة للخطتين “ج” و “د” المُصَمَّمَتين للتعامل مع الوضع الذي تَفْرِضه عملية تَطَوّر الأحداث .
وفِي هذا الإطار ،ينبغي أن نَذْكُر أنَّ الخطة “ج” كانت دفاعيةالطابع ، في حين اتسمت الخطة “د” بطابعها الهجومي .
وقد وَصَفَ ” ييغال يادين ” الخطة “د” التي كان هو مَنْ وضع خطوطها الرئيسيّة في عام ١٩٤٤ في مقابلة صحفية نُشِرَت بعد وفاته ، وفيها قال: كانت الخطة قد أعطت الاولوية لـ” تدمير القرى العربية الواقعة قرب المستوطنات اليهودية وطرد السكان، إضافة الى السيطرة على الشرايين الرئيسيّة للمواصلات الحيوية لليهود ، …” وطالبتْ بـ ” حصار المدن العربية القريبة ..” من خطوط المواصلات تلك .
أما ساعة الصفر لتفعيل الخطة “د” ، فكانت ستَحِل ،كما يقول ناتاينيل لورش ، عندما ” يكون الجلاء البريطاني قد بَلَغَ حداً تكون فيه الهاچاناة متمتعة بقدرٍ معقول من الأمن من التدخل البريطاني، وتكون التَّعبئة ( اليهودية ) قد بَلَغت من التقدم حَدّاً يكون تنفيذ الهجوم الواسع النطاق أمراً عملياً ” .
استقبل مناحيم بيچن قرار التقسيم بتصريح مفاده انه كان قَلِقاً من احتمال أن يَقْبَل العرب بقرار التقسيم ، وقال : ” عندها سنكون قد واجهنا الكارثة النهائية ، وهي دولة يهودية صغيرة لدرجة أنها لن تستوعب كل اليهود في العالم “، واسْتَدْرَكَ وقال : ” لكن… الإرچون كان سَيَضْمَن استحالة التوصل الى اتفاق “.
إذن، كان المهاجرون الصهاينة الى فلسطين على مَعْرِفة بما يجب عليهم القيام به ، ففي يوم الأحد الموافق ٣٠ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧، أي في صبيحة اليوم التالي لصدور قرار التقسيم ، صَدَرَت الأوامر الى ” الهاچاناه ” للبدء في تنفيذ الخطة “ج” الرامية الى زعزعة استقرار السكان الفلسطنيين ، وقد استمر العمل بهذه الخطة خلال الشهور الاولى التالية لصدور قرار التقسيم.
وفِي إطار تطبيق هذه الخطة ، دَعَت ” الهاچاناه ” في هذا اليوم ” جميع اليهود في فلسطين بين سن (١٧) و (٢٥ الى الخدمة العسكرية “.
أما مبعوثوا ” الهاچاناه ” في تشيكوسلوفاكيا ، فقد تَوصّلوا في هذا اليوم الى اتفاقية مع شركة ” سكودا “على صفقة كبرى للأسلحة .
وفِي يوم الاثنين الموافق للأول من كانون الاول ١٩٤٧، أصدرت ” اللجنة العربية العليا في فلسطين ” بياناً ، أعلنت فيه الإضراب العام والشامل في عموم فلسطين ولمدة ثلاثة ايام إحتجاجاً على صدور قرار بتقسيم فلسطين بين الفلسطينيين العرب واليهود .
هذا وقد بدأ الإضراب في صباح يوم الثلاثاء الموافق ٢ كانون الاول .
واندلعت في هذا اليوم مواجهات في مناطق مختلفة من فلسطين أفضت إلى مصرع (٨) من الصهاينة اليهود و (٦) من الفلسطينيين.
وفِي يوم الاربعاء الموافق ٣ كانون الاول ١٩٤٧، ألقى بن غوريون خطابا أمام مِؤَيِّديه من حزب ” مابام ” قال فيه :
” إن المشكلة الرئيسيّة التي ستواجه ( الدولة اليهودية ) هي المشكلة السكانية ؛ ٥٢٠،٠٠٠) يهودي مقابل ( ٣٥٠،٠٠٠) عربي ، وإذا اشتملت ( الدولة اليهودية ) على القدس أيضاً ، سيكون فيها حوالي مليون نسمة ، حوالي ٤٠٪ ( منهم )غير يهود “
وقال :”…. وفِي ظل هذا الوضع السكاني ، ليس من المؤكد مُطْلقاً أن تَصْمد سُلطة الأغلبية اليهودية “
واستطرد قائلاً :
“لن تكون هناك دولة مُسْتَقرة وقائمة طالما كانت فيها أغلبية يهودية بنسبة (٦٠٪) فقط ، لذلك يجب تَبنّي سياسة جديدة …..، يجب ان نَفْحَصَ كل الأفكار …..، يجب أن نُفَكِّر بمُصطلحات دولة “
ومع اندلاع اول مواجهات بين اليهود والعرب في فلسطين ، أعلنت الخارجية الأمريكية في الخامس من كانون الاول١٩٤٧ ” فَرْضَ حَظْر تصدير الأسلحة الى فلسطين والدّول العربية “.
أما منظمة الإرغون الإرهابية ، فقد اختارت قرية ” ابو كبير ” العربية القريبة من يافا ، كهدفٍ لها في إطار السعي لزعزعة استقرار القرى العربية ، القريبة من المستوطنات الصهيونية ، فهاجمتها في صباح يوم السادس من كانون الاول ١٩٤٧.
اعلاه ، يُمَثِّل تلخيصاً لوقائع حَصَلَت في فلسطين خلال الاسبوع الاول من شهر كانون الاول ١٩٤٧ بعد صدور قرار التقسيم .
وللحديث بقية .