Menu Close

مع ثيودور هيرتزل في ” أرض قديمة جديدة “… !؟

يومية السبت الموافق ١٩ كانون اول ٢٠٢٠

قبل يومين ، زُرْتُ الصّديق “عبد الله حمودة” في مَكتبه، والذي يحتضن فيه أيضاً مَقَرَّ ” مُنْتدى الفِكْر الديمقراطي “.

كُنتُ قد أرسلتُ له قبل يوم من زيارتي هذه ، “المُسَوَّدة النهائية” للجزء الثاني من يومياتي ، وهي تُغطي الفترة الممتدة من الأول من كانون الثاني ٢٠١٨ وحتى يوم عودتي من هايدلبيرغ في أواخر الاسبوع الثالث من أيار ٢٠١٨.

هذا الجزء من اليَوْمِيات يَسْتَكْمِل تَغطية مرحلة العلاج(من اللوكيميا) بعد زراعة الخلايا الجذعية في دَمي ، وهي فترة كنتُ أعيش فيها في هايدلبيرغ وكان يَسْري في أوصالي خِلالها فَصيلتين من الدَّم ؛

دَمي وهي من فَصيلة (بي +) ، و

دَمُ أُختي وهو من فَصيلة (آى بي +) .

وهذه الفترة يَكون فيها المَريض تحت مُتابعة طِبِّيّة حَثيثة ، وذلك للسيطرة على أي مُضاعفات قد تحصل بسبب الـزِّراعة ، والى أن تحسم الخلايا الجذعية الجديدة معركتها مع القديمة.

وخلال هذه الفترة أيضاً، كانت فِلسطين مَعي ، وقد غَطَّيتُ في يومياتي تلك التي كتبتها في هايدلبيرغ ” أيام التَّطْهير العِرْقي في فلسطين ” ،الذي مارَسَته على نحوٍ مُمَنْهَج، مُنظمات الإرهاب الصّهيوني التابعة للوكالة اليَهودية في فلسطين ، على مرآى من سُلطات وقوات الإنتداب البريطاني فيها، ومجلس الأمن الدولي ، والجمعية العامة للأُمم المتحدة ، وأنظار ومَسامِع بُلدان “جامعة الدُّوَل العَرَبية”.

كان هذه المرة ” تطهيراً عِرْقياً ” مارَسه ” اليهود الصهيونيين ” بحَق أصحاب البِلاد الاصليين ، بغَرَض إنشاء غيتو راقي جَديد لليَهود في فِلسطين ، ومعازل بُؤس بَشَرية ، أيٍ “غيتوات” بمَعنى آخر لأصحاب البِلاد من العَرَب الفلسطينيين، ولكن أنشأها هذه المرة البهود الصهاينه لضحاياهم من الفلسطينيين العَرَب.

هذه الفترة والتي امتدت ما بين ٢٩ تِشرين الثاني ١٩٤٧ وحتى ١٥ أيار ١٩٤٨ ، هِيَ الأسوأ على الإطلاق في تاريخ الشعب العربي الفلسطيني مُنذُ حَملات الفرنجة على فِلسطين واحتلال القُدْس في ١٥ تموز من العام ١٠٩٩، وحتى يومنا هذا ، أي ( الأَسْوَأ والأَحْلَك ) على مَدار نحو ألف عام.

إذَنْ، الجزء الثاني من ” يومياتي ” يُغطي أيام التَّطهير العِرْقي بقَدْرٍ مَعقول من التفصيل ، ويُتَوَقَّع له أن يَرى النّور خلال الشهر الأول من عام ٢٠٢١.

أثناء لقائي بـ ” عبد الله ” ، وكالعادة ، غُصْنا في هُموم القَضية، حاضرها و ماضيها . وقد لفت انتباهي وجود نسخة من كتاب لـ”ثيودور هيرتزل” على مَكتبه .

تَناوَلتُ الكتاب ، أَتَصَفَّحَه ، وكان يحمل عنوان : “أَرْض قَدیمة جَدیدة” .

أثارني عنوان الكتاب، وأثارتني أكثر المُقدمة المكتوبة له. وقد جَعَلَني ذلك ألجأ الى طلب نسخة الكتاب الأصلية ، لتصويرها . فالكتاب هو “روایة” ” ثیودور هرتزل ” التي كتبها في العام ١٩٠٢ ، ونشرها في العام الذي يليه ، أي قبل عام واحد من وفاته في ٣ تموز من العام ١٩٠٤، وهو يعكس فيها تخيلاته لـ”فِلسطين” بعد ربع قرنٍ من الزمان الصهيوني فيها .

يَفترض ” ثيودور هرتزل ” في روايته التي كَتَبَها في العام ١٩٠٢ ، أي بعد ستة سنوات من نَشره كراسته ” دَولة اليهود ” ، نجاح الحركة الصهيونية في السَّيطرة على فلسطين ، واقامة ” دولة اليهود ” فيها، وفي سياق رحلته الخيالية يروي إنجاز الحَركة المُتَخَيَّل في فلسطين خلال رُبع قرنٍ من الزمان الصَّهيوني فيها ، من خلال شخصية بطل الرواية ” فريدريك ليفنبرغ ” ، وقصة النجاح في نَقل فلسطين من واقع الشرق البائس المتخلف الى مراتب الغَرْب الأُوروبي المتقدم والمُتحَضِّر ، بفِعْلِ التأثير والهيمنة الصهيونية الغربية عليها.

“أرض قديمه جديده “( ألْتُنُويْ لاند- Altneuland

) ، هي إذَنْ روايه كَتَبَها ” ثيودور هيرتزل في العام ١٩٠٢ ، بعد أن كان قد كَتَب في العام ١٨٩٦ كِتابِه ” دَولة اليهود ” (Der Judenstaat)، وفِيها ، كما يقول ” ميخائيل آساف ” والذي خَطَّ “مُقَدِّمَه” الرواية ، فإن ” هيرتزل ” خَلُصَ الى الإستنتاج الى أن ” مُسْتَقْبَل اليهود في أُوروبا المُبْتَلِيَه بالحركة اللاسامية ، سيؤول الى نَكبة هائِلة إذا لم يتداركوا الأمر ، ويُسْرِعوا بالخروج من أوروبا “.

تم تَرْجمة رواية ” هيرتزل ” ( أرض قَديمة جَديدة ) إلى العربية من قبل “مئير حَدّاد” وصدرت الترجمة عن ” المَجلس الأهلي للآداب والفنون ” التابع ” لوزارة المعارف والثقافة ” في ” تل أبيب في العام ١٩٦٨، وتوَلَّتْ نَشْره ” دار النشر العَرَبي” وطُبِعَ في ” يافا ” في مطبعة ” دوكمة ” .

ويقول ” م.آساف ” في المُقَدّمة التي كتبها للرِّواية، بأنْ “ثيودور هيرتزل ” نفسه ، لم يَكُن عند كتابته ” دَولة اليهود” ، “يهودياً قومياً ولا مُتديناً ” ، ولكن تَفَشّي الحَركة اللاسامية المُعادِية لليهود [في روسيا القيصرية وبلدان أوروبا الشرقية ،وعلى الأخص بعد اغتيال قيصر روسيا ( ألكسندر الثّاني في ١٣ آذار ١٨٨١) وانتشارها الى بلدان أوروبا الغربية ] ، [وفي ” ڤينا ” حيث عاش ودرس القانون في جامعاتها ،وحُرِمَ من تَبَوُّأ منصب قاضي فيها ، لمجرد كونه يهودياً] ، وفي باريس ، حيث عَمِلَ للصحيفة النمسوية ” نويه فرايه بريسه” (Neue Freie Press) مُراسِلاً لها في البرلمان الفرنسي ، حيث شَهِدَ هُناك في العام ١٨٩٤ وقائع مُحاكمة ” الضابط الفرنسي اليَهودي ” ألفرد درايفوس” الذي اتُّهِمَ بالتجسس لصالح ألمانيا ، وحُكِمَ عَليه بالنفي الى جزيرة الشيطان ( غويانا الفرنسية) النائية لقضاء حَياته هناك ، كما يقول كاتب المُقَدّمة ، هو ما دفع ” هيرتزل ” للدراسة والبحث في أمر إيجاد حَلٍ للأوضاع والمَخاطر التي يتعرض لها اليهود من مواطني البلدان الأوروبية في بلدانهم ، وقد أفضى به ذلك ، في العام ١٨٩٥ ، للتّوصل الى أن إقامة “دَولة اليهود” في مكان ما خارج أوروبا هو الحل لمواطني البلدان الأوروبية اليهود للتّخلص من التَّعَسُّف والإضْطِهاد المُمارَس ضِدَّهم والناجم عن تَفَشَّي مشاعر الكراهية والمعاداة للسامِيّة في أوساط مُجتمعات الشعوب الأوروبية .

إذنْ ، فإن ” هيرتزل ” في كَرَّاسَتِه ” دَولة اليهود ” قد تَوصل، كما يقول ” م. آساف ” الى أنَّ الحل للمسألة اليهودية في أوروبا هو في خروج اليهود منها ، وفي ذلك ، تساءل ” كاتب المُقَدمة قائلاً؛

“ولكنْ … إلى أين ؟”.

يُجيب ” م. آساف” على هذا السؤال بقوله ، بأن ” هيرتزل ” لمْ يَبِتَّ بشكل نهائي في كرَّاستة “دَولة اليهود” ( ١٨٩٥) الى أينَ يَتوجب أن يَرْحَل اليهود الأُوروبيين ، وأين يَتَعَين إنشاء تلك الدولة ، ولكنه ذكر ، على سبيل المثال لا الحصر ، الأرجنتين وكذلك ” فلسطين ” كأمثلة لمكانين مُحتَمَلَين لتلك الدولة، وهي كما يتضح أماكن تقع خارج الأراضي الأوروبية ، حيث كان يَسْتَوطِن إضطهاد اليهود الأُوروبيين.

الإضطهاد ، واللاسامية ، والخلاص منهما ، كانا عاملان من العوامل التي أدت الى تأسيس الحركة الصهيونية ، لكن ” م. آساف ” يَتناول أيضا في مقدمة الرواية عوامل أخرى استندت عليها ” الحركة الصهيونية ” في تبرير وجودها ، ومنها ” العقيدة الدينية ” والتي استعملتها وحَوَّلتها “الصهيونية” الى ” عقيدة قومية” ، واعتبرت أن “أرض كَنعان” ، أو “أرض الفلسطينيين” ، كما قال في مقدمته ، هي “أرض إسرائيل” التي يَتَعَين إقامة ” دولة اليهود ” فيها ، وأن ” جلاء اليهود ” عنها ” ليس أبدياً بل مُؤقتٌ فقط”، وأنه إليها سيعودون.

ويَذْكُر ” م. آساف ” في المقدمة التي كتبها لكتاب ” هيرتزل ” ( أرضِ قَديمة جَديدة ) أموراً ذات قيمة وأهمية ، ومنها أنه وفي معرض تناوله للإضطهاد ومشاعر الكراهية اللاسامية التي انتشرت في فرنسا خلال الفترة ما بين عامي ١٨٩٤ و ١٩٠٦ أثناء محاكمة الضابط في وِحْدة المدفعية في الجيش الفرنسي ” درايفوس” الذي اتُّهِمَ زوراً بالتجسس خلال الفترة ما بين ١٨٩٤ و ١٩٠٢، فإنَّ ” إميل زولا ” الكاتب الفرنسي الكبير ، كان واحداً ممن شاركوا في قيادة حركة مُواجهة حَملات الكراهية اللاسامية التي اندلعت في فرنسا في ذلك الوقت ، وقد قادَ في العامين ١٨٩٧و ١٨٩٨ حملة مُكَثَّفَة لفضح أساليب التزوير ، والتضليل ،والكذب ، وسوء إستعمال السلطة ، التي استعملت َفي قَضِيّة ” داريفوس “، وكان لمقالته المشهورة بعنوان ” إنّي أتهم ” التي نشرتها صحيفة ” لورو ” الفرنسية دورا كبيرا في ازالة هذا الظلم الذي لحق بدرايفوس وفي تعقب الجُناة، وقد بذل هو والكثيرين من الرُوّاد الفرنسيين المتمسكين بمبادىء الحق والعدل ، جهودا جبارة نَجَحَت في نِهاية المَطاف في الضَّغط على الحكومة الفرنسية ، وإرغامها على قبول مبدأ إعادة محاكمة ” درايفوس ” ، والتي أفْضَتْ في النهاية الى تبرئة ساحته وإطلاق سراحه.

يُمثل إنحياز ” إميل زولا ” وتبنيه قَضِيّة درايفوس ، نموذجاً لانحياز المثقف الإنسان لمبادىء العدالة والحق بلا تمييز ، ومناهضة الظلم والعنصرية والتعسف والإضطهاد والتمييز والإستعباد ، وأن حَرَكة الرُّواد المتمسكين بهذه المبادىء وقدرتهم على تعبئة الجماهير ، وحشدها ، وتحريرها من مشاعر الكراهية والتعصب والتطرف هي عنصر أساسي في “عملية” بناء الضُّغوط لأجل إحقاق الحقوق ، وإعمال العَدالة ، في نهاية المطاف.

هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، فإنَّ ” م.آساف ” يُثير في ” المقدمة ” التي كَتَبها مَسْألة في غاية الأهمية ، وهي تتعلق في كيفية الوصول الى تحقيق الهدف المرسوم ، فهو يَقول أن ” هيرتزل ” بعد أن أنجز “المشروع الفكري ” للحل الذي تَصَوَّرَه لتخليص مواطني بلدان أُوروبا اليهود في بلدانهم من الإضطهاد الذي يُمارَس عليهم ، (أيٍ بإقامة دَولة اليهود )، فَقَد انتقل الى رَسَمَ خريطة الطريق الكفيلة بتَحقيق الحَل المنشود ، أيٍ لنَقل المشروع من ” حَيِّز التفكير ” إلى ” حَيِّز العَمَل ” .

ويَستطرد ” م. آساف ” ويقول أنه وفي الوقت الذي كَتَبَ فيه ” هيرتزل ” روايته ” أَرْض قَديمة جَديدة ” ، أي في العام ١٩٠٢، فَقَد كان هيرتزل قد وصل الى قناعة بـ” أنَّ ماضي الشّعب اليَهودي ” ” يُحَتِّم إقامة الدّولة في ذلك الوَطَن القديم لا غَير ” ، أي في ” أرض فلسطين ” ، وقد جاء هذا التحول بعد أن كان “هيرتزل” قد زار فلسطين بعد وصول قيصر الإمبراطورية الألمانية “فليهلم الثّاني” إليها في ٢٥ تشرين أول من العام ١٨٩٨ بدعوة من السلطان العثماني عبد الحميد ، حيث سعى هو والوفد الصَهيوني الذي رافقه لمقابلة القيصر أثناء زيارته لها.

أمًا الحيّز العملي الذي انتهجه ” هيرتزل ” ، لتحقيق مشروعه الفكري ،بعد أن حدد أبعاده ، في كرَّاسَتِه ” دَوْلة اليهود ” ، فقد تَمَثَّل في بلورته لخارطة الطريق التالية ووضعها موضع التطبيق :

⁃ إنشاء المُنظمة الصهيونية العالمية ، والتي نَجَحَ بإقامتها وتكوين هياكلها وأذرعها التنظيمية والمالية ما بين عامي ١٨٩٧و ١٩٠٤ ،

⁃ تنظيم اليهود من مواطني بلدان العالم ، والذين يَسِمَهم كاتب المقدمة بـ ” الشّعب اليَهودي ” لغاية تحقيق ” دَولة اليهود ” .

⁃ إثارة اهتمامات الدول الكبرى ، بمشروع إقامة ” دولة اليهود ” كحل ” للمسألة اليهودية ” ، و” لاسيما السلطان العثماني الذي كان مُسيطراً في ذلك الحين على فلسطين “، والذي تمكن في نهاية المطاف من الإلتقاء بِهِ في ١٧ ايار من العام ١٩٠١ . هذا وقد كان قد عَرَض على الدولة العثمانية لدى زيارته لها في حزيران ١٨٩٦ مشروعا لشراء ديونها، وجاءت زيارَتِه لاسطنبول في ذلك الوقت بعد ان نَشر في شباط مِنَ نَفْس العام كِتابِه “دولة اليهود” ،

أما لماذا لم يلجأ ” ثيودور هيرتزل ” في ذلك الوقت للإتصال بالعرب ، بمن فيهم ” عَرَب فلسطين ” ، يَقول كاتب المقدمة ، بأن ذلك كان بسبب أن ” الحركة القومية العربية لم تكن قد ظَهَرَتْ في ذلك الحين ” ، أي حتى التاريخ الذي رحل فيه ” هيرتزل ” عن الحياة في العام ١٩٠٤.

ويُضيف ” م.آساف ” أنَّ فلسطين في ذلك الحين ، أي في مطلع القرن العشرين ، كانت ضئيلة السُّكان .

ويُذْكَر في هذا الخصوص أن تقديرات عدد سكان فلسطين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ، كانت تُشير الى أن عدد سكان فلسطين كان يَصِل في العام ١٩٠٠ الى نحو (٦٠٠) ألف ، منهم نحو ( ٤٥ أو ٥٠ ) ألف يهودي ، وهؤلاء كانوا إما مواطنين فلسطينيين يهود يحملوا التابعية العثمانية ، أو من المُهاجرين اليهود المُقيمين فيها والذين لجئ أغلبهم الى فلسطين من روسيا القيصرية بعد اغتيال قيصر روسيا في آذار من العام ١٨٨١، وشن حملات الكراهية ضد المواطنين الروس اليهود التي حصلت في روسيا إثر ذلك .

يتناول كاتب المقدمة مسألة أخرى جديرة بالإنتباه، فهو يقول بأن مَنظور ” هيرتزل ” لـ ” دَولة اليهود ” في فلسطين هو في أن هذه الدولة يجب أن تَنشأ ” على أُسس العَلَم المتقدم المتطور والصناعة ” ، من جهة ، وأنها ” ستستوعب العَرَب الوطنيين ، واليهود القادمين على السواء بسهولة وسلام ، على أساس المساواة التامة ” من جهة أُخرى.

ويختتم ” م. آساف ” المقدمة ، بالقول بأنه ، وقَبْل وفاته بعامين ، كَتَبَ ” هيرتزل روايته ” أرض قديمة جَديدة ” التي وَصَفَ فيها بعين الخيال كَيف سَتكون عَليه فِلسطين بعد (٢٥) سنة من النّشاط الصهيوني ، ويُضيف بأن الرواية تُقدم “الى قُرّاء العربية النوايا الحقيقية التي كان يَضْمِرها كبيرُ زُعماء الصهيونيين تِجاه سُكّان فلسطين العَرَب ” .

إن ما آلت اليه الامور في فلسطين في نهاية المطاف ، هو المحاكمة لمشروع ” هيرتزل ” ذاته، ومآلاته الحتمية ، فـ” دَولة اليهود ” التي سعى لإنشاءها لتخليص اليهود من الإضطهاد في اوروبا ، آلت هي ذاتها لأنَّ تُصبح ” دَولة عُنصرية ” و ” استعمارية ” من النوع الاستيطاني في ذات الوقت ، تسن القوانين العنصرية ، وتمارس إرهاب الدولة وأبشع أنواع الاضطهاد وتستهدف التضييق على من تبقى من سكان فلسطين الاصليين- بعد ان طردت الجزء الاكبر منهم- ، بهدف طَرَدهم او ارغامهم على الرحيل .

اما الرسالة التي حاول ” هيرتزل اسباغها على الدور المناط بالدَّولة اليَهودية التي وَضْعِ هو أسسها ، لأن تكون دَولة تعمير وتنمية وتطوير ، فَقَد انتهت لأنَّ تَكون كذلك ، ولكن لليَهود وحَسْبَ ، عَبَّر مُمارسة سرقة ممتلكات الفلسطينيين العَرَب وموارد بلادِهم الطبيعية ونهبها والاستئثار بها لليَهود المُهاجرين الى فِلسطين دون غيرهم وعلى حساب أهل البلاد واصحابها الأصليين .

نعم ، لقد نجح ” هيرتزل ” في تخليص مواطني اوروبا اليهود وغيرهم من الاضطهاد والتمييز ، ولكنه نَجَحَ ايضا ، في تحويلهم الى مُستعمِرين ، وادوات اضطهاد وقمع وتمييز ضد غيرهم ، والى نهّابين لممتلكات الغير وثروات أصحاب البِلاد … فهل يهنىء له قرارٌ في مَرْقده الجديد في فِلسطين الذي أُقيمَ على أرض مسروقة وعلى انقاض شَعبٌ تم طَرْد الجزء الاكبر منه في العام ١٩٤٨ ، على ايدي اليهود الصهاينة ممن نجو من الاضطهاد النازي ، والديني والعرقي في اوروبا ، وتهجيره و حشره في ” غيتوات ” بُؤس وشقاء ، أسموها ” مُخيمات لُجوء ” ، أُقيمت له في مَناطق مختلفة داخل فِلسطين خارجها في الاردن وسورية ولبنان … !

السؤال هو … هل يُدْرِك ” ثيودور هيرتزل ” ما آل اليه مَشروعه ،،.. وهل ما آل اليه بالفعل ،… هو ما تخيله في روايته ” أرض قديمة جديدة “…!

أما “إميل زولا” … فإن الرواد من المفكرين والفنانين والادباء والعلماء والمثقفين الذين يقفوا الآن مع حَرَكة الـ” بي دي إس ” المناهضة للعنصرية الصهيونية والاستعمار الصهيوني ، فإنهم يتمثلون بسيرته وبمواقفه ، لأنَّ قَضِيّة الحق والعدل واحِدة ، ولأن العنصرية والاضطهاد والاستعمار هي حَركات ودوّل لا مستقبل لها في العالم الإنساني الذي نعيشه .

عبد الرحمن البيطار

عمان – ١٩ كانون اول ٢٠٢٠