يومية الثلاثاء الموافق ٢٣ أيار ٢٠٢٣
أنهيتُ قبل دقائق كتابة رسالة الى رَنا . وما لَبثتُ أنْ أرسلتها لها حتى تلقيتُ مُهاتفةً منها .
قالت لي ، أنها لم تُكَمِّل قِراءة رسالتي لها ،… فبعد ان عَرِفَتْ من الجملة الاولى من رسالتي أني في الطائرة قبل إقلاعها الى هايدلبيرغ ، اتصلتْ بي لتطمئن عَليّ.
إنّي أشعر بمسؤولية من نوع خاص تجاه رَنا . فـ “رَنا” هي المديرة الان للمشروع الذي نتولى إدارة تنفيذه ، ومن حقها أن تعرف تماماً ما يحصل معي من ناحية طبية / علاجيه ، لا بصِفَتِها صديقة تاريخية عزيزة فحسب ، ولكن ايضاً بصفتها المسؤولة عن المشروع .
في كثيرٍ من الحالات ، يَميل المرء لأن يُخفي المعلومات التي تتعلق بحالته الصحية ،… أو أنه يصدر تصريحات مُقتضبة عنها ،..! . هذا الشعور ، تَخلصتُ منه منذ البداية ،… فمنذ أن داهمني سرطان الدم الحاد في أيلول من العام ٢٠١٧، أي قبل نحو ستة سنوات ، قَرّرتُ أن أواجهه بشراسة وبجرأة بقدرٍ مُساوٍ لشراسته وجرأته ، لا بل وقاحته ،..وقررتُ أن أُشْرِكَ معي في معركتي معه كل من حولي ، وكل اصدقائي ، وكل الناس ،… فَعَيَّشْتَهم معي تجربتي مع المرض ومع المقاومة.. والعلاج ،… يوما بيوم ، وفي بعض الاحيان ، ساعة بساعة .
أختي سائِدة ، مَدَّتني بخلاياها الجذعية في تشرين الثاني من العام ٢٠١٧ ،… وكانت هي أُكسير الحياة ؛ العلاج والبلسم ،.. وقد تجاوب جِسمي مع خلاياها،… فمَنحتني فرْصة البقاء حَيّاً لسنوات أُخرى ، … وعَبَرتُ البَرْزخ بسلام ..! .. ما أروع أن يكون لَكَ إخوة وأخوات ،.. بروعة سائِدة ..!
قُلتُ في نفسي ، تلك هي مَزايا العائلة الكبيرة ، وتلك هي ميزة أن يكون من بين كل إخوتك وأخواتك مَنْ دَمَه مُتَماهٍ مع دَمِك ،..! ،… ولا يَعْرِف المرء هذي الحقيقة ولا يتعَرّف عليها عادة ، الا عندما يدق ناقوس الخطر ، وتنبع الحاجة الماسة ،.. فإذا لأواصر الأُخُوّة قيمة غير معروفة أو مُدْرَكة ، لا تضاهيها قيمة في هذي الحياة ،وهي قيمةٌ لا يُدركها المرء ، الا في اكثر اللحظات حراجة ،… وأصعبها وأقساها ..!
مَرَّتْ سنوات خمسة ،.. اعتقدتُ خلالها أن حاجتي لدمٍ من أُختي قد انتهت ،…وَإِذْ اكتشفتُ مؤخراً ، وبلا مقدمات ، أنّي كنت على خطأ ،…
كان ذلك قبل نحو شهرين ، عندما التقينا بالبروفسور بيتر دريچر في عيادته في مستشفى جامعة هايدلبيرغ، وفي ذلك اللقاء ، مَضى البروفسور بطريقته المميزة في إفادتنا بما اسفرت عنه نتائج الفحص الروتيني الذي عادة ما كنت أخضع له في المستشفى مرة كل ستة اشهر .
قال لي ، وكانت مُنى و جود معي في غرفته : أنَّ النتائج الاولية للخُزْعة مُطمئنة ، من حيث أنها أكدت عدم وجود خلايا سرطانية ( Blast Cells ) في دّمي او نُخاعي العظمي . لكن الإنخفاض الذي لوحظ مؤخراً في عدد من مؤشرات الدم والتي لها علاقة بنظام المناعة ، يحتاج الى تفسير ، وأنْ لا تفسير لديه إلا أنه يعتقد أن تكون احدى خلايا دمي السابق والتي تمكنت من الإفلات من الموت خلال المعركة التي شَنَّتها عليها الخلايا الجديدة المزروعة في نخاعي العظمي في ١٧ نوڤمبر ٢٠١٧ قد استفاقت من نومها ، وأحدثت هذا الخلل في عمل نظام المناعة لدي.
وفي محاولة لتقديم شرح مُبَسَّط لخطته العلاجية، قال لي ؛ إن أحد المكونات الرئيسية لكرّات الدم البيضاء هو الليمفوسايتس ، وان نتائج الفحوص التي تم أُجريت لي مؤخرا قد أظهرت حصول انخفاض فيها ،.. وأن العلاج سيكون في تعويض العجز في الليمفوسايتس عبر حَقني بليمفوسايتس من المُتبرعة الأصلية ؛ أختي سائِدة .
وهذا يعني ، أنه بحاجة لأن تعود سائِدة الى هايدلبيرغ ، لأخذ جُرْعات من دمها لاستئصال الليمفوسايتس وحقني بها لتعزيز عمل كرات الدم البيضاء في دمي.
سألني : ماذا عن أُختك سائِدة ! . هل هي بصحة جيدة ؟ . هل تستطيع الحضور الى هايدلبيرغ ؟ .
صَفَنتُ قليلاً ،..طَلَبتُ منه أن يعيد على مَسامِعي ما قاله لي للتّو . قاطعته جود ، وشرحتْ لي ما حاول البروفسور أن ينقله إليّ .
عاد البروفسور ليطمأنني؛ أخبرني ، أنْ لا حاجة لأن أقلق ،… فهو يتعامل مع مُستجدات ، ومعالجتها ممكنة ..
أخْبرته ، أنه وفي حدود علمي ، فإن سائِدة في صحة جيدة ،واعتقد انها تستطيع القدوم ،.. ولكني بحاجة لأن أتواصل معها ،.. فالقرار قرارها ، وهي أدرى بصحتها ..!
قال لي : ارجو الاستعلام عن حالتها الصحية ، واستعدادها للقدوم وإخباري …! لكي يقوم بالإعداد لما يترتب على ذلك من اجراءات .
تبادلنا النظر ،.. انا من جهة ، وجود ومُنى من جهة اخرى .
قالت جود : لا تقلق يا بابا ،.. فالبروفيسور مُطمئن ، والحال قابل للعلاج .
أما مُنى ، فلم تستطع إخفاء قلقها وحبها ، فقالت : تلك سائِدة الرائعة، أعطتك خلاياها الجذعية في المرة السابقة ، أما الان ، فستعطيك ليمفوسايتس من كرات دمها البيضاء ،.. وستكون سائِدة مسرورة أن يكون دمها هذه المرة مُعَزِّزا لنظام المناعة في دَمِك ..! وهذا الإجراء ، كما قال البروفسور ، هو إجراءُ حَقْنِ دَمٍ روتيني، وليس زراعة لخلايا جَذْعية كما في المرة السابقة،… فلا تقلق .
لا أعرف تماما أن أصف الشعور الذي تَمَلَّكني هذه المرّة ،.. أنا اعرف سائِدة تماما ، وأعرف أنها لن تتوانى في مَدّي بما أحتاجه منها ، ولكني ، كنت أشعر أنني أُثقل عليها كثيرا ،.. وأني سأجعلها مرة أخرى تخرج من سياق حياتها الطبيعية هي وصديقي يوسف ، لنجدتي من جديد ….! وفي هايدلبيرغ مرة أُخرى خلال سنوات ستة .
تواصلتُ مع سائِدة ويوسف ،… وبلا تردد ، قالتْ سائِدة لي انها على استعداد لمَدّي بما احتاجه . أَخْبَرتني انها مسافرة مع يوسف الى إسبانيا يوم ٢ أيار، وأنها ستعود يوم ١٢ أيار الى عمان . أخبرتها أن البروفسور يريدها في هايدلبيرغ يوم ١٦ أيار . قالت : لنكون هناك إذن يوم ١٥ أيار .
ما أروعكِ يا سائدة ..! ما أروعكِ ..!
قلت لها : مُنى ستسافر معكما أنتِ ويوسف ، وأنا سألحقُ بكم في يوم ٢٣ أيار .
أما البروفسور، فقد حَدّد يوم ٢٥ أيار موعدا لأخذ الدم من سائِدة ، لاستئصال الليمفوسايتس منه ليُصار الى حَقني به في اليوم التالي ، أي في ٢٦ أيار ٢٠٢٣.
مُنى وسائِدة ويوسف ، موجودون هناك في هايدلبيرغ منذ يوم ١٥ أيار . تم إخضاع سائِدة للفحوص الطبية يوم ١٦ أيار . النتائج ستظهر هذا اليوم ، الثلاثاء ٢٣ أيار .
المؤشرات الاولية تقول بأن لا شيء في دم سائِدة ما يَحول من أن يمضي الإجراء الطبي كما هو مرسوم له من البروفسور .
تذكرتُ أن يوم ٢٥ أيار هو ذكرى عيد ميلاد ام العَبِد الثامن والتسعين . تفاءلتُ بذلك ،.. وقُلتُ في نفسي ، هِيَ على الدوام معنا حتى في ذكرى ميلادها ..!
الرحمة لروحِك يا أُمي..! وكذلك لَكَ يا أبي : أبو العبد ..!
سائِدة ؛ شكرا لكِ
مُنى ؛ شكرا لكِ
يوسف ؛ شكرا لَكَ .
أنا مدين لكل من حولي …. بلا استثناء .
عبد الرحمن البيطار
من المقعد C-7، طائرة الاردنية المتجهة الى فرانكفورت – الساعة ١٢:١٤ ظهرا