Menu Close

فلسطين ،… والتِّشْرينات في تاريخها المعاصر أضواء على وقائع لها وَقْعٌ وتاريخ ..!

يَومية الخميس الموافق ٢٤ تشرين أول ٢٠٢٤

كما ذكرتُ في يَومية البارحة ( الأربعا)  ،.. يَومية تَلَقّي خلايا الليمفوسايتس،.. فقد مضى كل شيء على ما يرام … لكني خرجتُ من الإجراء الذي امتد لساعتين ونصف تَعِباً ،..كما وغَلَبَني نعاس لم استطع مقاومته  …! 

لا أعرف لماذا …! ؟ ،.. ولكن هذا ما حصل ،..! 

تَرَكَتني مُنى في الغرفة أرتاح ، وذَهَبتْ إلى متجر تركي أحْضَرتْ منه عُبوات من الفستق الحلبي التركي ، طلبه منها  الصغار ( تينه و تارا ) ، تَمَدَّدتُ على السرير … وقاومتُ نُعاساً كاد يقودني إلى سُباتٍ عميق ،.. لكنَّ جَفْنا عينايَ كانا لا يقاومان كثيراً ،… وكنت أراهما بين فينة وأخرى ينغلقان على العينين ويَغمضان ،…! 

ما أنْ جاء المساء ، وكان الرَّشْحُ قد فَعَلَ فِعْلَه بي، تناولتُ حَبّتي بانادول ، وقلتُ لمنى : .. أنا تَعِبٌ ،.. لنتناول طعاماً خفيفاً في الفندق ونعود بسرعة للغرفة … ! وهذا ما فعلناه ..! 

ما أن تعانقَ عقربا الساعة عند التاسعة مساءً، كنتُ في السرير …أَخلدُ للنَّوم …! وقبل أنْ أنام ، رأيتها ‘ تَزْرُقُ إلى بلكونة الغرفة ، وقد لَفَّتْ جَسَدَها بمِعْطَف ، أقصد ‘ جاكيت ‘  يُدَفئها من لَسْعة برودة الليل ..! كان نداءُ سيجارةٍ إلكترونية قد سَمِعَته أُذُنيها ولَمْ تُقاوم النداء ،.. فراحتْ إلى بلكونة الغرفة تُدَخّن … وتُحاول أن تعرفَ ماذا حصل ، لعشرات العصافير التي تتخذ من أشجار الفندق مَسْكَناً لها مع حلول الظلام ..! 

في الصّباح ،.. إنتبهتُ على الساعة ، فقد كانت عقاربها تَقترب من الثامنة صباحاً ،.. قُلتُ لنفسي : ليلةٌ طويلة وانقضتْ ، ونومٌ عميق وانتهى ..! هل كان كل هذا بفعل خلايا الليمفوسايتس ..!؟ 

عندما بَدَأتُ أكتبُ السُّطور الأولى في هذه اليومية ، كان الطقس في هايدلبيرغ شِبْه ماطر ، والسماء مُلَبَّدة بغيوم داكنةُ اللون ،..! 

وما أنْ استيقظتْ مُنى ، حتى هَرَعتْ إلى إعداد قهوتها في الغرفة . ثم اسْتَلَّتْ الـ “مَچْ” ( mug ) ، وموبايلها وخَرَجتْ كالعادة إلى بلكونة الغرفة..! وبَدأتُ أسمع من مِقْعدي في الغرفة  ،وعن بُعْد ،  مكالماتها مع بناتها الحلوين ..! 

طَرَقَتْ بأصابع يَدَها فَجْأةً على زُجاج باب البلكونة ،.. قُمتُ ، فَتحتُ الباب ،.. قالتْ لي : أُنْظر للعصافير على الشَّجَر …! هل ترى ذاك العصفور الأخضر … هناااك …! هؤلاء هم أصدقائي في هذا الصباح ..! 

إلتقطُّ لها صُوَراً مع الشجر والعصافير ،.. والسيجارة والموبايل  وزجاجة مياه ، وجهاز إشعال السجائر الإلكتروني ، … وكذلك غيوم السماء ..! هذا بالإضافة إلى كتابٍ لتغريد النّجار …كُلَّها مَنثورة على طاولة البلكونة ..!  

  

لنَعُد الآن إلى تشرين الأول الذي نعيش الرُّبْع الأخير من أيامه .

كانت تِشْرينات السِّنين حَمّالة بالأخبار ، وحافِلة بالوقائع ، وقد بدأتْ بإصدار تصريح بلفور في ٢ تشرين الثاني من العام ٢٠١٧، وفي سُقوط غَزّة يومي ٦ و ٧ من تشرين الثاني من ذات العام (١٩١٧) ، وذلك بعد محاولاتين إثنتين فاشلتين  ، بأيدي الجيش المُتَقَدِّم من مِصْر عبر قناة السويس، وعبر رمال سيناء،  بقيادة الجنرال البريطاني إدموند ألّلنبي في الحملة العسكرية التي شَنّها في إطار عمليات الحرب العالمية الاولى على جيوش الإمبراطورية العثمانية في الشرق لأجل احتلال فلسطين . 

وفي سياق ذلك ، عَبرتْ قوات الجنرال أللنبي في  ذات التشرين نهر الأردن عبر الجسر الذي أصبح يُعرفُ فيما بعد بإسمه .

كان سقوط غزّة بأيدي البريطانيين نذير شؤم لمدينة القدس ثمَّ لفلسطين .لقد حصل سقوط القدس في ٩ كانون أول ١٩١٧ ، ولأول مرة بعد انقضاء عدة قرون من حروب الإفرنج للبلاد السورية واحتلالهم لها ، وبعد أنْ نجحوا في إلحاق  الهزيمة بالقوات العثمانية المدافعة عن المدينة ، اضطر رئيس بلديتها حسين سليم الحسيني، وللحيلولة دون تعريض المدينة للدمار لاستعارة شرشف أبيض من أحد فنادق المدينة المقدسة ورفعه إشعارا باستسلام المدينة وتسليمه لضباط صف بريطانيون من طلائع الكتيبة البريطانية رقم ٢١٩ التي تقدمت نحوها .  

كان ذلك اليوم يوم اسود في تاريخ فلسطين أما العَلَم الأبيض ذاته، فيُعرض منذ ذلك الوقت في متحف لندن ومن مقتنياته . 

وفي ١٩ تشرين الثاني من العام ١٩٣٥  أيضا سقط  القائد عز الدين القسام في معركة بالقرب من قرية ” نَزْلِة الشيخ زايد ” في قضاء جنين  والتي تَحَصَّن فيها  هو وبعض أتباعه من المقاومين ، وطَوَّقَته القوات البريطانية هناك وتمكنت من قطع التواصل فيما بينه وبين المقاتلين في القرى المجاورة، وطالبته ومن معه من المقاتلين  بالاستسلام، لكنه رفض واشتبك مع تلك القوات، وقتل منها خمسة عشر جندياً، ودارت معركة غير متكافئة بين الطرفين لمدة ست ساعات انتهت باستشهاد هو وثلاثة من المقاتلين  . 

والقائد القسّام هو من قرية “جَبَلَة” من قرى اللاذقية ، وقد اكتسب معرفته وخبرته في العلوم العسكرية اثناء التحاقه بالقوات العثمانية ومشاركته في فعاليات قتالها اثناء الحرب العالمية الاولى ، كما شارك في الثورة السورية ضد الفرنسيين عند احتلالهم للساحل السوري في العام ١٠ تشرين اول من العام ١٩١٨ ،وكان مقاتلاً شرساً لقوات الاحتلال الفرنسي، ومُنظماً فعالاً لمجموعات المقاومة في الأراضي السورية ،وبعد أن فشل الفرنسيون في ترويضه طاردوه ، فذهب إلى دمشق إبان حكم الملك فيصل لها ، ثم غادرها بعد معركة ميسلون واستيلاء الفرنسيين عليها في تموز من العام ١٩٢٠ إلى حيفا ، وعمل  مُدَرِّسا هناك  ثم  إماماً وخطيباً في جامع الاستقلال في حيفا بعد الإنتهاء من إنشاءه في المدينة في  العام ١٩٢٥  ، ونَظَّم فيما بعد المقاومين الفلسطينيين والعرب في مجموعات قتاليه ، ضد قوات الاحتلال البريطاني لفلسطين ، والمستوطنين الصهاينة ، عُرِفَتْ فيما بعد  بالعُصْبة القسّامية. 

كان لإستشهاد القائد القسَّام في ١٩ تشرين الثاني من العام ١٩٣٥ الأثر الأكبر في اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى والتي استمرت على مدى ثلاثة أعوام ( ١٩٣٦ و ١٩٣٩) ، والتي مَثَّلت إحدى أكبر أربعة  ثورات شَهِدَها النصف الاول من القرن العشرين  ( الثورة البلشفية ، وثورة الزعيم غاندي ، والصورة الصينية ) ، وكانت نقطة تحول كبيرة في مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية ، وجاء الصاعق المُفَجِّر لهذه الثورة في مساء يوم الاربعاء الموافق ١٥ نيسان ١٩٣٦ ، عندما خرجت مجموعة مسلحة من المقاومين الفلسطينين إلى الطريق العام بين عَنَبتا وطولكرم بجوار سجن نور شمس ، وأوقفت نحو (١٥) سيارة وأطلقت النار وقتلت مستوطنين يهوديين ، وأعلنتْ أنَّ ما فَعَلَته يأتِ إنتقاما على استشهاد القائد عز الدين القسام . 

وعَقْبَ هذا الحدث ، توالتْ الأحداث التالية : 

  • في مساء يوم الخميس الموافق ١٦ نيسان ١٩٣٦ ، قُتِلَ فلسطينيان في كوخهما على طريق ملبس – كفر سابا بالقرب من جسر العوجا ، وكان الفاعلين من المستوطنين المهاجرين اليهود . 
  • في يوم الجمعة الموافق ١٧ نيسان ١٩٣٦   وأثناء تشييع جثمان المستوطن اليهودي الذي قُتِلَ في أحداث يوم ١٥ نيسان ، تَعَرَّض المُشيعين اليهود للفلسطينين العرب في تل أبيب، وهتفوا ضد حكومة الانتداب وضد الفلسطينيين ، وأخذوا ينادون بمقاطعة الفلسطينيين ، واعتدوا على المارين في الطريق من الفلسطينيين بالضرب ، كما وتعرضوا لمتاجر الفلسطينيين من باعة الخضروات في المدينة ، ولما تدخلت قوة البوليس ، اضطرت لإطلاق النار ، فأُصيبَ عشرات من المتظاهرين اليهود ، هذا بالإضافة إلى (١٥) جريحاً من رجال البوليس .
  • في صباح يوم الاحد ١٩ نيسان ١٩٣٦ ، وَصلَ إلى ساحة السرايا في يافا فلسطينيون عرب من المصابين بجروح  في أحداث تل أبيب ، مما أدى إلى التهاب الأوضاع ، وأخذ أصحاب المحلات من فلسطينيين ويهود بإغلاق محلاتهم ، و أغلقت جميع الأعمال في الميناء أبوابها ، وبدأ التصادم بين الفلسطينيين العرب واليهود في ضواحي يافا وتل أبيب مما اسفرت عن مقتل (٩) أشخاص من اليهود وجرح نحو (٦٠) ، وقُتِلَ فلسطينيين وأصيبا (١٥) فلسطينيا ، وقامت السلطات إثر ذلك بفرض نظام منع التجول في يافا وتل أبيب ليلا. 
  • في مساء يوم ١٩ نيسان ١٩٣٦، جرى اجتماع حاشد في نابلس تقرر فيه القيام بمظاهرات وإعلان الإضراب العام لعدة ايام .
  • في نفس اليوم ( ١٩ نيسان ) ، انعقد اجتماع برئاسة عارف الجاعوني في نادي ” جمعية العمال العرب “في القدس وقرروا إعلان الإضراب وإغلاق المتاجر . 
  • وفي مساء ذات اليوم (١٩ نيسان ) ، جرت مظاهرة في طولكرم ، رجم فيها المتظاهرون السيارات المارة بالحجارة ، مما اضطر السلطات البريطانية للتدخل وارسال وحدة عسكرية إلى المدينة . 
  • في ٢٠ نيسان ١٩٣٦، تجددت الصدامات في الحارات المحيطة بتل أبيب. كما جرى إطلاق نار من قرية “سَلَمة” تجاه حارة “هاتكفا” ، ومن ” المَنْشية ” باتجاه مستوطنة ” كيرم هاتيمنيم “بتل أبيب ، مما أدى إلى مقتل سبعة و إلى نزوح المئات من المدينة . 
  • وفي ذات اليوم ( ٢٠ نيسان ١٩٣٦) ، عمَّ الإضراب الشامل في القدس ويافا ونابلس وطولكرم ، وجرت اجتماعات لفعالياتها تقرر فيها الاستمرار في الإضراب في البر والبحر ، وتأسيس لجان قومية للإشراف على هذا الإضراب .
  • أُصيبت الزعامة التقليدية للفلسطينيين بالذهول ازاء السرعة التي تطورت فيها الأوضاع في البلاد الفلسطينية ، حيث ظهر للطلبة وللشباب دور بارز في هذه الأحداث . 
  • في ٢٥ نيسان ١٩٣٦ ، انضمت الزعامة الدينية برئاسة الحاج أمين الحسيني – مفتي القدس إلى الدعوة للإضراب ، وتشكلت اللجنة العربية العليا من ممثلي الاحزاب الفلسطينية والفعاليات الوطنية( الحاج أمين الحسيني – مفتي القدس ، راغب النشاشيبي ، جمال الحسيني – رئيس الحزب العربي الفلسطيني ، يعقوب الغصين – ممثل عن حزب الشباب العربي ، عبد اللطيف صلاح – مؤسس الكتلة الوطنية الفلسطينية ، حسين الخالدي ، ممثل حزب الإصلاح العربي ، عوني عبد الهادي – عن حزب الاستقلال الفلسطيني ، احمد حلمي باشا ) •

كان الإضراب والذي استمر لمدة ستة أشهر تقريباً من أهم فعاليات الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت ضد قوات الإحتلال/ الإنتداب البريطاني وتلخصت مطالبها بـ : 

  • وقف تدفق اليهود إلى فلسطين ووقف التسهيلات البريطانية للهجرة اليهودية والمهاجرين اليهود والتي أدت إلى ازدياد عدد اليهود في فلسطين من ٨٣،٧٩٠ نسمة في العام ١٩٢٢ إلى اكثر من ثلاثمائة وثلاثون الف نسمة في العام ١٩٣٥ ، وقد وصل عدد المهاجرين الأوروبيين في العام ١٩٣٥ فقط إلى (٦٢) ألف مهاجر بعد فوز الحزب النادي الألماني بالحكم في المانيا إثر انتخابات كانون اول من العام ١٩٣٣. 
  • حَظْر نقل وبيع الأراضي للمستوطنين اليهود ، حيث ازدادت ملكية اليهود للأراضي في فلسطين من ١٤٨،٥٠٠ دونم في العام ١٩٢٢ إلى ما يزيد عن ثلاثمائة الف دونم في العام ١٩٣٥. 
  • إنهاء الإنتداب البريطاني على فلسطين ، وإنهاء سياسات التعقب والملاحقة وإرهاق الفلاحين الفلسطينيين بالضرائب والتي أدت إلى تفشي الفقر في اوساط السكان . 
  • منح الفلسطينيين حق تقرير المصير واستقلال فلسطين كما استقلت البلدان التي كانت بريطانيا تستعمرها .
  • في ١٠ تشرين الاول ١٩٣٦ وجّه الزعماء العرب ( الملك غازي / العراق ، الامير عبدالله / شرق الأردن ، الملك عبد العزيز / السعودية ) رسالة إلى اللجنة العربية العليا لفلسطين، طالبوها فيها بوقف الإضراب والخلود إلى السكينة ، والاعتماد على النوايا الحسنة للحكومة البريطانية التي أبدتها للزعماء ، وبناء على ذلك ، اتخذت اللجنة العربية العليا قرارها بوقف الإضراب .

سأتوقف في هذه اليومية عند هذا الحدث في تشرين الاول من العام ١٩٣٦ وذلك كي لا تطول كثيرا ، وكذلك لأن الرَّشْح  قد داهمني ، وهدَّ قُواي ،…  وسأتناول في اليومية التالية الحدث التشريني الأكبر في تاريخ فلسطين الحديث والذي تمثل في صدور قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧. 

وإلى أن نلتقي في تلك اليومية ، أودعكم ..! 

عبد الرحمن البيطار 

هايدلبيرغ – الجمعة – ٢٥ تشرين اول ٢٠٢٤