Menu Close

لجنة التحقيق الدولية الخاصة بفلسطين ( اليونسكوب) … وكيف تمَّ تبرير مشروع قرار تقسيم فلسطين في العام ١٩٤٧عبر ربط قضية اليهود اللاجئين في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية بـ ” قضية فلسطين “..!

يَومية الأحد الموافق ٢٧ تشرين أول ٢٠٢٤

لا زِلْتُ أُعاني من الرَّشْح ، ولكنّه يَبدو أنه في الثُّلث الأخير من عُمْره ..! 

في هذا اليوم فقط ، ومنذ ثلاثة ايام قضيتها في غُرْفة الفندق ، قَرّرتُ مع مُنى الذهاب إلى وَسْط البلد ( هايدلبيرغ ) ، إلى ساحة بسمارك ، وشارع المَمْشى ..! 

أشعةُ الشمس حامِيَة ، لكن الجوَّ بارد، والهواءُ نَشِطٌ ولاسِعُ البرودة ..! 

لَففنا أجسادنا بما تَيَسّر من ” كبابيد ” أو ” جاكيتات “.. ونَقَلَنا التاكسي من الماريوت  إلى الساحة ….!

هذه المَرّة ، طال فيها الرّشح الذي التقطتُ “ڤَيْروسَه” من المَرْأة التي جَلستْ في المقعد المجاور لمُنى في الطائرة التي أَقَلَّتْنا إلى عمان قبل ثمانية أيام ،وكانت تُعاني من الرّشح ، وجَلستْ إلى جانبنا وبدون كَمّامه ..! 

 *********

شارع المَمشى مُكتظٌ بالناس ، من كل الأعمار ، من كل الألوان ، وأغلبهم  مع صِغارَهم …! واذا ما تَمَعَّنتَ بالوجوه ، تجد ناساً من كل الأجناس ومن جنسيات كثيرة ..! 

لأجل التواصل في محتوى المادة التي سأكتبها في هذه اليومية ، سَأستعيرُ من يَومية السبت الموافق ٢٦ تشرين الأول هذه المُقتطفات للدّخول إلى صلب مادة هذه اليومية : 

[على خَلْفية هذه التطورات ( أي التطورات التي أوردتُ تفاصيلها في اليومية آنفة الذِّكر ) ، كَتبَ الدكتور الخالدي يقول أنَّ وزير الخارجية البريطاني ” بيڤن ” أعلن أمام مجلس البرلمان البريطاني في ١٨ شباط ١٩٤٧ عن قرار الحكومة البريطانية التَّخلي عن الإنتداب على فلسطين وعَرْض قضيتها على هيئة الأُمم المتحدة  في دورتها المنعقدة في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر أيلول عام ١٩٤٧، ” ويقول أيضاً “…أنّه ونظراً لكَثرة المواضيع المعروضة للبحث في تلك الدّورة ، فقد تم تأجيل طَرْحها إلى شهر تشرين الثاني من العام المذكور ، وأنَّ ذلك قد تم بعد التنسيق المُسْبق فيما بينها ( أي بريطانيا )  وبين الولايات المتحدة . ( ص ١٣٣)

ويُضيفُ الدكتور الخالدي أنَّ هيئة الأمم قد أَقرَّت ما طَلبته بريطانيا وأمريكا ، وانها أَلَّفَتٌ في ١٥ أيار ١٩٤٧ ” اللجنة الدولية ، برئاسة القاضي السويدي إميل ساندستروم ( وكان قاضياً في المحاكم المختلطة في مِصْر ) . ومن أعضاءها المحامي والقاضي الهندي المُسْلِم المعروف السيد عبد الرحمن، ومَندوب إيران المُسْلِم السيد نصر الله إنتظام . وعُهِدَ بسكرتارية هذه اللجنة الى السيد ‘فكثور كو’ الصّيني . وعُرِفَت هذه اللجنة باسم (UNSCOP) ، أو لجنة تحقيق هيئة الأمم الدولية لفلسطين ( اللجنة ) ” .

وقد تألفتْ ‘اللجنة’ من ممثلي أحد عشر دولة عُضو في الهيئة ، وذلك لأجل إعداد تقرير عن قضية فلسطين لهيئة الأُمم . أما أعضاء هذه ‘اللجنة’ ، فكانت تَضم بالإضافة إلى إيران والهند ، كل من البيرو ، وأورغواي ، وغواتيمالا ، وكندا ، والنمسا ، والسويد ، وتشيكوسلوفاكيا ، وهولندا  ويوغسلافيا . 

ويقول الخالدي  ” قَبِلنا نحنُ هذا الأمر، كما قَبِلَته حكومات البلاد العربية ” ، وكانت حينها ( أي في العام ١٩٤٧)  تقتصر على كل من مِصْر والعراق والسعودية ولبنان وسوريا واليمن ، وهي دُوَلٌ أعضاء في منظمة الأمم المتحدة والتي لم يكن عدد أعضاءها في ذلك الوقت  يتجاوز ثمانية وخمسون دولةً  . ]

إزاء ذلك ، يقولُ الخالدي أنَّ ” مجلس جامعة الدول العربية قَرَّرَ فور الإعلان عن تشكيل ‘اللجنة’ ” أن تتعاون حكومات البلاد العربية السَّبع (أي الدول الستة أعلاه بالإضافة إلى الأردن والذي لَمْ يَكُنْ قد اكتسبَ بَعْد عُضويته في منظمة الأُمم المتحدة ) مع هذه ‘اللجنة’ الجديدة ” وأنَّ تلك الحكومات باشرتْ ” بتحضير المَعلومات اللازمة والتقارير والبيانات التي ستُقَدَّم للجنة ” .

 

أَمّا ” في الأوساط الفلسطينية ، والهيئة العربية العليا ( الهيئة )” ، فكانت الصورة مختلفة ، وفي ذلك يقول الخالدي أنَّ الموقف قد  ” …اختلف عمّا كان عليه في أوساط الجامعة العربية وحكوماتها الأعضاء ” ، أي السبعة دول . ويُضيف أن رئيس الحزب العربي الفلسطيني ونائب رئيس الهيئة العربية العليا ( أي جمال الحسيني ) قام يُنادي ” بِوُجوب مُقاطعة ‘اللجنة’ الدولية الجديدة ، وهو الذي كان سيذهب للمُثول أمام هيئة الأمم التي انتدبت هذه ‘اللجنة’ في دورتها السابقةفي ليك سكسس “ ( Lake Success) .

وبالتالي ، يضيف الخالدي أنَّ الهيئة العربية العليا ( برئاسة الحاج أمين الحسيني ) قَرَّرتْ “مُقاطعة ‘اللجنة’ مُقاطعة تامّة ومُقاطعة أعضاءها ولو في الإجتماعات والحَفلات الخاصة أيضا أو شِبه الرسمية، كما فَعلتْ مع اللجنة الملكية “. 

ويقول ، وبناءً على ذلك ” نَزَلَتْ البلاد على قرار المقاطعة هذا وعَمِلَتٌ بمُوجبه “. 

وحول مَوٌقفه هو ( الدكتورحسين فخري الخالدي ) من قرار  “الهيئة” مُقاطعة التواصل مع اللجنة  ، يقول الدكتور أنّه ” كان من رأينا أن نتقدم أمام هذه ‘اللجنة’ الدولية ، بعد أن قبلنا مبدأ عرض القضية على هيئة الأمم ، خصوصا وأن بين أعضاءها عضوين بارزين من الأقطار الإسلامية الشرقية الشقيقة ” 

ويردف قائلاً بأن ‘اللجنة’ وصلتْ إلى الشرق الأوسط ” وطاف أعضاؤها بالعواصم العربية ، فاجتمعوا إلى حكام العرب ورجالاتهم “. 

ووصلتْ أيضا إلى فلسطين ” وبقيتْ فيها من ٥ حزيران إلى ٣٠ تموز ١٩٤٧ ” وأنه عَلِمَ أنَّ بعض أعضاء الهيئة العربية العليا ، قابلوا بدورهم العضوين الشرقيين واجتمعوا بهما اكثر من مَرّة ” ، وأنّه هو شخصياً ، قُدِّرَ له أنْ يجتمع ” مع رئيس اللجنة الأسوجي ( السويدي) والعضو الإيراني ، والسكرتير الصيني ” وأنه اجتمع أكثرمن مرّة مع ” الزعيم المسلم الهندي البارز السيد عبد الرحمن ، وابنه وسكرتيره ..” وأنه لَمسَ عطفاً عظيماً على قضية عرب فلسطين وتأثراً عميقا من “جَرّاء السياسة الإستعمارية البريطانية والصهيونية” وأنَّ الزعيمان أَسِفا أسَفاً عظيماً من ” جرّاء قرار الهيئة العليا بمقاطعة ‘اللجنة’ “. 

ويقول ” … غادر أعضاء ‘اللجنة’ الشرق الأوسط بعد أن استمعوا مُطَوَّلاً إلى وجهة النظر اليهودية يَشْرَحها الأخصائيون والخبراء ، ” وأنهم ” ذهبوا إلى سويسرا لوضع تقريرهم بشكله النهائي ” وأنه توالت الأخبار بعد ذلك  ” عن إنقسام في الرأي بين أعضاء ‘اللجنة’ ” وأنه وأخيراً ” صدر التقرير بشَقّيه، فكان رأي الأكثرية تقسيم البلاد بين العرب واليهود ” ” وكان رأي الأقلية وهم الأعضاء الشّرقيون ( أي إيران والهند بالإضافة إلى يوغسلافيا )  مُعارضة مشروع التقسيم والقول بإنشاء دَوْلة مُوَحَّدة إتحادية “. 

وكي نتعرف اكثر على مزيد من المعلومات عن نشاطات اللجنة أثناء إقامتها في فلسطين وخلال زياراتها لبلدان المنطقة ، سأضطر للاستعانة بالمعلومات التي أوردها الباحث جهاد محمود عبد المبدي – جامعة عين شمس  ( دكتوراه القانون ) ، في الورقة البحثية التي أعدها ونشرتها ” المجلة الدولية للفقه والقضاء والتشريع ” في المجلد الرابع – عدد رقم (٢) – ٢٠٢٣ حول ” دور لجنة التحقيق الدولية اليونسكوب ( UNSCOP) في تقسيم فلسطين ” . 

يقول الباحث جهاد ، في ورقته الرائعة  أنَّ ‘اللجنة’ وصلتْ إلى فلسطين في ١٥ أيار ١٩٤٧، وأنها اجتمعت ” للمرّة الاولى في القدس يوم الاثنين ١٦ يونيه ١٩٤٧م” ، وأنها عَقَدتْ جلستي إستماع ” قَدَّم فيها ممثلا الحكومة الفلسطينية ( أي حكومة الإنتداب البريطاني ) نسخاً من تقرير ‘ مَسْح فلسطين ‘ ، وأجابوا على أسئلة ‘اللجنة’ ” وأنَّ السَّيد ‘ موشيه شرتوك ‘ رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية قام ” بتسليم نُسَخ من ‘ القَضِيّة اليهودية ‘ ، وأجاب هو الآخر على أسئلة أعضاء ‘اللجنة ‘”. 

ويقول أيضاً بأنَّ  ‘اللجنة’ قامت بجولات عِدّة في فلسطين ما بين ١٨ حزيران و ٣ أيلول ١٩٤٧ ، زارت فيها ” المزارات المسيحية واليهودية والمُسْلِمة في القدس والجامعة العِبْرِيّة ومستشفى القدس والبحر الميت والخليل وبئر السبع وغزة ، والتجمعات العربية في النَّقَب والرملة ويافا وتل أبيب ، والتجمعات اليهودية في النَّقَب ورام الله ونابلس ، وطولكرم ، وعكّا ، ورحوفوت، وعدة مستوطنات زراعية يهودية ” .

ويُضيف ، بأنَّ ‘اللجنة’ عَقَدَتْ ما بين ٤ إلى ١٧ تموز ١٩٤٧ ، إثنا عشر جلسة استماع عامة ” قُدِّمَتْ فيها مجموعة من الأدلة من قِبَل (٣١) شخصاً يهودياً يمثلون (١٦) منظمة يهودية ” ، وأنه وفي إحدى جلسات الاستماع حسب أحد المراجع الذي استند اليها الباحث ، فقد قَدّمَ الجانب اليهودي (٣٣) رَسْماً بيانياً ” تُوضِّح بأن الهجرة اليهودية قد أحدثت آثاراً إقتصادية استفاد منها العرب ” ، وأنَّ ‘بن غوريون’  تَحدّثَ ” مع أعضاء لجنة اليونسكوب وطالبهم بأن تكون مُلكية فلسطين كلها لليهود ” وأنَّ الحاخام ‘فِشْمان’ ” أَخَذَ يُصَوِّر قُوّة الأواصر الروحية التي تربط بين الشعب اليهودي والأرض المقدسة “.

وأنَّ ‘اللجنة’ تَوجّهتْ في يوم ٢٠ تموز ١٩٤٧ إلى لبنان ، وقامتْ في اليوم التالي بزيارة غير رسمية إلى دمشق ،     وأنَّ وزير خارجية لبنان السيد ‘حامد فرنجي’ نَقَلَ في يوم ٢٢ تموز ” وُجْهات نَظَر الدُّول العربية بشأن القضية الفلسطينية إلى لجنة الأُمم المتحدة الخاصة بفلسطين ” ، وأنه وفي يوم ٢٥ تموز ١٩٤٧ ، قام رئيس وعدد من أعضاء اللجنة ( كندا ، تشكوسلوفاكيا، إيران ، هولندا ، بيرو، يوغسلافيا ) بزيارة إلى عَمّان ” حيث تم تبادل وجهات النظر مع الملك ، وأعضاء أمانته “. 

ويُضيف الباحث إلى أن ‘اللجنة’ تجاوزت الحدود في ممارسة أعمالها عندما قررت تشكيل لجنة فرعية لزيارة ” مُعَسكرات ومُخيمات اللاجئين اليهود وذلك خلال الفترة ما بين ٨ و ١٤ أُغسطس ١٩٤٧م ” ، ويقول الباحث أنَّ اللجنة الفرعية قامت بزيارة ” ميونخ وسالزبورغ وڤينا وبرلين وهامبورغ وهانوڤر ، والتقتْ بالمستشار النمساوي والحاكم العسكري لمناطق الولايات المتحدة ( الواقعة تحت السيطرة العسكرية للولايات المتحدة في أوروبا ) ، وبالعديد من المسؤولين الأمريكيين والبريطانيين المسؤولين عن شؤون النازحين بالإضافة إلى مسؤولي اللجنة التحضيرية لمنظمة اللاجئين الدولية ، وأخذتْ ‘اللجنة’ تنظر في مشكلة اللاجئين اليهود ” ، ويَرى  أنَّ قيام اللجنة برَبْط ” مُشكلة اليهود اللاجئين في أوروبا بقضية فلسطين ” هي مسألة تخرج عن نطاق إختصاص لجنة اليونسكوب ” . 

ويورد الباحث إلى أن البعض قد أشار إلى أنَّ مندوبا الهند وإيران قد ” عارَضا بقية أعضاء ‘اللجنة’ في توسيع نطاق أعمال ‘اللجنة’ لتشمل أحوال اليهود المُشَرّدين في دول أوروبا ، لكن معارضتهما لم تَلْق أي إستجابة ، وأصرَّ بقية أعضاء ‘اللجنة’ على متابعة العمل وتناول هذه المسألة “. 

وفي سياق تناوله لهذا الموضوع ، يُلقي الباحث الأضواء على أنَّ ممثلي الوكالة اليهودية الذين كانوا يتحدثون لأعضاء ‘اللجنة’ ، كانوا يركزون على ” معاناة الشعب اليهودي وتشريده وللإبادات والمجازر التي تعرَّض لها هذا الشعب ، بسبب طرده من وطنه الحقيقي ( فلسطين ) ، منها مذبحة  اليهود التي ارتكبها هِتْلَر ،، ومُعاناة اليهود بسبب عدم القُدرة على الهجرة إلى أرض فلسطين ” وأنَّ مُمثلي الوكالة اليهودية ، طالبوا لجنة اليونسكوب ” بأنهم يريدون إستعادة كرامتهم الإنسانية ووطنهم ، ويريدون جَمْع شَمْلهم مع أقاربهم في فلسطين بعد أن فقدوا أقاربهم ” وطالبوا ” بضمان وكفالة حق اليهود في العودة إلى وطنهم “. 

يتضح مما سبق كيف تم توظيف المَحْرَقة التي تعرَّض لها اليهود من مواطني البلدان الاوروبية على أيد أوروبيين خلال الحرب العالمية الثانية في تبرير الجرائم المَهولة المُرْتكبة بحق الشعب العربي الفلسطيني وبحقه في وطنه إبتداء بدفع أعضاء ‘اللجنة’ لتَبَنّي فِكرة تقسيم فلسطين ، ومَنْح الوكالة اليهودية أساساً ” قانونياً ” ( بالاستناد على ما يسمى بالشرعية الدولية ) بَنَتْ عليه مشروعها في إقامة دولة لها في فلسطين ، خلافاً للأسس المَبْنِيّة على الأساطير الدينية ..! 

سأكتفي في هذه اليومية بهذا القدر من المعلومات ، على أن يتم تناول باقي التطورات في اليوميات اللاحقة . 

عبد الرحمن البيطار 

هايدلبيرغ – الإثنين ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٤