يومية الثلاثاء الموافق ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٤
قَرَّرتُ البِدْء في كتابة هذه اليومية وأنا في قاعة الإنتظار في عيادة مستشفى هايدلبيرغ إنتظارا لحلول موعدي .
لنَعُد الآن لاستكمال حديثنا عن لجنة اليونسكوب ( لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بخصوص فلسطين ).
يقول الباحث جهاد عبد المُبدي – جامعة عين شمس ، أنَّ لجنة اليونسكوب عَقدتْ ما بين ٢٦ أيار و ٣١ آب ١٩٤٧ سِتّة عشر جَلسة عَلَنيّة و سِتّة وثلاثين جَلسة خاصة .
ويقول أيضاً ” أنَّ مُمثلي الجانب الفلسطيني والهيئة العربية العليا (أي القيادة الفلسطينية المعترف بها من قبل جامعة الدول العربية مُمَثِّلاً لفلسطين وللفلسطينيين في الجامعة ) قاموا في أحيانٍ كثيرة بمُقاطعة لجنة اليونسكوب ، ورَفضوا التعاون معها ، لأنَّ الأُمم المتحدة رفضتْ إنهاء الإنتداب البريطاني ومَنح فلسطين الإستقلال ” ، ويُضيف أنَّ الجامعة العربية قد ” أخذت مَنْحاً مُغايِراً ، لذلك عَقَدَتْ لُجنتها السياسية إجتماعاً في ٣ يوليو ١٩٤٧م ، وقَرَّرَت أن يجتمع المندوبون العرب مع لجنة اليونسكوب بشكل جَماعي ، وأن يمتنعوا عن سياسة المقاطعة ، وأن يُسَهِّلوا لها أداء مُهِمّتها مع تقديم كل ما يلزم من تعاون ”
وفي المُقابل ، يقول الباحث ، أنَّ مُمثلي الجانب اليهودي ( الصهيوني) ، فقد ظَلّوا ” يُقدِّمون يَد العَوْن والمُساعدة للجنة اليونسكوب ، وأظهروا تعاوناً كبيراً مع اللجنة المذكورة ، وقَدَّموا لها العديد من الوثائق والمستندات التي تدعم مطالبهم وحقوقهم “.
يقول الباحث أيضاً ، أَنَّ لُجان التحقيق الدولية تَتَّخذ عادةً قراراتها ” بالأغلبية العظمى للآراء ” ، وأنَّ تقرير اللجنة ” يُوضَع بصُورةٍ سِرِّية وبأغلبية الأصوات مع ذكر أسماء المُعارضين “، ولا يَتمتع تقرير تلك اللجان ” بالصفة الإلزامية ” وأن ” للأطراف المَعْنِيّة الحُرية المُطلقة فيما يُرَتِّبونه عليه من آثار، فلهم أنْ يأخذوا بما وَردَ فيه، أو رَفْض كل ما ورد بين دَفَّتَيْه ، ولهم أن يُقرِّروا الدخول في مفاوضات مباشرة من أجل تَسْويةِ ما يَثورُ بينهم من خلافات أو التّوجه صَوْب التحكيم الدولي أو محكمة العدل الدولية ، أو إختيار أي وسيلة أُخرى يرونها ملائمة لتسوية هذا النزاع “.
ويُضيف الباحث ، بأنه وفي مؤتمر صحفي عُقِدَ في جنيڤ في ١٣ تموز ١٩٤٧ م ، أوضح إيميل ساندستروم ( Emil Sandstrom ) رئيس لجنة اليونسكوب ( لجنة التحقيق الدولية ) ” برنامج العمل الذي ستتبعه اللجنة المَعْنِيّة في صياغة تقريرها ” وأن رئيس اللجنة قال في المؤتمر المذكور “إنَّ المرحلة الأولى:سوف تتناول تاريخ الأزمة الفلسطينية ، والمرحلة الثانية : تحليل الحقائق كما حددتها اللجنة . والمرحلة الثالثة : توصيات إلى الجمعية العامة “.
أمّا التقرير النهائي للجنة ، فجاء مُكَوَّناً من مُقَدِّمة ، وثمانية فُصول ، ومُلحق ، وسِلسلة من المُرفقات ، وأوردَ الباحث تلخيصاً لمُحتوياته على النحو التالي :
الفصل الاول : وقد جاء ” مُتضمناً وَصفاً لنَشأة لجنة اليونسكوب وتَشكيلها ، مع تَضمينه بمُلخَّص عن أنشطة هذه اللجنة في ” ليك سَكْسِسْ ” ( Lake Success) والقدس و بيروت و جنيڤ ”
الفصل الثاني : وقد ” استعرض تاريخ الدولة الفلسطينية وهي تَرْزَح تحت الإنتداب ، وتَطَرَّق للعوامل الديمغرافية والإقتصادية وغيره من الأوضاع الخاصة بفلسطين ، وأوردَ الإدعاءات التي تَمَسّك بها الجانبين الفلسطيني والصهيوني ، وقام بمناقشتها وتحليلها وتقييمها “.
الفصل الثالث : وقد جاء ” مُتناولاً فلسطين من مَنظور ديني فقط ؛ باعتبارها الأرض المقدسة للأديان الثلاثة . ”
الفصل الرابع : وقد تضمن ” أهم الحلول التي طُرِحَت ونوقِشَت قبل إنشاء لجنة اليونسكوب “.
الفصل الخامس : فقد ” أوردتْ فيه ‘اللجنة’ مَجموعة من التوصيات والمقترحات ، عددها إحدى عشرة توصية ” ، وكان في مُقدمة تلك التوصيات والمقترحات ” التوصية بتقسيم فلسطين إلى دولتين مُستقلتين ، إحداهما دولة عَربية ، والأُخرى دولة يهودية ، من الممكن أن تكون مُنفصلة تماماً عن الدولة الفلسطينية ، أو مُرْتَبِطة بها قَدْر الإمكان بما يَكْفَل الحفاظ على الوحدة الإقتصادية ”
ويَستطرد الباحث ويقول ، أنَّ أكثرية اللجنة “اقترحتْ تقسيم فلسطين إلى دولتين ، دولة يهودية تُقام على مساحة ( ١٤،٢٠٠،٠٠٠) دونم ، يمتلك العرب فيها ثلثي الأراضي المسجلة والعقارات ، وكانت المناطق المقترحة لهذه الدولة تتألف من الجليل الشرقي ، ومرج بني عامر ، والسهل الساحلي من أسدود ، ويشمل تل أبيب ويافا وحيفا إلى قرب عكا ، ويدخل من ضمنها بئر السبع ومنطقة النقب” .
ويُضيف ” وكانت الدولة اليهودية المُقترحة تشمل (٥٦،٤٧٪) من مجموع أراضي الدولة الفلسطينية ( أي من مساحة فلسطين الانتدابية ) ”
” أما الدولة العربية ، فمساحتها ( ١١،٥٨٩،٨٧٠) دونم ” ، وكانت مساحتها تشمل ما نسبته ( ٤٢،٨٨٪ ) من مساحة الدولة الفلسطينية ( فلسطين ) .
أما منطقة القدس الدولية ، فكانت تشمل ما نسبته (٠٠،٦٥٪) من مساحة الدولة الفلسطينية ( فلسطين ).
أما أقلية اللجنة ( إيران ، الهند ، يوغسلافيا ) ، فيقول الباحث أنها اقترحتْ ” أنْ تُنْشَأ في فلسطين حكومتان مستقلتان ذاتياً ، تؤلّفان دولة إتحادية عاصمتها القدس ، على أن تقوم الحكومة الإتحادية بشؤون الدفاع الوطني والمصالح الخارجية والإقتصادية التي تهم الحكومتين ، ويرأسها رئيس منتخب من مجلس الإتحاد ، ويضع الدستور الواحد ويقرر الرعوية الفلسطينية الواحدة ، ويعالج مسألة الهجرة إلى المنطقة اليهودية فقط “.
ويردف قائلاً بأن ‘اللجنة’ تقدمتْ ببعض المُقترحات الأخرى ، وهي على النحو التالي :
١- إنهاء الإنتداب البريطاني ، وتشكيل حكومة او حكومتين مسؤولتين أمام الأُمم المتحدة ، على أن يكون النظام الأساسي فيها أو فيهما على أُسس دستورية وديمقراطية .
٢- احترام الاماكن المقدسة للديانات الثلاث ، وضمان حرية العبادة للجميع .
٣- اعتماد الدبلوماسية السياسية وسيلة منفردة لحل المسائل العالقة ومسائل الحل الدائم . ”
الفصلين السادس والسابع : وقد تضمنت ” خطة لحكومة فلسطين المستقبلية ” .
الفصل الثامن: وقد تمَّ تضمينه ” بقائمة من التَّحفظات والملاحظات التي أبدتها بعض الوفود على عدد من النقاط المحددة ، ونَص هذه التحفظات والملاحظات في ملحق التقرير”.
بعد ذلك ، يقول الباحث بأنَّ اللجنة قامت بعد انتهاءها من أعمالها ومهمتها وصياغة تقريرها النهائي ، وبتاريخ ٣١ آب ١٩٤٧م ، في “ليك سَكْسِسْ” في نيوريورك بعقد اجتماعها الختامي ” من أجل التوقيع على هذا التقرير ورفعه إلى الحكومات الأعضاء في الأُمم المتحدة والى الجمعية العام للأمم المتحدة”.
ماذا عن ردود الفعل على تقرير لجنة اليونسكوب ؟
عن ذلك ، يقدم الباحث المُلَخّص التالي :
جاء رد الفعل الأمريكي على التقرير على لسان ممثل الولايات المتحدة ” هرشل جونسون “( Herschel Johnson ) بأنَّ بلاده ” تُؤيد التقرير وتَدعم مَشروع التقسيم والهِجرة” ، وفي الوقت ذاته ، طالب المندوب الأمريكي بإجراء “بعض التعديلات ، مثل إلحاق يافا العربية بالقسم العربي ليَظْهر وكأنه يُدافِع عن بعض المصالح العربية ، حتى لا يُظْهِر تحيزه الكامل ضد العرب ”
أما اللجنة السياسية المنبثقة عن جامعة الدول العربية ، فقد رفضت التقرير في مؤتمرها المنعقد في صفر ( لبنان ) بتاريخ ١٦ أيلول (سبتمبر) ١٩٤٧م ، لما انطوى عليه من مَساس وانتهاك جسيم لحقوق الشعب الفلسطيني ، وتَبَنّي لمشروع الدولة اليهودية الذي يَرْفضه العرب ، وحَذَّرَتْ من خطورة التمادي البريطاني في رفض قيام الدولة العربية المستقلة ، وحَثَّتْ الدول العربية على تقديم المساعدات العاجلة لعرب فلسطين ، لتمكينهم من الصُّمود في وجه المخطط الإستعماري “.
أما المجلس الصهيوني العام ، الذي كان مُجتمعا في ” زيورخ وَقْتَ إعلان تقرير اللجنة في ٣١ أُغسطس سنة ١٩٤٧م ، فقد وافقَ على المشروع بأغلبية (٥١) صوتاً ضد (١٦) صوتاً ”
يُضيف الباحث ويقول أنه وفي اجتماعها العادي بتاريخ ١٦ أيلول (سبتمبر) ١٩٤٧م ، عُرِضَت مُشْكِلة فلسطين على الجمعية العامة للأمم المتحدة ، “فقررت إنشاء لُجنة خاصة مؤقته(Ad Hoc Committee ) عُرِفَتْ باللجنة السياسية من أجل دراسة ومناقشة تقرير لجنة اليونسكوب ” .
ويَستطرد ويقول بأن اللجنة الجديدة قد اجتمعت وقَرَّرت دعوة ممثلي الهيئة العربية العليا ،وممثلي الوكالة اليهودية ، لحضور جلساتها ، وللإدلاء بأية معلومات قد تحتاج إليها هذه اللجنة ، وأنَّ مُمثلي الطرفين إستجابا لهذه الدعوة ، وتمسك كل طرف بموقفه ومطالبه ،”ونُقِلَ لهذه اللجنة رفض الجانب العربي لما انتهت اليه لجنة اليونسكوب ، ودَوَّنَته في تقريرها بخصوص مشروع الأكثرية ( التقسيم ) . وعلى النقيض من ذلك ، فقد رَحّب ممثلي الجانب الصهيوني بمشروع التقسيم وبحقهم في إقامة الدولة اليهودية” .
أما ممثلي الهيئة العربية العليا ، يقول الباحث ، فقد قدموا مقترحاً ” يَستهدف إنشاء حكومة مركزية في فلسطين ، ويَحث بريطانيا على التباطؤ في إنهاء الإنتداب ، بحيث لا ينتهي إلا بعد مرور سنة من تكوين هذه الحكومة ، ” ، وفي ذلك يستعير الباحث قول أحد المؤرخين العرب بأنهم ، أي العَرَب ” … قد رفضوا أنصاف الحلول ، أي رفضوا التفاهم والتنازل عن حقوقهم “.
يقودنا ذلك إلى ٢٥ تشرين الثاني ( نوڤمبر) ١٩٤٧ م، وهو تاريخ انعقاد اللجنة السياسية بالجمعية العامة للأمم المتحدة ، والذي طَرَحَت فيه مَشروع الدولة المُوَّحَدة ، وحول ذلك يقول الكاتب بأن المَشروع قد “… تمَّ رفضه بأكثرية الأصوات التي صوتت ضده ” ، وعند ذلك ، تقدم الجانب العربي ، بمُقترح “يَرمي إلى نَقْل المشكلة الفلسطينية إلى محكمة العدل العليا لاستصدار فتوى منها بشأن صلاحية الجمعية العامة بفرض التقسيم والتدويل ، او حتى مجرد التوصية به ، فقوبل هذا المقترح أيضاً بالرفض ، بسبب عدم حصوله على النِّصاب القانوني المطلوب ” .
سأكتفي في هذه اليومية بتغطية هذا القَدْر من التطورات ، تاركاً تناول التطورات التي تلت اجتماع يوم ٢٥ تشرين الثاني وصولاً ليوم ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧ ليومية أُخرى .
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٤