Menu Close

قرارتقسيم فلسطين رقم (١٨١) … كيف تم تصنيع النصاب القانوني لإقراره من قبل الجمعية العام للامم المتحدة في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧..!

يومية الأربعاء الموافق ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٤

أنهينا توضيب الشّنطتين قَبْلَ قليل ، نَزَلتُ من الغرفة رقم (٤١٠) في الطابق الرابع إلى كاونتر الإستقبال في صالة مدخل الفندق لإنهاء أية أمور تتعلق بفواتير الإقامة  في الفندق قبل مغادرته في الحادية عشر من هذا الصباح . أرْسَلتْ مُوَظّفة الإستقبال عَرَبة تحميل الشُّنَط للغرفة . 

بعد نصف ساعة ، سيأتي التاكسي الذي سيأخذنا الى مطار فرانكفورت . 

الجو في هايدلبيرغ غائم ، ماطر مع ضباب كثيف . 

في هذه الزيارة ، أكون قد أنهيتُ مرحلة كاملة من المعالجة من اللوكيميا . 

في السابع عشر من الشهر القادم ( تشرين الثاني ) ، سأكون قد أتممتُ سبع سنوات كامله من اليوم الذي تم فيه تنفيذ إجراء زراعة الخلايا الجذعية المأخوذة من دم أختي سائِدة . 

 أوضاعي الصحية جيدة جداً (١٧ تشرين الثاني ٢٠١٧) . وبعد تَلَقّي جُرْعة ليمفوسايتس (DLI) بمقدار (٤٠) مليون وحدة في ٢٣ من هذا الشهر ( تشرين أول ٢٤ ) في مستشفى جامعة هايدلبيرغ ، وبعد عدم ظهور أية ردود فعل سلبية خلال أسبوع من تاريخ تنفيذ الإجراء الآنف الذكر ، طَلبَ بروفسور بيتر أخذ خُزْعة ( Biopsy ) من نُخاعي العظمي للتحقق أكثر من أوضاع الدم لَدَي . سيُصار إلى  أخذ الخُزْعة في مركز الحسين للسرطان حيث يتم هناك متابعة إجراءات علاجي على أيدي فريق طبي ماهر في هذا المركز الرائع . 

وأخيراً، التحقت بي مُنى في صالة الانتظار . مَدّتْ نَظَرها إلى الخارج وقالت لي أنه يبدو أن ” فَرَح الزّمان ” هي التي  سَتُقِلّنا  إلى المطار ، وفرح هي امرأة إيرانية لها شخصية طريفة وتعمل سائقة تاكسي في هايدلبيرغ ، وسَبقَ أنْ تعاملنا معها مِرارا أثناء زياراتنا إلى هايدلبيرغ خلال السنوات السبع الماضية . 

قلتُ لنفسي مُعَلِّقاً؛ هايدلبيرغ مدينة صغيرة جميلة جداً والناس تعرف بعضها البعض وهذا يزيد من جاذبيتها ، وقد ذَكّرتني فَرَح الزّمان بمدن بلادنا قبل خمسين عاما حيث الناس تعرف بعضها البعض تمام المعرفة. 

************

في يَومية يوم أمس ، خَتمتُ اليومية بالقول : 

يقودنا ذلك إلى ٢٥ تشرين الثاني- الثلاثاء ( نوڤمبر) ١٩٤٧ م، وهو تاريخ انعقاد اللجنة السياسية بالجمعية العامة للأمم المتحدة ، والذي طَرَحَتْ فيه اللجنة ( اللجنة السياسية Ad Hoc Committee )  ، أي في ذلك اليوم ، مَشروع الدولة المُوَّحَدة في فلسطين  لمناقشته والتصويت عليه من قبل الجمعية العامة ، وحَوْل ذلك يقول الباحث (الدكتور جهاد عبد المبدي ) بأنَّ المَشروع قد “… تمَّ رفضه بأكثرية الأصوات التي صَوَّتتْ ضده ” ، وعند ذلك ، تَقَدَّمَ الجانب العربي ، بمُقترح “يَرمي إلى نَقْل المُشكلة الفلسطينية إلى مَحكمة العَدْل العليا لاستصدار فتوى منها بشأن صلاحية الجمعية العامة بفرض التقسيم والتدويل ، أو حتى مجرد التوصية به ، فقوبل هذا المُقترح أيضاً بالرَّفض ، بسبب عدم حُصوله على النِّصاب القانوني المطلوب ( أغلبية الثلثين )، إذْ صوتت بالموافقة (٢١) دولة ، واعترضت عليه (١٨) ، وامتنعت عن التصويت (١١) دولة “. 

بلغ مجموع الدول التي شارَكَتْ في التصويت على المُقترح المذكور أعلاه (٥٠) دولة من أصل (٥٧) دولة ، وهو مجموع عدد الدول الأعضاء في الأُمم المتحدة في ذلك الوقت ، ويَظهر من ذلك  أنَّ سبعة دُوَل لَمْ تُشارك في التصويت على المُقترح المذكور . 

وعلى الرغم من إسقاط ذلك المُقترح ( مقترح إحالة المشكلة الفلسطينية إلى محكمة العدل الدولية بشأن صلاحية الجمعية العامة بفرض التقسيم والتدويل او حتى مجرد التوصية به ) ، فإن نتيجة التصويت أرعبت الجانب الصهيوني ( اليهودي)، لأن عدد الدول المُمْتَنِعة- (١١) دولة – والمُعْتَرِضة –  (١٨) دولة – ، وفي حال حضور الدول الغائبة وعددها (٧) لجلسة التصويت على مشروع قرار تقسيم فلسطين وبقاء الدول عند موقفها بالإعتراض/ الرفض او الإمتناع عن التصويت ، فإن عرض مقترح  تقسيم فلسطين  على الجمعية العامة في ظل مواقف الاعتراض والامتناع المشار اليها أعلاه ، من شأنه أن يُفْشِل المُقترح بسبب تعذر تحقيق نِصاب الثُلثين في اجتماع الجمعية العامة. 

لذا ، هَرَعتْ الوكالة اليهودية للإستعانة بالصديق الرّاعي الأمريكي لإنقاذها من الوَرْطة الوَشيكة الوُقوع  ، وفي ذلك يقول الباحث المصري الدكتور عبد المُبدي في بحثه الرائع الذي أشرتُ اليه في اليومية السابقة ، بأنّه وفي اليوم التالي أي الأربعاء  (٢٦ نوڤمبر ) ، “وبعد مُناقشات مُسْتفيضة لمشروع الأكثرية ( أي مشروع تقسيم فلسطين ) ، (فإنّه) ، لَمْ يَتَبَقَ إلا التصويت عليه في الجمعية العامة ( للأُمم المتحدة ) ” ، ويُضيف بأنَّ ” مُمَثِّل الوكالة اليهودية أدركَ أنَّ التصويت لن يخدم المصالح الصهيونية ، وبأنَّ التقسيم ( مشروع تقسيم فلسطين ) لَنْ يصل  إلى النِّصاب القانوني اللازم توفيره ، لذلك اقترحَ تأجيل التصويت  إلى اليوم التالي ، وكان له ما أراد “. 

ويُضيف الباحث ، أنَّ اليوم التالي وافق أن يكون ” عيد الشُّكْر ” عند الأمريكيين ، وأنه ” وبالرغم من أنَّ هذا اليوم ليس من الأعياد الرسمية التي تتعطل فيها أعمال الأُمم المتحدة ، إلا أن الدكتور ” إزوالدو أرانها ” رئيس الجمعية العمومية المَعروف بمُيوله الصهيونية ، قَرَّرَ للمرة الاولى في تاريخ الأُمم المتحدة تعطيل أعمال الجمعية العامة “. 

إذنْ ، تمَّ تعطيل الأمم المتحدة ، لأجل مَنٍح الوقت اللازم لمُمارسة الضغوط على الدول المُتوقع :

  • أن تَعترض على قرار التقسيم لأجل تغيير موقفها والتصويت لصالح القرار ، أو ، في أسوأ الظروف لأجل الأمتناع عن التصويت . وكذلك تلك المُتوقع 
  • أن تَمتَنع عن التصويت لصالح القرار ، لأجل تغيير موقفها و التصويت لصالح القرار . وكذلك المُتوقع 
  • أن تَغيب ، لأجل دفعها للمشاركة في اعمال الجلسة والتصويت لصالح قرار التقسيم . 

أمّا يَوْمي التأجيل ، فقد كانا ؛ يومي ٢٧ و ٢٨ تشرين الثاني أي الخميس والجمعة – ( نوڤمبر ) ١٩٤٧م. 

وخلال هذين اليومين ، يقول الباحث الدكتور عبد المُبدي ، ” تَمكنتْ الدبلوماسية الأمريكية من التّحرك بكل ثِقَلِها ، وراحتْ تُمارس سياسة الإبتزاز والضغط وغيره من الأساليب المُلتوية من أجل تحويل موقف الدول المُعارضة للتقسيم إلى تأييد قرار التقسيم أو على الأقل ال الإمتناع عن التصويت ” وأنها ، أي الولايات المتحدة ” استخدمت في سبيل ذلك أساليب لَمْ يَسبِق لها نَظير في تاريخ الأُمم المتحدة ” ، وقد أورد الباحث الأمثلة التالية : 

  • بالنسبة لمندوب دولة ” سيام ( تايلاند ) الذي كان موقفه يتمثل في الإعتراض على قرار التقسيم ، فقد ” أُثيرَ موضوع صِحّة أوراقه  ” ، ويُضيف بأنَّ الأمين العام للأمم المتحدة ” تريجيفي لي ” أيَّدَ هذه المُناورة ، مما جَعَلَ مَندوب ” سيام ” يَمتنع عن التصويت يوم الإقتراع (٢٩ تشرين الثاني – نوڤمبر ١٩٤٧م). 
  • وبالنسبة لـدولة ” هاييتي ”  ، وهي الدولة الوحيدة من دول أمريكا اللاتينية التي كان موقفها يتمثل في معارضة قرار التقسيم ، يقول الباحث بأنَّ  الولايات المتحدة ” هَدَّدَتها بقَطْع المعونة الأمريكية عنها ، فتحولَ موقفها من الرّفض إلى التأييد. “
  • وبالنسبة لـدولتي  ” الصين الوطنية ” و ” الحَبَشة “( أثيوبيا )  ، يقول الباحث بأن الولايات المتحدة مارست ذات  التهديد الذي مارَسته بحق ” هاييتي ” ، ” وأتى هذا الوَعيد أُكُلَه ، فتَحَوَّل موقفها من المُعارضة  إلى الإمتناع عن التصويت “. 
  • وبالنسبة لـدولة “الفلبين”، يقول الباحث ” فقد استجابت  هي الأخرى للضغوط الأمريكية ، لأنها كانت لا تزال خاضعة للنفوذ السياسي والاقتصادي الأمريكي “. 
  • وبالنسبة لـدولة ” ليبيريا ” ، يقول الباحث أنها ” لم تستطع أنْ تُغَرِّد خارج السِّرب ، وأذعنتْ للإملاءات الأمريكية ” ، وحول ذلك ،يُضيف الباحث بأنه ” تم استدعاء رئيس شركة ‘ فاير ستون ‘ ( Firestone) للمَطّاط – وهي أكبر شركة إحتكارية أمريكية تَستغل مَوارد البلاد – الى واشنطون ، وصَدَرتْ له الأوامر لإجبار حكومة ليبيريا على تعديل موقفها ، فسارعَ بالتواصل مع ممثلي الشركة في العاصمة الليبيرية ‘ مونورفيا ‘ ، وفي نهاية المطاف ، نجحتْ هذه المحاولة في إقناع حكومة ليبيريا بقبول قرار التقسيم ” ، ويستطرد الباحث ويقول ” لقد استخدم البيت الأبيض نفوذه مباشرة بدون المرور على وزارة الخارجية ”   

وقد فشلت محاولات الولايات المتحدة لإجبار اليونان في تغيير موقفها ، وفي ذلك يقول الباحث انها ” بقيت مُتَمَسِّكة بموقفها المُعارض لتقسيم فلسطين “. 

وحول الضغوط التي مورست على الهند ، يقول الباحث ، ان الجانب اليهودي حاول ” التأثير على الهند من أجل الموافقة على التصويت لصالح تقسيم  فلسطين ، حيث قام ‘حاييم وايزمان’ الزعيم الصهيوني البارز بإرسال برقية شخصية لـ ‘ نهرو ‘ – رئيس الوزراء الهندي آنذاك –  طالباً مساعدة الهند، والوقوف بجوار اليهود المُضطهدين لإنهاء محنتهم ومأساتهم ” و تَوسّل ” إليه أنْ تُصَوِّت الهند لصالح مشروع  التقسيم ” ، ويضيف الباحث بأن الهند ” ظَلَّتْ مُتَمَسّكة بموقفها المُعارض لتقسيم فلسطين ، وصَوّتت ضد قرار التقسيم ” . 

وفي يوم السبت الموافق ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧م ، يقول الباحث ، أجرتْ الجمعية العامة إقتراعها على مشروع قرار تقسيم فلسطين ، وأسفر الاقتراع عن صدور القرار رقم (١٨١)لسنة ١٩٤٧ ، حيث وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع التقسيم الذي تقدمت به لجنة اليونسكوب ، “بأغلبية (٣٣) صوتاً ضد ( ١٣) صوتاً، وامتناع عشرة أعضاء عن التصويت ” . 

ويتضح من ذلك ان (٥٦) دولة عضو شاركت في التصويت بعد حرمان مندوب سيام ( تايلاند) من التصويت ، وان عدد كل من  المُعترضين والمُمتنعين قد تقلص بفعل الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة الأمريكية . 

  • اما الدول الثلاثة والثلاثون التي وافقت على مشروع القرار ، وأمّنَتْ النِّصاب فهي بالإضافة الى الولايات المتحدة ، وروسيا  وفرنسا ، وهي دول أعضاء في مجلس الأمن : استراليا، بلجيكا ، بوليڤيا ،البرازيل ، روسيا البيضاء ، كوستاريكا ، تشيكوسلوفاكيا ، دومينكيا ،  الدنمارك ، الإكوادور ، غواتيمالا ، هاييتي ، أيسلاند، ليبيريا ، لوكسمبورغ ، هولندا ، نيوزلاندا ، نيكارغوا ، النرويج ، بنما ، بارغواي ، بيرو ، الفليبين ، بولندا ، السويد ، أوكرانيا ، إتحاد جنوب إفريقيا ، أورغواي ، ڤنزويلا ، كندا . 
  • وبالنسبة للدول التي عارضت مشروع القرار ، وعددها (١٣)، فهي : أفغانستان، كوبا ، مصر، اليونان، الهند، العراق،السعودية ، باكستان، سوريا ، تركيا ، اليمن ، لبنان، ايران  . 
  • وبالنسبة للدول التي امتنعت عن التصويت وعددها عشرة فهي : بريطانيا ، أي الدولة التي انتدبتها عُصْبة الأُمم على فلسطين ، بالإضافة إلى دولة أوروبية واحدة هي يوغسلافيا ( وهي الدولة العضو في لجنة اليونسكوب والتي كانت إحدى ثلاثة دول عارضت مقترح تقسيم فلسطين ) :  الأرجنتين ، تشيلي، الصين  ، الحبشة ، كولومبيا السلڤادور، هندوراس ، المكسيك  . 

ويتضح من اسماء الدول المذكورة أعلاه ، أنه وبدون تصويت هاييتي ، وليبيريا والفلبين، والصين والحبشة بالإضافة إلى يوغسلافيا على النحو الذي صَوَّتوا فيه والمبين أعلاه ، ما كان لمشروع قرار تقسيم فلسطين ان يرى النور ويحصل على النصاب المذكور ويتحول إلى قرار صادر عن الشرعية الدولية . 

وبهذا القرار ، تكون فلسطين هي الدولة الوحيدة التي تمَّ تقسيمها منذ تأسيس منظمة الامم المتحدة بموجب قرار صادر عن منظمة الأُمم المتحدة ، وتكون الدولة اليهودية هي الدولة الوحيدة أيضاً التي تم تشريع وجودها من قبل منظمة دولية ، وتكون القدس وبيت لحم ، هما المدينتان التي تم تدويل منطقتهما بموجب قرار صادر أيضا عن الأمم المتحدة ، بحيث تخضع منطقتهما “للإدارة الدولية تحت سُلطة مَجلس الوصاية التابع للأُمم المتحدة” .  

سأكتفي الآن بهذا القدر من المعلومات عن ظروف إصدار القرار (١٨١) القاضي بتقسيم فلسطين واقامة دولة عربية فيها تتكون من ” الجليل الغربي، ونابلس الجبلية ، والسهل الممتد من أسدود في الجنوب إلى الحدود المصرية ، وتشمل منطقة الخليل، والقدس وغور الأردن ” ، ودولة ويهودية تتكون من ” الجليل الشرقي ، ومرج ابن عامر ، والقسم الأكبر من السهل الساحلي ، ومنطقة بئر السبع التي تضم النَّقَب ” ، ومنطقة القدس وبيت لحم الدولية . 

وللحديث بقية . 

عبد الرحمن البيطار 

طائرة الملكية الأردنية المتجهة إلى عمان من فرانكفورت . 

الأربعاء – ٣٠ تشرين الأول ٢٠٢٤