كان عنوان يومية الجمعة الماضية ( ٣١ كانون الثاني ٢٠٢٥) ” ترامب ‘ ومُشاغباته …!؟ تحديات في سياق المواجهة المستمرة في فلسطين ، وفي بلدان إقليمنا ..! ؟ ” مسيتفزاً لمُنى.
نعم ، إسْتَفَزَّ العنوان صديقتي في هذي الحياة ورفيقتي ” مُنى ” ،… وسألتني لِمَ تعتبر تصريحات ترامب نوع من المشاغبات ..؟ .
قلتُ لها هو سلوكٌ فيه قَدْرٍ عالٍ لا يُحْتَمَل من التَّنَمُّر على الشعب العربي الفلسطيني كله : في داخل فلسطين كُلّها ، وفي دول الشّتات أيضاً ..!
وأضفتُ أنَّ تصريحاته لا تستهدف شعبنا العربي الفلسطيني في غزة وحقوقه الوطنية والإنسانية فقط ،وتستفزه وتستخفُّ به ، وإنما تتنمر وتستفز وتستخف شعوب بلداننا العربية كلها و أنظمتها، وحُكّامها فرداً فرداً ، وعلى الأخص مصر والاردن والمملكة العربية السعودية التي اطلقت مبادرة السلام العربية في مُؤتمر القمة العربية التي انعقدت في بيروت في ٢٧ آذار ٢٠٠٢ وتمسكت بحق الشعب العربي الفلسطيني في إقامة دولته الوطنية المستقله على ارضه وبحقه في العودة الى دياره في فلسطين ..! .
وقلت لها أن تصريحاته يا مُنى تَتَنمر ايضا على شعوب بلدان إقليمنا كله من المحيط الى الخليج بما في ذلك تركيا وإيران ،..! وتستفز وتمس ضمائر كل الشعوب المقهورة في هذا العالم وكل أحراره ، بمن فيهم اليهود المتحررين من الصهيونية العالمية وشرورها ، وتستخف بطاقات هذي الشعوب على رفض الظلم والعدوان وبحقها في مقاومة الاستعمار والتمييز العنصري بكل اشكاله ، وبالتصدي لما تتعرض له من حملات تطهير عرقي وإبادة جماعية .
قلتُ لمُنى ، أنني طلبت من عمر ابو جلال ، وهو موظف اداري مسؤول في الشركة التي أُديرها ومختص في تقنية المعلومات أن يُرَكِّبَ في هاتفي الموبايل البرنامج الصيني الجديد “ ديب سييك ” ( Deep Seek ) الذي أحدث مؤخراً بعد إشهاره في الصين ضجة كبرى في عالم تقنية المعلومات باستخدام الذكاء الاصطناعي .
جلستُ الى جانبها ، وقلتُ لها ، أنَّ ترامب كان قد أصدر كتابا في العام ١٩٨٧ بعنوان ” فن الصفقة ” ( Art of the Deal ) ، فدعينا نتعرف على ترامب من خلال كتابه .
وَجهتُ لـ ” ديب سييك ” سؤال عن كتاب ترامب: ” فَنّ الصفقة ” .
زودتني “ديب سييك” بمعلومات كثيرة عن الكتاب وعن ترامب ، وفن التفاوض حسب المرئيات الذاتية لدونالد ترامب .
رأيت في هذه اليومية أن أقتبس من ” ديب سييك ” عن كتاب دونالد ترامب ” فن الصفقة ” الاقتباسات التاليه على لسان ترامب نفسه.
يقول ترامب في كتابه:
“تنجح الصفقات بشكل أفضل عندما يحصل كل طرف على ما يريده من الطرف الآخر.”
” أسوأ ما يمكنك فعله في أي صفقة هو ان تبدو يائساً لإتمامها ، فهذا يجعل الطرف الاخر يشعر بالغضب ، ثم تموت ”.
ويزيد ويقول :
” لا أتعلق أبداً بصفقة واحدة أو نهج واحد . أولاً ، إحتفظ بالكثير من الكُرات في الهواء ، لأن معظم الصفقات تفشل ، بغض النظر عن مدى واعدتها (أن تبدو واعدة) في البداية ”
وعن شرط نجاح الصفقات ، يقول :
“الإستفادة: لا تُبْرِم الصفقات بدونها، بالعكس عَزّزها”
وعن ما بمكن أن يقوله النُقّاد في الصحافة ووسائل الإعلام عنه، يقول ترامب :
“من وجهة نظري، يحق للنقاد أن يقولوا ما يريدون عن عملي، فلماذا لا أستطيع أن أقول ما أريد عن أعمالهم؟”
أما عن أهمية أن تُثير الرأي العام وأهمية أن تجعل الصحافة في كل مكان تتحدث عنك ، يقول ترامب :
“الغاية هنا هي أنه إذا كنت مختلفاً بعض الشيء، أو تصرفت بوقاحة، أو إذا قمت بأشياء جريئة أو مثيرة للجدل، فإن الصحافة سوف تكتب عنك.
من وجهة نظر تجارية بحته ، فإن فوائد الكتابة عنك ، تفوق بكثير العيوب ”
” الأمر بسيط حقاً … والشيء المضحك هو أن حتى القصة النقدية ، التي قد تكون مؤذية شخصياً ، يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة لعملك ”
وعن أُسلوبه في إدارة شؤون عمله ، يقول ترامب :
” لدي قاعدة بسيطة للغاية عندما يتعلق الأمر بالإدارة : قُم بتوظيف أفضل الاشخاص من منافسيك ، وادفع لهم أكثر مما كانوا يكسبون ، وامنحهم المكافآت والحوافز بناء على أدائهم .
هذه هي الطريقة التي تبني عليها عملية من الدرجة الاولى ”
ويقدم ” ديب سييك ” ملخصا عن فن التفاوض في كتاب “فن الصفقة” ، وفيما يلي إضاءات مهمة عما جاء فيه :
“يرى أن مفتاح التفاوض الناجح هو التفكير الكبير والطموح العالي .
يؤمن بضرورة تحديد أهداف طَموحَة لتحفيز الذات ووضع سقف عالٍ للإنجاز .
يتبنى ترامب فلسفة التفكير الكبير ، ويشدد على أن تحديد أهداف متواضعة غالباً ما يؤدي الى نتائج متواضعة .
يَحُثُّ ( ترامب ) على الحلم الكبير والسعي لتحقيق المستحيل ، حتى لو فشل المرء في النهاية .
يرى ان الطموح الكبير يجذب الموارد والاشخاص .
لا يخاف ترامب من المخاطرة ، ويرى انها جزء من اي عمل تجاري .
ينصح ( ترامب ) بتقييم المخاطر جيداً ، ووضع خطط طوارىء ، والثقة بالنفس .
يؤكد ترامب على أهمية الإهتمام بالتفاصيل ، حيث يمكن للتفاصيل الصغيرة ان تُحدِث فرقا كبيراً بين النحاح والفشل . ”
تلك إضاءات على آلية ترامب في مجال توليد شروط عقد صفقات لعمليات مركبة ومعقدة في مجال الاعمال ، ( البيزنس ). واعتقد أنه يقوم باستخدامها مُطورةً بعد انتقاله من مجال إدارة الاعمال وعقد الصفقات العقارية الى مجال إدارة شؤون الدولة الامريكية وبلورة السياسات واستراتيجيات العمل وادارة عملية تحقيق الاهداف في الفضاء العالمي ، ومنه في اقليمنا الزاخر بالامكانيات والفرص وكذلك بالمعضلات والتحديات والتعقيدات .
وفيما يتعلق بتصريحاته الاخيرة حول غزة ، أرى أنها مجرد فرقعات وفقاعات هواء ،وضجة .. يسعى من خلالها أن توفر في اللحظة الراهنة ستاراً دخانياً على الأهداف الحقيقية التي سيسعى لتحقيقها وتفاصيل خطته الفعلية …!
ترامب لا يهمه الا ترامب ، وهو رجل بعقلية مقاول من الطراز الجامح غير التقليدي ، مغامر جريء لكن ليس بدون حسابات ، نرجسي ، مفتون بذاته . هو شخص غير متدين ولا متعصب لفكرة ولا يتمسك بموقف ثابت . ويبدو في انفعالاته وكأنه ممثل ذو صوت عال تتكلم عنه تقاطيع وجهه الحاده .
ويبدو لي أن إحاطة نفسه بأشخاص مثل ايلون ماسك وغيره من عمالقة رجال الاعمال ، وكذلك بشخصيات معروفه بتطرفها في الانحياز للرؤية الصهيونية ، واليمين الانجليكاني المتزمت والمحافظ ، هو جزء من الديكور الذي يسعى من خلاله الى تحقيق ما يريده ترامب نفسه وليس بالضروره من يريده مَنْ حوله من المؤدلجين المتعصبين ..! هو يسعى لإرساء قواعد مختلفة لنظام دولي جديد ، قائم على تصورات وسردية لا تتفق تماما مع ما كان سائداً خلال القرن الماضي ..!؟
وفيما يتعلق بمنطقتنا ، وبالقضية الفلسطينية ، هو يدرك تماما التجاذبات السائدة والتحديات القائمة والتعقيدات وتضارب الاهداف للقوى الموجدة في اقليمنا .
لذا ، واذا كان سيسعى لتحقيق قدر ما من أهداف كل طرف من الاطراف المتصارعة في اقليمنا ، فهو لا تخدمه ان يتبنى تماما كامل سردية اليمين الصهيوني او الصهيونية الدينية ، لذا فقد يسعى لارضاء اليمين الصهيوني والصهيونية الدينية عبر تحقيق بعض اهدافها فقط ، وبالتحديد ما يتعلق منها باستبدال تسمية الضفة الغربية بيهودا والسامرة ومنح موافقته على ضمها لدولة الكيان وتحويل دولة الكيان الى كيان جديد بمساحة اكبر ، مقابل منح الفلسطينيين في الضفة الغربية المواطنة الاسرائيلية بما يرفع عدد سكان الكيان الجديد الى نحو ( ١١) مليون مواطن منهم نحو (٦،٥) مليون يهودي و نحو (٤،٥) مليون فلسطيني . وقد يقبل في إطار ذلك أن يعمل على تخفيض عدد سكان الضفة المؤهلين للحصول على المواطنة الاسرائيلية من نحو (٣) الى نحو ٢،٣ مليون فلسطيني ، أي بما يساوي عدد الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الاردنية( حوالي ٦٨٠،٠٠٠) ، والطلب بالتالي من الاردن استقبال هؤلاء على اراضيها او إبقاءهم في الضفة كمقيمين وليس كمواطنين ، وذلك مقابل منح الاردن المثقل بالديون مساعدات مالية .
ولإرضاء النظام الرسمي العربي ، فقد يغير موقفه من مسألة تهجير سكان غزة الواردة في تصريحاته الاخيرة الى موافقته على اعلان ان تصبح غزة مكانا لإقامة دولة فلسطينية ليبرالية فيها ، تفتح ابوابها للشركات الامريكية لاستثمار الغاز في مياهها الاقليمية وتقبل ان تكون جزءا من مشروع الممر الهندي الكبير .
وقد يسعى للعمل على توسيع رقعتها الجغرافية لتخفيض الكثافة السكانية في الكيلومتر المربع فيها ، وما يمكن ان بجلبه ذلك من مشاكل ، وذلك عبر اقناع مصر التنازل عن نحو (٥٠٠) كيلومتر مربع من اراضي سيناء الى دولة ترامب الفلسطينية في القطاع وذلك مقابل رفد الاقتصاد المصري بمساعدات مالية مجزيه لمصر،.. ودون ان يكون ذلك مصحوباً بتهجيرات سكانية الى مصر .
بذلك تكتمل صورة مشروع حل الدولتين الترامبي ، والذي قد يتضمن ايضا تعديلا ما لوضعية القدس عبر منح امتيازات خاصة للفلسطينيين المسلمين والمسيحيين فيها ، وتعويضات ما للاجئين الفلسطينيين والدول التي استضافتهم .
وقد يكون ترامب في ذلك يعتقد ان حل الدولتين الترامبي هذا يتضمن عناصر تُرضي الدول العربية وعلى رأسها السعودية ومصر والاردن ، بما يسمح لدول الخليج العربي تعزيز ورفع استثماراتها المرغوبة في الولايات المتحدة الامريكية ، وكذلك دول الاقليم والاتحاد الاوروبي وغيرها من الدول .
ترامب لا يكشف في هذه المرحلة عن حقيقة ما يسعى اليه ،… ولكنه يمهد بتلك العاصفة من التصريحات وردود الفعل الواسعة عليها لتمرير شيء ما قد يكون قريباً من التوقعات الوارده في هذه اليومية ،…!
وأخير اود أن أبين أن ذلك ليس الا مجرد توقعات عن ما قد يُقْدِم عليه شخص انفعالي نرجسي لا يمكن التنبؤ بما سيُقْدِم عليه ، شخص بمواصفات ترامب ، مؤلف كتاب ” فن الصفقة “…!
علينا توقع الأسوأ ،.. وفي جميع الاحوال ، علينا ان نتحضر لمواجهة التطورات المقبلة في اقليمنا بتماسك وأن نملك في ذات الوقت الرؤى الكفيلة بتعبيد الطريق لتحقيق اهدافنا الوطنية على المديات كلها : القريبة ، المتوسطة والبعيدة، وبالإرادة على تحقيقها .
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٧ شباط ٢٠٢٥