{- أضواء على وقائع تاريخية هامة في حياتنا الراهنة – حَقْبِة ما بعد ٧ أُكتوبر ٢٠٢٣ – الحلقة العاشره}
وأخيراً لمَسَتْ عَجلات الطائرة أرض مَدْرَج الهبوط في مطار عمان . كانت عقارب الساعة تؤشر إلى خمسة عشرة دقيقه قبل الثامنة من مساء يوم الاربعاء .
وعندما تركنا الطائرة ، أخبرنا مُوظَّف الإستقبال عند نهاية الكوريدور الذي يوصل الطائرة بمبنى المطار ، أنَّ صافرة الإنذار المتقطع كانت قد تَوقفَ صَفيرها قبل نحو رُبع ساعة فقط ، بمعنى أن علينا أنْ نتوخى الحِرْص ونحنُ نترك المطار الى مدينة عمان . هذا يَعني أنَّ سماء عمّان قد تشهد مرور الصواريخ الإيرانية في رحلتها المباركة الى الوطن السليب ..!
كانتْ رُدهات المَطار وأروقته شِبه فارغة من المسافرين ،…ويبدو أنَّ رحلة الملكية التي أوصلتنا عمان كانت وحيدة ،.. وكان واضحا أنها تُعاني من الوِحْدة ..!
بسُرْعَةٍ ملحوظه،.. تمَّ ختم جوازات سفر الرُّكاب ،.. وبسرعة أيضاً ، وَصَلَتْ حقائبنا ،… وخرجنا مِنْ صالة الوصول الى صالة الإستقبال ، حيث كان أيضاً هناك عددٌ قليل من المستقبلين ، أحدهم صديقي صالح .
هواءُ عمان كان مُنعِشاً ، وعلى الأخص وهو يضرب بزجاج السيارة وهي تتحرك مُسرِعة في الطريق الى البيت . وهناك ، عندما وصلنا ، كانت هِبَة وسَماء ورامي بانتظارنا ،.. وعلى طاولة المطبخ ، لمحتُ كرتونة ‘أبو جبارة’ وهي تحتضن عدداً من حبات الفلافل ، وكذلك عُلْبة ” فَتّة حُمُّص مع الصنوبر ” ، وعُلبِة فُول وأُخرى حُمُّص ، مع كيس من الورق يحتوي على أرغفة أبوجبارة المشهورة …
رامي يَعرِفُ شَغَفي بذلك ، وهو في كل مرَّة أعودُ فيها من السَّفر ، يَعْمَد الى إن تكون هذي المُشَهِّيات في استقبالي .،!
شكراً رامي ، شكراً سماء..!
+++++++++++++++++++
لنُعد الان لاستكمال سَرْد وقائع الأحداث التي أَفضَتْ الى أُوسلو، •
كنا في اليومية السابقة ( الحلقة التاسعة ) قد ذكرنا ان مؤتمر مدريد الذي افتُتِحَ رسميًا في مدريد ٣٠ تشرين الاول ١٩٩١ ، برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي قد استمرت جَلساته العامة لمدة ثلاثة أيام ، وأنه في اليوم الثالث والأخير من المؤتمر أي في ١ تشرين الثاني ١٩٩١، فقد خُصِّصَت الجلسة لمداخلات ومواقف الوفود المُشارِكة، وبعدها تم الإعلان عن نهاية الجلسات العامة للمؤتمر.
وبعد انتهاء المؤتمر، فقد تَقَرَّرَ أنْ تبدأ المفاوضات الثنائية بين وفود الدول العربية والإسرائيلية لاحقًا في واشنطون ، وأنْ يتم عقد الجولة الأولى منها في ٩ كانون الأول ١٩٩١ . وقد وصلت حنان عشراوي إلى واشنطون في أوائل كانون الاول ١٩٩١ ( حوالي ٤ كانون الأول ١٩٩١) ، تحضيرًا لتلك الجلسات :
- (٨١)-من واشنطون — يقول م نوفل ” أَرْسَلَتْ حنان خُلاصةَ لقاءاتها مع طاقم الخارجية الأمريكية ” ويُضيف ” كان أهم ما أرسلته هو نص رِسالِة الدّعوة الى جولة المفاوضات الأولى في واشنطون ، ونُسخة عن تقرير قديم رَفَعَه ‘صول لينوفيتش’ ، مَبعوث الرئيس ريغان ، في ١٤ كانون الأول ١٩٨١ ، حول نتائج المفاوضات الإسرائيلية المصرية بشأن الحكم الذاتي ، الذي تمَّ النّص عليه في ملاحق إتفاقات كامب ديفيد ” . وحول ذلك يقول م نوفل أنَّ الكُل فَهِمَ من ذلك أنها ” رسالة أمريكية تدعونا الى اعتماد ما ورد في كامب ديفيد كقاعدة وكأساس للمفاوضات ” ، ويقول أيضاً أنّ الأغلبية الساحقة من الوفد المُفاوض ومن لجنة متابعة المفاوضات رَفضتْ ” الأخذ بهذا المَنْهَج ورَفضَه أبو عمّار أيضاً” ، في حين حاول نَفَرٌ قليل من أعضاء لجنة متابعة المفاوضات ” الدفاع عن أهمية عدم الإنطلاق من نقطة الصِّفْر ، واعتماد الإيجابي في ما توصل له المَصريون مع الإسرائيليين بمشاركة الأمريكان كنقطة إنطلاق “، ويُضيف بأنَّ هذا الرَّأي ” انهزمَ سَريعاً أمام رَفض الآخرين له “. ( ص ١١٢)
- (٨٢)- ، ويورد م نوفل في كتابه ، أبرزَ نُقاط تقرير ‘صول لينوفيتش’ حول الحكم الذاتي — (١) يَنتخب سكان المناطق المحتلة سلطة الحكم الذاتي ، وتَقوم هذه السُّلطة باختيار التنفيذيين من بين الأعضاء المُنتخَبين ، وتُحَدِّد نُظُمها الداخلية (٢) اقترح الجانب الأمريكي بأنٍ يكون عدد أعضاء المجلس المُنتخَب ما بين ٥٠ – ٦٠ عضواً . أما الجانب الإسرائيلي ، فقد وافق على أن يتكون المجلس المُنتخَب من ٢٥ عضواً ، أي بعدد المجالات التي ستتولاها السلطة المُنتخَبة (٣) أما بشأن ممارسة سلطة الحكم الإنتقالي لمسؤولياتها ، فسُلطة الحُكْم تُباشِر دورها خلال شهر واحد من تاريخ انتخابها (٤) ومن ذلك التاريخ ، تَبدأ فترة السنوات الخمسة الإنتقالية (٥) ومع المباشرة ، يتم إنسحاب الحكومة العسكرية الإسرائيلية والإدارة المَدَنية لتأخذ سلطة الحكم الإنتقالي مكانها (٦) ثم يتم انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية ويتم إعادة إنتشار القوات الإسرائيلية المُتبقية في مواقع أمنية مُحددة . (٧) وحول الإنتخابات ، يقول ‘صول لينوفيتش’ ، ” يَتفق الطرفان على أنَّ الإنتخابات يجب أن تكون حُرّة بالاستناد الى مبادىء حُرية الإجتماع وحُرية الحَملات الإنتخابية” (٨) ويُقر التقرير بأنَّ خلافات قوية بَقِيَتْ قائمة حول مُشاركة السكان الفلسطينيين في القدس (٩) أما بشان الأرض ” فالتّوجه هو نحو عدم المساس بالملكية القانونية للأراضي الخاصة خلال الفترة الإنتقالية ، أما الأراضي العامة فسيتم مُعالجة وَضعها النهائي واستخداماتها في مفاوضات الوضع النهائي (١٠) وحول الأمن ، اتفق الطرفان على أن سُكّان كل من المناطق وإسرائيل بحاجة الى أمن داخلي ونظام عام مضمون خلال الفترة الإنتقالية ، وبالتالي تُقر الأطراف بأن قوة الشرطة المحلية القوية التي سيتم تأسيسها من قبل سلطة الحكم الذاتي بجب أن تُوفر مثل هذا الأمن . (١١) وحول المواطنين الذين شُرِّدوا من ديارهم في ٤ حزيران ١٩٦٧ ، قال تقرير ‘لينوفيتش’ ، تُخطط الأطراف لإقامة لجنة متابعة بعُضوية مصر واسرائيل وسلطة الحكم الذاتي ، ويبقى للأُردن خيار الإنضمام لهذه اللجنة مع دَعوة الولايات المتحدة للمشاركة فيها، وستُقرر اللجنة صِيَغ السماح بعودة الأشخاص الذين شُرِّدوا في عام ١٩٦٧ مع الإجراءات الضرورية لمنع المساس بالنظام والإخلال بالأمن ” . يُعلق م نوفل على هذا التقرير ويقول أنه “رغم تسليم العديد من أعضاء الوفد ولجنة متابعة المفاوضات في حينه بأهمية ما ورد في تقرير ‘صول لينوفيتش’ ، إلا أنهم رَفضوا العودة الى اتفاقات كامب ديفيد ، ورفضوا الإنطلاق منها” ، ولاحقاً يقول م نوفل أن الوفد الإسرائيلي قال للوفد الفلسطيني ” أنَّ ما أُعطِيَ في كامب ديفيد وما تلاه من مفاوضات غير قابل للتطبيق الآن ” ، ويُضيف أنَّ المفاوضات بَيَّنَت أيضا ” أن سقف الموقف الأمريكي لا يتعدى ما توصل له المصريون والإسرائيليين في كامب ديفيد بشأن الحكم الذاتي في الضفة والقطاع ” . (ص ١١٣ و ١١٤ )
(٨٣)-أمّا رسالة الدعوة — يقول م نوفل فإنَّ الجميع سَجّل أنها المرة الأولى التي تتقدم فيها الإدارة الأمريكية بمُبادرة ومُقترَح مُتكامل لجداول أعمال كل المَسارات ، واعتبروا ذلك ُمُؤشِّراً إيجابياً . وأنه وحول تصنيف قضايا المفاوضات بين إسرائيل والوفد الفلسطيني – الأُردني المُشترك ، قالتْ رسالة الدعوة ” توجد مَجموعتان مُتميزتان من القضايا تحتاجان الى المناقشة ” ، بعضها يتعلق بالأُردن ، والآخر بالفلسطينيين في المناطق . وُيضيف بأنَّ ” الحكومة الأُردنية قامت بتبليغنا ، وكذلك من المُفترض تبليغ إسرائيل بأن هناك عدداً من القضايا الحدودية غير المتعلقة بقرار مجلس الامن ٢٤٢ تحتاج الى مناقشة، ونحن لا نرى سبباً لعدم إثارة هذه القضايا مُبَكِّراً في المفاوضات، لكي يتمكن الخبراء من مباشرة العمل لفحص مطالب كل طرف والخلفية التاريخية “، وأنه وفي نَصٍّ آخر ، يقول م نوفل ، بأن الرسالة قالت ” تستطيع إسرائيل والأُردن ىأن يبحثا بشكل محدد عدداً من القضايا الثنائية الأُخرى مثل طبيعة السلام وتسوية المشاكل المائية في خليج العقبة ، والإدارة المشتركة لمشاريع تطهير المياه المُلوثة ، والإنتاج المشترك للبوتاس ، والسياحة ، والطيران المدني وما شابه ذلك “، أما بشأن المفاوضات الفلسطينية – الإسرائيلية وقضاياها ، فقد ورد في دعوة واشنطون – الأولى ” في هذه المفاوضات ، يوجد إتفاق مُشترك على أنَّ المرحلة الأولى ستُركِّز على ترتيبات حكم الذات الإنتقالية ، والفلسطينيون سيَتَصَدّرون ولكن سيُرافقهم أُردنيون كجزء من الوفد الأُردني الفلسطيني المُشترك ” ، وفي مكان اخر ، اقترحت تَجنُّب المناقشات المطولة لبعض القضايا ” نحن نَرتأي بأن كلا من إسرائيل والفلسطينيين يجب أن يتفاديا قدر المستطاع النقاش المُطوَّل حول مبادىء من نوع مصدر السلطة ، وطبيعة سلطة الحكم الذاتي الإنتقالي ” ، وفي مكان آخر ، قدَّمتْ رسالة الدعوة مقترحات محددة بما يمكن أن تُبادر الأطراف الى تقديمه ، حيث قالت ” يمكن أن يوافق الفلسطينيون واسرائيل على أنْ يُقدِّم كل منهما في الجلسة أو الجلسة المقبلة نموذجاً مقترحاً لسلطة الحكم الذاتي الإنتقالية “، ولم تكتف الادارة الامريكية بتقديم المقترحات والتصورات حول قضايا النقاش وطريقة تناولها، بل مَضتْ الى ما هو أبعد من ذلك ، حيث قدمت تقييماً لدور الوفد الفلسطيني في مدريد وأرفقته مع نصيحة ” إن الإختراق الذي حَققتموه في مدريد لا يجب السماح بتبديده ” ، وظهرَ للجنة متابعة المفاوضات ومعها الوفد في الداخل ، بأن الادارة الامريكية تُحاول الاحتفاظ بزمام المبادرة وإظهار شيء من الحَزم ، وبعض من التوازن ، وعدم الإنحياز لأي طرف من الاطراف ، وخَلصتْ لجنة متابعة المفاوضات من دراسة رسالة الدعوة الى نتيجة ، بضرورة تحضير الذات بشكل جيد ، وضرورة امتلاك وفد قَوِيّ فيه خبراء وأكاديميون وأخصائيون ، وأن يتم الشّروع فوراً بوضع تصور فلسطيني لنموذج سلطة الحكم الذاتي الإنتقالية، أي التفاعل مع الوارد في رسالة الدعوة ، وتَجنب التصادم مع الأمريكان . وشددت لجنة متابعة المفاوضات على ضرورة الإستفادة من تجربة انعقاد الجولة الاولى من المؤتمر المتعدد الاطراف في موسكو ، وعدم تكرار ما وقع . ( ص ١١٤ و ١١٥)
- (٨٤)- من الوقائع التي حصلت بعد ذلك ، وبالتحديد بعد انعقاد الجولة الاولى من المؤتمر المتعدد الاطراف في موسكو ، يُعلِّق م نوفل على موقف ‘بيكر’، ويقول أنَّ ‘بيكر’ مُصممٌ على متابعة مشروعه، فقد مضى “في عقد المتعدد من دون سوريا ولبنان ، ولم يأبه لإعلان إسرائيل بانها ستقاطع مجموعة اللاجئين اذا حضرها أحد من الفلسطينيين من الخارج ، وذات الشيء ستفعل مع اللجان الاخرى ” ، وحول ذلك يقول م نوفل أن أبو عمار ” عطَّل سفر الوفد الى موسكو حتى فجر يوم الإجتماع ، بعدها اضطرَّ تحت ضغط عربي وأمريكي الى الموافقة على المشاركة في جولة موسكو ، واستأجر طائرة خاصة نَقلتْ بعض أعضاء اللجنة التنفيذية من تونس الى موسكو ، وهناك بقيتْ مجموعة الخارج التي ضَمَّت عضوين من التنفيذية ( ياسر عبد ربه وسليمان النجاب ) في رُدهات الفندق ، ولم يسمح لهما بالاقتراب من مكان الإجتماع “. في غضون ذلك ، يقول م نوفل ، فقد ” أكَّدت لجنة متابعة المفاوضات على ضَرورة الحَسم السريع للأسماء النهائية لأعضاء الوفد الذي سيُسافر الى واشنطون للمشاركة في المفاوضات الثنائية” ( ص ١١٥)
- (٨٥)-وحول موقف أبوعمار من هذه التطورات ، يقول م نوفل أن أبوعمار قال : “أنا لا أقبل للأردن أن يُفاوض بالنيابة عني ، يَكفي أنني قَبِلتُ أنْ أُبَعد عن الطاولة، وقَبِلتُ أن تُبعَدوا كلكم ، وأن تُبعَدَ اللجنة التنفيذية بكاملها ، وأن تُستبدلوا كلكم بشخصيات من الداخل هم ليسوا رسمياً أعضاء في المنظمة ، وممنوع عليهم مجرد الحديث عن علاقتهم بها ” ، وأنَّ أبو عمار لَخّصَ موقفه بالقول ” نُحَضِّر كل شيء ، ونُؤجِّل إرسال الرَّد على رسالة الدعوة ، ونراقب الموقف “. وأنّه وفي ضوء ذلك تم تبليغ حنان بتأجيل إبلاغ الأمريكان بالرَّد الفلسطيني النهائي بضعة أيام . ( ص ١١٦)
وللحديث يا أصدقائي بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان ٢٠ حزيران ٢٠٢٥