يومية الخميس الموافق ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦
كان الجو في هايدلبيرغ لا زال معتما في السابغة والنصف من صباح هذا اليوم وذلك عندما أزاحت منى برداية بلكونة الغرفة …! لذا فإنها ام تلحظ ما لاحظته في الثامنة صباحا عندما تركت السرير ، ونظرت الى خارج الغرفة لأكتشف ارضية البلكونة ، وفروع الاشجار الباسقة ، وسطوح المباني ،.. مكسوة بطبقة رقيقة من الثلج الابيض …!
كان منظرا رائعا ، وعلى الاخص عندما اخذت اشعة الشمس تخترق الفجوات ما بين الغيوم المتلبدة في سماء المدينة ، وتمسح بأشعتها بساط الثلج الممتد عبر الطرق والساحات لتضيف الى بهاء المدينة لمسة أخّاذة لا مثيل لها ..!
قلت في نفسي ،… لا فنان على وجه الخليفة يَبِذُّ الطبيعة في قدرتها على التعبير وصناعة الفن وابتكار الصور واستخدام الالوان ..!
قالت مُنى ،… لعله خير ،.. فهذا المنظر الساحر كأنه يحمل رسالة لك في هذا اليوم الذي ستخضع فيه بعد ساعات قليلة للاجراء الطبي ، لسانُ حالها يقول : تفاءلوا بالخير تجدوه ..!
كما لكل مدينة ” أبو جبارة “،… فـ “أبو جبارة هايدلبيرغ” هو مطعم ” شنيتْزِلْ بانك ” والذي يقع في شارع مُتَفَرِّع من أشهر شارع في المدينة ؛ شارع المَمشى ( هوبشتراسه) ، ويَحتل الطابق الارضي من مبنى قديم عتيق ، وهناك يمكنك الاستمتاع بتناول شريحة من لحم العِجْل المَنزوع العَظْم شبيهه بالإسكلوب ، مُغَلَّفَة بطَبَقةٍ لذيذةٍ ومُقَرْمَشَة من فُتات الخُبٌز ،والمُعَد بالطريقة الألمانية والتي يُطلق عليها إسم (Schnitzel).
المطعم يعود لعائلة المانية من هايدلبيرغ ، تعيش في الطابق العلوي من المبنى ، ويدير مطبخ المطعم الزوج والزوجة ،..!
المطعم مُزْدَحم في كل وقت تَرْتاده ، وهو يَفتح أبوابه ما بين الساعتين الخامسة مساء والعاشرة ليلاً ، ولا يستقبل حُجوزات عَبْر التلفون ،… لذا ، فمن يَقصِدْه يُخاطر دوماً أن لا يجد طاولة تَستضيفه ،..!
كان هذا المطعم هو الأول الذي استضافنا في اليوم الاول لوصولنا الى هايدلبيرغ قبل ثمانية سنوات .
أصحاب المطعم والعاملين فيه ، أصدقاء لمُنى ، ويعملوا أقصى جهدهم أن لا يرفضوا لها طلباً ،… لذا ، فقد غامَرْنا مساء يوم أمس عندما طلبنا من التاكسي ان يأخذنا الى المطعم ،.. فبقيتُ في التاكسي في حين نَزَلتْ مُنى لتستطلع إنْ كان هناك مَكانٌ لنا ،… وما لَبِثَتْ أنْ أشارت إلي من بعيد أنْ أتركَ التاكسي وأتحرك صوبها،.. فرغم طابور المُنْتَظِرين ، دَبَّر لها المسؤول عن المطعم طاولة سُداسِيّة احتللنا مَقعدين من مَقاعدها ..! ليشاركنا بعد وقت قصير مارك وأندريا ،… وهما ألمانيان من هايدلبيرغ في الستينيات من عمرهما ،.. ولما تعرفنا عليهما ، علمنا أنهما زوجان يعملان في المجال الطبي ؛ أندريا طبيبة عيون ، وزوجها طبيبٌ “إختصاصي عِظام مَفصلي الرُّكٌبة والفَخٌد” ،… وتمتعنا معهما في حديث شيق ونحن نتناول أطباق الشنيتزل الشّهية ،.. !
اكتب هذه الكلمات من صالة الاستقبال في الفندق .مُنى تُنادي عليَّ وتقول لي أنَّ التاكسي الذي سَيُقِلّنا الى مبنى عيادات الـ (ENT) في مستشفى جامعة هايدلبيرغ قد وصل ، وقد تبين لاحقاً أن سائق التاكسي هو رجل شهم من إخواننا أكراد العراق .
بعد أن وَقَّعْتُ على نموذجٍ طِبِّيٍ آخر ، أخبرتني ‘إدونا’ أن الطبيبة لُونْ هِرْ (Lohnherr) هي من سَيُجري الإجراء الطبي ، ثُمَّ طَلَبَتْ مِنّا مُرافَقتها الى الغرفة ٣٣٦ ؛ دَخَلَتْ إليها وعادت وطَلَبَتْ مِنّا الجُلوس على مقاعد في الكوريدور والإنتظار الى حين يتم المُناداة عَلَيَّ.
بعد قليل ، خَرَجَ الممرض هاني ، وكُنّا قد تعرفنا عليه البارحة ، وهو شابٌ رَشيق ، وطَيِّب ، ذو شخصية جَذّابة وعَرفنا أنه من قطاع غزة ، ويعمل في المستشفى منذ ثلاثة أعوام ؛ أي أنه جاء إليها قبل نحو عام من السابع من تشرين الاول ٢٠٢٣، وقد فَهِمنا منه بعد ذلك أنَّ الإجراء الطبي سيتم تنفيذه في هذا القسم ، وعِندما عَرِفَ أنَّ الدكتورة ” لونْ هِرْ هي من ستقوم بتنفيذ الإجراء ،أشادَ بها كثيراً ، وقال أنها ماهرةٌ جداً .
شَدَّنا كثيراً أنْ نقابل إبن غَزّة في هدا القسم من مستشفى الجامعة ، وقد جَرَّتْ معه مُنى الكلام واستفاضت ، وعَرِفَتْ منه انه تزوج مؤخراً من صبية من غزة تمكنت من الخروج الى مصر ، وأنهما يعيشان معاً الآن في هايدلبيرغ.
ونحن في وقت الانتظار ، قرأتُ على مُنى ما كَتبته .
وقبل أن تعود ‘إدونا’ الى مكتبها ، سَأَلتُها عن معنى إسمها ، فقالت لي أنها سُمِّيَت على إسم جَدَّتها ، ويعني بالألبانية (The Lovely) ، أي المحبوبة . ‘إدونا’ إنسانة رائعة ، تُحِبُّ عملها ومُتفانيه فيه.
يوم أمس ، كنتُ قد بدأتُ كتابة يومية الاربعاء ، وكان عنوانها مُتلازِمِة النكبة ومَأْزَقَيْها …!
كنتُ خلال كتابتي لليومية أُفكرُ بصوتٍ عالٍ وأُشارك مُنى اشتباكي مع الفكرة التي تناولتها فيها ..! سألتني عن ماهية هذه المُتَلازِمة التي وَجَدَ شعبنا نفسه يعيشُ في كَنَفها منذ نجاح الحركة الصهيونية العالمية في ٢٩ تشرين الثاني من العام ١٩٤٧ من استصدار قرار بتقسيم فلسطين ، وإقامة ثلاث كيانات فيها ، أحدها كيان لدولة يهودية سَمَحَ له القرار المذكور أنْ تُقامَ على ٥٥٪ من مساحتها ، وهي نكبةٌ لا زالت تتكرر فصولها حتى الآن وتتطور وتتصاعد لتأخذ الأشكال الأكثر لا إنسانيةً وقَسوةً وبَشاعةً في القرن الحادي والعشرين لا بل في التاريخ المعاصر .
تَوَّجَتْ مُنى تساؤلاتها بالقول : ولماذا لازَمْتَ النكبة بمَأزقينِ إثنين ..؟!
قلتُ لها باختصار ، إنَّ نَكْبة مُواطني أوروبا من اليهود خلال الحرب الكونية الثانية على يد النازية الاوروبية وهي جريمةٌ وخطأٌ قاتل ارتكبه أوروبيون بحق مواطني بلدانهم ، ومنهم اليهود ، لم تُحَصِّنْ اليهود الصهاينة في فلسطين ، وجزء كبير منهم من ضحايا النازية ، ضد أن يقوموا بارتكاب جرائم مماثلة بحق شعب آخر وهو الشعب الفلسطيني ، بل تمكنت الحركة الصهيونية التي تقود حِراكَ اليهود من مواطني بلدان العالم من تَعبئتهم وشَحنهم ، وتمكينهم بدعم من الولايات المتحدة الامريكية ودول الغرب الاستعماري من ممارسة دور الجلاد باقتدارٍ وصَلافة، وإلحاق نَكَبات مُتواصلة بحق الشعب الفلسطيني في أرضه ،وتحويل جزء كبير منه الى لاجئين داخل وخارج وطنه من خلال ممارسة أبشع أشكال التطهير العرقي بحقه ، وكذلك من خلال انتهاج سياسات التمييز العنصري الرسمي والمُقنن بحق الفلسطينيين عموماً ، أي بحق كل من ليسوا يهودا صهاينة، وأيضا من خلال اقتراف أفظع أنماط جرائم الإبادة عبر ارتكاب جرائم التقتيل الأعمى بتوظيف أكثر التقنيات تقدماً ، وبالتجويع كذلك ، وعبر القضاء على كل مقومات الحياة المدنية في قطاع غزة من مستشفيات ومدارس وجامعات ، لأجل تدمير المجتمع الفلسطيني المدني فيه برمته .
جرائمُ إلحاق النَّكبات المتواصلة بالشعب الفلسطيني منذ العام ١٩٤٨ أوقَعتْ الفلسطينيين في مأزقٍ عَميق لا زال يتعمق أكثر وأكثر ، كما وأوقعَتْ في ذات الوقت الحركة الصهيونية برمتها والكيان الذي زرعته في فلسطين ، وكذلك اليهود ، كل اليهود ، من مواطني بلدان العالم في مأزق أعمق ويَتعمق أيضاً ،.. كل ذلك على خلفية إنكشاف عَورة الصهيونية والنظام العالمي السائد أمام الرأي العام العالمي، وانكشاف زيف المعايير الاخلاقية للقوى المتحكمة فيه وازدواجيتها مما يُؤذن بانهيار هذا النظام ودخول العالم حَقبة جديدة من الصراع الدولي .
وهذه النكبات ، وتلك المأزق هي ما سأتناوله في يومياتي القادمة .
*****************
انفتحَ باب الغرفة ٣٣٦، نادَتني المُمرضة ، طَلبَتْ مِنّي استبدال ملابسي الفوقية بقميصٍ أخضرَ فَضْفاض،.. ثم قادَتني الى غرفة كانت تنتظرني فيها الدكتورة ” لونْ هِرْ “. رَحَّبَتْ بي ، ووَصَفتْ لي ما ستقوم به .
إستلقيتُ على طاولة العمليات ، فَتحتُ فَمي ،.. وجدتها بعد ذلك تَعْبَثُ داخله … قالت لي : إنّه المُخَدِّر ، وطَعْمَه مُرٌ …أمضيتُ الوقتَ فاغراً فاهي ولمدة وصلت الى حوالي أربعين دقيقة ، كانت الدكتورة مع مُمرضتان يُساعدنها في تنفيذ الإجراء … قم المعاناة ،.. قَرَّرتُ الإرتخاء والتحمُّل الى اكثر قدر مُمكن ، ومُساعدة الطبيبة في تحقيق اهدافها ،.. وفي الوقت الذي كانت فيه إحداهن تَشْفطُ ما يتجمع من ريقٍ في فَمي ، كانت حَركاتٌ وإختراقاتٌ تَحْصُل في الغدد الواقعة في يمين وجهي وفي أقنيتها، وأشياء عديدة أُخرى ، وكذلك سوائلَ تُحْقَن … لمْ يَكنْ الإجراءُ سهلاً ،.. لكن ، كان بالتأكيد غير مُريح ..!
من الغرفة ٦٣٧ في مستشفى الجامعة اختم كتابة هذه اليومية ، حيث يقتضي البروتوكول الطبي أن أقيم فيها مدة (٢٤) ساعة قبل السماح لي بالمغادرة.
منى عادت الى الفندق . وأن وحيد ُ هذه الغرفة .
اشعر بانتفاخ في الجانب الايمن من خَدّي . جاء الممرض . لاحظ الإنتفاخ ، وقال انه سيتواصل مع الدكتورة .
سأقوم بتغيير ملابسي ، واللجوء الى السرير ، وسأتناول قبل ذلك ، حبتي مضاد للألم .
عبد الرحمن البيطار
هايدلبيرغ – ٢٢ كانون الثاني ٢٠٢٦