Menu Close

يومية السبت الموافق ٢٢ آب ٢٠٢٦ – أعداد اليهود في كل من النمسا وبولندا وأحوالهم فيها قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية ( قبل ايلول ١٩٣٩) وبعد انقضاءها في ٨ ايار ١٩٤٥ ( وذلك كما عَرَضَته لجنة التحقيق الانكليزية والأمريكية في تقريرها بشأن مَشاكل يهود أُوربا وفلسطين الصّادر في ٢٠ نيسان ١٩٤٦) + دور الصهيونية السياسية في تجنيد يهود بولندا قبل الحرب وبعدها لتغذية المشروع الصهيوني في فلسطين بالمستعمرين / المستوطنين اليهود. 

وعَنْ أحوال اليهود في النّمسا في الفترة ما بين ٥ شباط و ٢٢ شباط ، ورد في تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الأمريكية بشأن مشاكل يهود أوروبا وفلسطين والصادر في لوزان في ٢٠ نيسان ١٩٤٦ ، ما يلي :

بداية الإقتباس 

النمسا

٦ – يُقَدَّر عَدد اليهود الذين كانوا مُقيمين فى النمسا حين غَزاها هِتْلَر سنة ١٩٣٨ ، بنَحو ١٩٠،٠٠٠ شخص ، ويوجد الآن في ڤيَنّا ، باستثناء المُشَرّدين والنّازحين ، حوالي ٤،٥٠٠ شَخص ، يُضافُ إليهم ٢،٥٠٠ شخص فى المناطق الأمريكية ، والبريطانية ، والإفرنسية.

وقد ذَكرَ لنا بعض رجال الحكومة أنَّ الحكومة تَرغب في إعادة إستقرار جميع النمساويين على أساس المُساواة التامّة ، دون ما تَمييز ، وأنَّ الحكومة رَحَّبَت باليهود النّمساويين الذين يَرغبون فى إعادة تعمير البلاد وبنائها ، كما رَحَّبَتْ بسواهم ، بغَضِّ النظر عن الدّين ، وقد أُطلعنا على رسالة وَجَّهَتها إلى الحكومة جَماعة يبلغ عدد أفرادها نحواً مِنْ ألفِ شخص من يهود النمسا ، المُقيمين فى فلسطين ومصر ، يُبدون فيها رغبتهم فى العودة الى بلادهم

٧- يُعْطى كثيرونَ من اليهود فى ڤيَنّا المَعونة ، وقد مَزَّقَتْ الحرب إقتصاديات البلاد ، التي لن يتسنى إنتعاشها ما دامتْ هذه البلاد الصغيرة مُقَسّمة إلى أربع مناطق ، وما دامت ڤيَنّا مُقَسّمة إلى خمسة قطاعات ، ولعل لتقسيم الرقابة هذا نَصيباً في إرجاء إصدار قوانين تُبيحُ لليهود إستعادة أموالهم وأملاكهم ، التي لا يستطيعون بدونها الإستقرار ، ولا يزال فى البلاد شَيءٌ من اللاسامية بين السُّكّان عُموماً.، ولمّا كان اليهود المُشَرّدون يَتلقونَ جرايات تزيدُ على الجرايات التى تُعْطى للسُّكّان المُجاورين لهم ، ولما كانوا قد أُسْكِنوا في أحسن الفنادق كما هو الحال فى بادغاشتاين مَثَلاً ، فقد أدى ذلك إلى ظهورِ شعورٍ عُدوانيٍ مَحَليٍ نَحوهم ، وهذا الشّعور تنعكس مرآته على اليهود المُقيمين خارج المراكز.

٨- ولليهود المُشَرّدين مَراكز في المنطقتين الأمريكانية والبريطانية فى مدينة ڤيَنّا ، فقد كان فى المنطقة الأمريكية ، فى شهر شباط ، زُهاء ٥،٦٠٠ شخص ، منهم في هذه المراكز ، فبلغ عددهم في شهر نيسان ٧،٠٠٠ شخص ، وكان في المنطقه البريطانية فى شهر شباط ٨١٩ شخصاً في المراكز ، فبلغَ عددهم فى شهر نيسان ١٠١٩ شخصاً. وكان ٧٣ فى المائة من الثمانية آلاف من يهود بولونيا . 

وكان عدد المُقيمين منهم فى المنطقة البريطانية فى شهر تشرين الثانى الماضى حوالى …،٥ شخص .

ويَرْجِعُ إلى الأَوْرْطة اليهودية التابعة للجيش البريطاني بعض الفضل فى تمكن عدد لا يُستهان به من إختراق حدود إيطاليا ، على أنَّ جملة الذين اخترقوا الحدود منذ الصيف الماضي لا يُقَدَّر بما يزيد على ٣،٠٠٠ شخص . وقد سُحِبَتْ بعد ذلك الأُوْرْطة اليهودية وشُدِّدت الرقابة على الحدود. 

٩ – ويَلتقي في ڤيَنّا سَيلان من النّازحين ، أحدهما قادمٌ من بولندا ، والآخر من المَجَر ، ورومانيا. والنازحون من ڤيَنّا يتجهون عادة غرباً مارّينَ بمدينتي انس وزالسبورغ في طريقهم إلى المنطقة الأمريكية فى ألمانيا . وحينما يَصِلون الى ڤيَنّا ، يُؤْخَذونَ إلى مراكز الإنتقال ، ولمّا زار بعض أعضاء اللجنة أحد هذه المراكز ، الكائن فى مُستشفى روتشيلد ، أخبرهم ضابط أميركي بأنَّ ١٥٠ ولداً من يهود المَجَر و ٩٠ بالغاً من يهود رومانيا وَصَلوا بالقطار من بودابست فى اليوم السابق . وأوضحَ لهم أنَّ السلطات العسكريه الأمريكية أباحت للجنة التوزيع الأمريكية المشتركة بأنْ تجمع اليهود فى المَجَر وتُنظم وصولهم فى جماعات.

١٠ – ويُدير قيادة منطقة ڤيَنّا مراكز إنتقال لليهود في مستشفى روتشلد وشترود لهوف كاسّى ، وقد مَرَّ بهذه المراكز ٣،٠٨٥ يهودياً فى شهر كانون الأول ، و ٣،٢٢٩ في شهر كانون الثاني ، و ٢،٤٤٣ يهودياً فى شهر شباط ، و ١،١٥٠ فى شهر آذار ، وفُتِحَت مراكز إنتقال أيضاً في أنس وزالزبورغ فى المنطقة الأمريكية .

ومع أنَّ السلطات الأمر يكية سَعَتْ ، فى بادىء الأمر ، للحَدِّ من سيلِ النّازحين ، فقد شَعَرتْ أنها مُضطرة ، لاعتبارات إنسانية ، إلى أنْ تقبل جميع الذين يَصِلون حدود المنطقة ، بعد تكبدهم كثيراً من المَشاق.

١١ – وقد وَجدنا أنَّ اليهود أُرْسِلوا بالقطار من ڤيَنّا مارين بالمنطقة الروسية الى أنس ، ثُمَّ غادروها بعد يوم أو أكثر من يوم بسيارات نَقِل الى زالزبورغ ، ووَصلوا في جماعات ، تتألف كل جماعة منها من مائتي شخص ، وفى مُخيم الإنتقال الذى زُرناه فى زالزبورغ مُتَّسَع لإسكان ٢٥٠ شخصاً. وقد قيلَ لنا أنَّ الضابط المسؤول أصدرَ تعليمات تَقضي بالإبقاء على هذا الرقم . أمّا مُدّه الإقامة فى هذا المخيم فمحدودة ، ويُشرف على المُخيَّم بعض اليهود تحت رقابة الجيش ، وهُم يَتلونَ أسماء الذين يترتب عليهم الرَّحيل . وبلغَ المُعَدّل الشهري للأشخاص الذين مَرّوا بهذا المُخيم ٢،٠٠٠ تخص فى الشهر ، ويَتلقى الضابط مى ڤيَنّا تقارير من مُخيم الإنتقال بعَدد المحال المَيْسورة فيه يوماً بعد يوم ، وبناءً على هذه التقارير ، وبالنَّظر للحالة التى يتجمع فيها اليهود فى ڤَينّا فَوَّضَ هذا الضابط إرسال عدد معين إلى المنطقة الأمريكية ويُزود الجماعة بجوازات تُمَكِنّهم من بلوغ زالزبورغ. 

وتختلف هذه العادة كثيراً عن العادة المُتَّبَعة فى المنطقة البريطانية ، حيث بُذِلَت الجهود لمَنع النزوح غير المُصرح به ، وقد أشرنا إلى هذا الأمر ، فقيلَ لنا الآن أنَّ العادة في المنطقة الأمريكية قد تَغَيّرت ، وهي تتفق الآن مع العادة المُتَّبَعة فى المنطقة البريطانية، ، ونَعتقد أنَّ فى ذلك كل الخير ، ومع أنَّ اليهود لا يزالون يَصِلون جماعات كبيرة ، بين الفينة والأُخرى ، من ڤيَنّا بالقطار ، لمْ يَعُد من السهل عليهم التقدم الى الأمام. ويتناول الآن هؤلاء النّازحون الجراية العادية المُخصصة للنمساوي من المدنيين وقدرها ١،٢٠٠ كالوري فى اليوم بدلاً من الجراية القديمة التي كانت تتراوح بين ٢،٣٠٠ كالوري و ٢،٤٠٠ كالوري يومياً حين كانوا يُعاملون «كأشخاص مُضْطَهَدين» . ولا يزالونَ يتلقونَ ، بالإضافة إلى هذا طُرودَ أَطْعِمَة من لُجنة التوزيع الأمريكية اليهودية المُشتركة وهى تبلغ الآن نحو ٤٠٠ كالوري فى اليوم. 

١٢ – ولمّا كانت حركة النُّزوح متواصلة ، كان من السّهل ، بالطّبع ، على السُّلطات العسكرية أنْ تنقل النّازحين جماعات في قطارات الركاب وسيارات النقل ، ذلك أنَّ عدم تهيئه وسائل النقل ما كان ليحول دون تقدمهم نحو المنطقة الأمريكية فى ألمانيا. بيدَ أنّه يلوحُ أنَّ هذه الخُطّة الجديدة هى خُطّة قويمة من شأنها أنْ تُخفض الضَّغط عن مناطق معينة وتَرْدع اليهود عن تعقيد حَلِّ المُشكلة بحركة روح غير مُنتظمة ، إلا إذا كانت هنالك أسباب إضطرارية تقضي باتباع خُطّة مُخالفة. 

بولندا

١٣ – كان عدد اليهود فى بولندا قَبْل الحرب ، أقل بقليل من عشره مى المائه من مجموع السكان(*) ، وبَلغَ عددهم ٣و٢٧ في المائة من مجموع سُكّان المدن والقَصَبات وما لا يتجاوز ٢و٣ في المائة من مَجموع سكان الرِّيف . ولَمّا قُسِّمَتْ بولندا فى سنة ١٩٣٩ ، كان عدد اليهود فى المنطقة الى تحتلها ألمانيا ٢،٠٤٢،٠٠٠ نسمة ، وبلغَ عدد الذين كانوا منهم تحت حُكم السوفييت ١،٣٠٩،٠٠٠ نسمة. 

١٤ – لقد تلقينا مَعلومات مُتناقصة بشأن مدى الحركة اللاسامية التى كانت مُنتشِرة فى بولندا قبل الحرب ، ومما لا ريب فيه أنَّ اللاساميه كانت مَوجودة فى بولندا ، ولازمها تَحَيُّز إقتصادي ضد اليهود. ومع هذا ، فقد وردَ فى وثيقة قدَّمتها لنا منظمه يهودية عن الحالة قبل الحرب جاء فيها :

“إنَّ العمال البولنديين، والسّواد الأعظم من الفلاحين عموماً، أعْرَضوا عن الإشتراك فى الحركة اللاساميه، وكان العُمّال خُصوصاً يُدافعون عن اليهود ضِدَّ مَنْ يَعتدي عليهم”. ولم يُؤد نُمُو الرُّوح الوطنية وكيان الدولة ، والجمعيات التعاونية فى بولندا قبل الحرب ، إلى تضييق الخِناق على مجال نشاط اليهود العادي فحَسْب ، لكنه أدّى الى إقصاء اليهود ، تدريجياً ، عن الصِّناعات التي اختصّوا بها ، بسبب الشعور العُنصري والمُزاحمة على كَسْب الرِّزق. ونَتجَ عن هذا ، فى بولندا قبل الحرب ، إكتظاظ في الحِرَف والمِهَن الأُخرى التى كان مجال العمل فيها لا يزال مُباحاً لليهود وفى المشاريع الخاصة حيث كانت أكثرية المُسْتَخْدَمين من اليهود.

١٥ – وقد تلقينا بيانات عديدة عن إشتراك البولنديين في حَملة إفناء اليهود. فقد بَذَلَتْ الدّعاية الألمانية هَمّها لإيغار صُدور البولنديين على اليهود ، ولو انَّ هذه الدعاية لمْ تُؤثر على بعض الأفراد لكانَ ذلك عجيباً حقّاً ، غير أنه نظرا لإصرار البولنديين على مُقاومة كل ما كان مَصدَره ألمانيا ، نخالُ أنَّ هذه الدعاية لم يتخطَّ أثرها إبقاء اللاسامية قائمة فى الوجود.

وإذا استثنينا الفَقَرة الخِتامية من الوثيقة التى ألمعنا إليها فيما تَقَدّم ، نرى أنَّ الحالة خلال فترة الحرب قد ذُكِرَت 

————————————————————————-

(*)بموجب إحصاء عام ١٩٣٣ بلغ مجموع السكان ٣١،٩١٥٠٠٠٠ نسمه ، منهم ٣،١١٣،٠٠٠ نسمة من اليهود (٨و٩ بالمائة) ، وقَدَّرَ الإحصاء الرّسمي الذى جرى سنة ١٩٣٩ مجموع السكان ٣٥،٣٣٩،٠٠٠ نسمة ، وعدد اليهود ٣،٣٥٠،٠٠٠ نسمة (٩،٧بالمائة ).

 على حقيقتها تقريباً في الفَقَرة التالية المُقتبسة عن الوثيقة المُشار إليها التى جاء فيها :

«لقد اشتركَ اليهود في الدّفاع عن وارسو وسائر المُدُن ، وحاربوا جنباً الى جنب مع البولنديين ، ويلوحُ أنَّ حُسن التفاهم قد نَما بين الشّعبين خلال الحملة البولندية ، بيدَ أنّه عند بِدْء احتلال الألمان للبلاد تعاونَتْ بعض الجماعات البولندية اللاسامية مع النّازيين في سياسة العدوان ضد اليهود ، واقتصرَ الأمر على جَماعات صغيرة نِسبياً من الشبيبة البولندية ، أمّا السّواد الأعظم من البولنديين فقد رفضَ التعاون مع النّازيين على أيِّ أمرٍ من الأُمور ، حتى في اللاسامية. وبالنظر لما كانت عليه حالة اليهود من القُنوط واليأس قَرّروا أنْ يُقاوِموا القضاء على «الغيتو» بحَدِّ السِّلاح ، وزَوَّدتهم حركه المقاومة البولوندية السِّرِّيّة بالأسلحة ، وقد نجحَ آلاف من اليهود ، حسب روايات موثوقٌ بها ، من النّجاة من «الغيتو» والفَرار الى المُدُن الصّغيرة والقُرى. ويُروى أَنَّ الفلاحين أخفوا اليهود عن عُيون قاتليهم الألمان ، ويَسودُ شُعورٌ عام بالتضامن مع اليهود فى طول البلاد وعرضها» ، وقد كانت عُقوبة إخفاء اليهودي قَتْل جَميع سُكّان البيت الذى أُخفي فيه رَمْياً بالرّصاص. 

١٦ – يَتعْذُر اليوم الحُصول على إحصاءات مَضبوطة في بولونيا ، ولكن عدد المُقيمين فيها الآن من اليهود يُقَدّرون ثمانين ألف نسمة فقط من سكانها اليهود الأصليين الذين بلغ عددهم ٣،٣٥١،٠٠٠ نسمة. وفي رأينا المُسْتَنِد إلى معلومات تلقيناها من عدد من المصادر الواسعة الإطلاع ، إنَّ السّواد الأعظم من هؤلاء اليهود يَرْغب الآن فى النزوح عن بولونيا ومُبارحتها إذا تَسَنّى له ذلك. 

١٧ – أمّا الأسباب التى يُبدونها لمُغادرة البلاد فكثبرة وقوية ، ونَرى أنَّ القول «بأنَّ شُعوراً عاماً بالتضامن مع اليهود مُنتشرٌ في طول البلاد وعَرْضها» ، لا يقوم الآن على أساس من الصحة ، والحالة ، كما يَلوحُ ، على البعضِ من ذلك. وثمة دلائل تَدُلُّ ، في الواقع ، على انتشارِ رُوحٍ قوية من العَداوة بين السُّكّان ضِدّ اليهود. ففي بلاد دَمَّرَتها الحرب تدميراً قد يفوقُ ما حَلَّ بأية بلاد أُخرى ، وتَقَوَّضَت إقتصادياتها ، تنافسَ اليهود والبولونديون على كَسْب العيش الضّئيل ، وشرائع البلاد تُبيحُ لليهود حقَّ المطالبه بالأموال التى كانت تَخُصهم فيما مضى ، أو تَخُصّ أقربائهم المتوفين ، ولكن استعمال هذا الحق ضِدّ واضع اليد البولوني على تلك الأموال هو بحَدِّ ذاته سَببٌ للعَداوة والبُغض .

لقد رُوِيَت لنا روايات تَدُلُّ ، في الواقع ، على مَنْع اليهود من الادعاء بما كانوا يَملكونه شَرْعاً ، عن طريق تهديدهم بالقَتل . 

١٨ – إنّ الخروج على القانون ضاربٌ أطنابه فى طول البلاد وعرضها لدرجة كبرى ، ونحنُ مقتنعون بأنَّ الحكومة تقوم بما فى وُسـعها ، عن طريق إصدار القوانين ، للقَضاء على اللاسامية ، ولكن ما لمْ يُرَدُّ النِّظام إلى نِصابِه ، لا مَندوحة مِنْ أنْ يَبقى إضْطِلاعاً بالسُّلطة مُتَقَطِّعاً وعَديم الفائدة.

لقد ألمعنا فيما تَقَدَّم إلى تضييقِ الخِناق على اقتصاديات اليهود فى بولندا قبل الحرب من جَرّاء انتشار الروح الوطنية وقوام الدولة ، ونخشى الآن أن تكون الحكومة الحالية، وهي تَحظر الحركة اللاسامية، على القَدْر المُستطاع ، تُعيدُ في ميادين أُخرى مجال النشاط اليهودي. وثَمّة دلائل شتّى على التضخم المالي ، واتساع نطاق التجارة الشخصية. ويَشْغل اليهود مراكز خطيرة في الحكومة ومنهم موظفون فى الخدمة المدنية والشرطة ، وهذا الأمر بحد ذاته سَببٌ لإظهار العدوان نحو اليهود إذْ تُنسب إليهم مَسؤولية أية إجراءات تقوم بها الحكومة ولا يَستحسنها الجمهور. 

١٩ – أَضِف الى ذلك أنُّ الألمان قد قَضوا على كل ما يَمِتُّ بصِلَة للحياة اليهودية وثقافتهم ، وصادروا أملاكهم وأموالهم ، وهَدَموا كُنُسهم ، ومَحوا مَعالم مدافنهم ، ولدى يهود بولندا اليوم ذكريات جَمّة تُعيد الى ذاكرتهم النكبات التي حاقتْ بهم ، وموت أقاربهم ، لدرجة أنًَ بِدءَ حياتهم من جديد فى بولندا لا بد وأن يكون مُهِمّة مُفعمة بالرَّهبة، فقد كان فى قرية لويس الصغيرة فيما مضى نحو ٣٠٠٠ شخص فلم يَبْق منهم الآن سوى ٢٠ شخصاً ، ولا ريب أنَّ هذه القرية مثال لقُرى ومُدن أُخرى لا يحصيها عَدٌّ في جميع أنحاء أُوروبا . ولا ريب أنَّ هذه الحالة تُوهنُ عزيمة اليهودى العائد ، وتُكْرِبه ، وقد يكون فى الغالب الشخص الوحيد الذى بَقِيَ على قيد الحياه من عائلته. فلا بد من وجود رغبة شديدة تَسْتَحِثّه على استعادة الحياة فى مكان آخر يتراءى له فيه أنَّ الفُرَص المُهيأة له أوفر ولا يكون مُحاطا بأناسٍ يَنفرون من وجوده ، ولا تَبقى ذكرى الحوادث الماضية ماثلة أمام عينيه دائما أبداً.

٢٠ – لقد كانت الصهيونية فى بولندا قبل الحرب قَوِيّة ، وهاجرَ عدد كبير من يهود بولندا الى فلسطين . والصهيونية السياسية ، مع ما تنطوي عليه من طلب إقامة دولة يهودية ، قوية الإنتشار ضمن اليهود الباقين على قيد الحياة ، والأنباء التى تُروى عن العيش فى فلسطين قبل الحرب ما زالت تُرَدّد، وتَتضاعف جاذبيتها ، إذا ما قُورنت بالمُخَيِّبات التي عانوها ، ويَتكرر ترديد هذه الأنباء الآن وهي تلعبُ دَوْرها في حَمْلِ اليهود على السير على طريق ألمانيا التي يَعتقدون أنها ستنتهى بهم الى فلسطين .

وتعمل الآن منظمات يهودية عديدة فى بولندا . واليهودي الذى لا مَأوى له يتصل بها عادة، وإذا كان يَودُّ مُغادرة بولندا يُنْصَح ، على الأرجح ، بأنْ يُعْرِب عن تفضيله الذهاب الى فلسطين . وهذه الرّغبة ، مع ما يكتنفها من تمنيات أُخرى، تُصبح رَغْبة حَماسية ، ويًعَبّر عنها بحَمِيّة ، ولكن ثمة أسباب كافية ، كما ألمعنا فيما تقدم ، تحدو باليهود لمُغادرة بولندا والذهاب الى بلاد يُؤَمَّنْ لهم فيها العطف والعون ، حتى ولو لم تكن هنالك دعاية أو بذل النفوذ الشخصي .

٢١-   يَسْتَطيع اليهود البولونيون وغيرهم مِمّنْ هُم الآن في بلاد الإتحاد السوڤيتي ، بالإضافة إلى يهود بولندا المُقيمين فيها الآن ، بمُقتضى إتفاق عُمِّدَ بين حكومتي بولندا والسوفييت ، «أَنْ يَتَخَلّوا عنْ جِنْسِيَّتِهم السوڤييتيه» ويَعودوا إلى بولندا ، وقد وَصلَ إليها بعضهم بالفِعْل ، ويقول الموظفون المسؤولون أنَّ من المُنتظَر وُصول ٨٠٠،٠٠٠ شخص آخرين ، مِنْهم ١٥٠،٠٠٠ يهودي. والذي يَلوحُ لنا أنَّ الرّأى العام مُجْمِعٌ على أَنَّ السّواد الأعظم من اليهود العائدين لا يرغبون فى البقاء فى بولندا ، غَير أنّه قد يَستقر بعضهم فى الأراضي التي استولى عليها من ألمانيا ، وقد عَلِمنا أنَّ حكومة بولندا تُرَحِّبُ بهذا العمل، ويُقال أنها لا تَضَع عراقيل في اليهود الذين يَرغبون في مُغادرة البلاد. 

٢٢-    وبالنَّظَر لهذه المعلومات ولاحتمال نُزوح السّواد الأعظم من الثمانمائة ألف المُشار إليهم فى الفقرة (١٦) ، فقد يَبْلُغ عدد اليهود الذين يَوَدّون مُغادرة البلاد ٢٠٠،٠٠٠ شخص ، وبناءً على هذا يَجب إعتبار يولندا مَصْدَراً من المَصادر الأساسية المُحتملة لنزوح مُتَدَفّق ، ومن السّهل عُبور “الحَدّ الأخضر ” أي الأحراش والغابات الواقعة على 

———————————————————————-

(*)جاء الى فلسطين بين سنة ٢٩/١٩٢٢ نحو ٤٦ بالمائة من المهاجرين من اليهود من بولندا ، وبعد سنة ١٩٣٣، هَبَطَ هذا المُعَدَّل وزادَ عدد المُهاجرين الألمان بسبب الاضطهاد النازي، وخلال أربعة اعوام (من سنة ١٩٣٦ لغاية ١٩٣٩) زادَ عدد المُهاجرين اليهود من ألمانيا والنمسا من ٣٠ في المائة الى ٥٧ فى المائة وبَلغَ مُعدلهم نحو مُعَدّل المهاجرين قبل تلك الفترة ، وقد هَبَطتْ نسبة الهجرة اليهودية من بولونيا بالنسبة لمجموع الهجرة اليهودية من ٤١ الى ١١ بالمائة.

الحَدِّ فى الجهة الجنوبية الغربيه ، بسبب طبيعة الأرض .

ولقِلَّة الرّقابة على الحدود في المنطقة التي لم تُضَمّ إلى الإدارة البولندية إلا مؤخراً. 

٢٣-   إنَّ جمعية الإنعاش والتعمير للأُمم المتحدة تَعمل الآن فى بولندا ، ونحنُ نَعتقدُ أنّه لو سُمِحَ لها أنْ تُعِد مراكز إستقبال لمُعاونة القادمين من الإتحاد السوفييتي بصورة خاصه لحالَ ذلك دون كثير من العَناء وأدّى إلى استقرار الحال .

٢٤-      لقد شاهدَ بعضنا في زياره ، كانت خاضِعة بحُكم الضرورة ، شَطراً من العمل الذى اضطلعت به جمعية الصليب الأحمر الدولية فى وارسو في تَعَقُّبِ مَصير البولنديين ، أو معرفة وجودهم ، وتزويد المُستَفْهِمين من المُقيمين فى البلاد أو الخارج بالمعلومات التى يطلبونها ، ولو كان ذلك ضئيلاً بحَدِّ ذاته ، وليس هناك فِرْعٌ خاص يَعني باليهود غَير أنَّ مُعظم العمل يَدور حولهم. ونَشعر أنَّ هذا العمل الذى ينطوي على المؤاساه والرَّحمة يُعيقه كل الإعاقة عَدَم تَيَسُّر أماكن وتجهيزات وافيه وعَدَدٍ وافٍ من الموظفين ، وللجنة اليهودية المركزية مثل هذا المكتب أيضاً .

٢٥ – لمْ يَثبت لنا وُجود مُنَظّمة تعمل على تسهيل النّزوح عن عَمَد وتدبير ، ولكن يلوحُ أنَّ من المُحتمل أنْ يكون قد نشأَ نوع من ((الكَرْمة)) أو النظام السِّرّي يَمُرُّ مِنه اليهودي النّازح من يَدٍ إلى أُخرى في خُروجه ، وقد شعرنا بقلقٍ كبير من احتمال تزايد هذا النّزوح وتَحَوُّله إلى سيل مُتَدَفّق تَتَعْذُر السّيطرة عليه ويُؤدي إلى ألمٍ شديد وفوضى فى الأقطار التى يَمرُّ بها النازحون، غَيْرَ أنَّ المعلومات التي تلقيناها منذ  زيارتا تُشير إلى وُقُوع هُبوطٍ وَقتي على الأقل في تَدَفُّقِ هذا السَّيل، والطريقان الرئيسيان اللذان يَسْلُكهما النّازحون ويَنتهيان في المنطقة الأمربكية بألمانيا يَمُرُّ أحدهما ببرلين . وثانيهما بـ “ڤيَنّا” ، فـ “لينز” ، فـ “زالزبورغ” .

نهاية الإقتباس 

كما ذكرت في يومية الجمعة ٢١ آب ٢٠٢٦، فإن المعلومات التي يتضمنها تقرير لجنة التحقيق المشار إليها أعلاه مهمة جداً وضَروري  في نظري أنْ يُحيط بها كل باحث في القضية الفلسطينية وكل مفكر وسياسي واستراتيجي تهمه هذه القضية . 

في هذه اليومية ، يتضح اكثر واكثر الدور الذي لعبته الصهيونية السياسية في تجنيد يهود بولندا في حملتها لاستعمار فلسطين واستيطانها قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية ، والى كونهم كانوا يشكلون مصدرا رئيسيا للمستعمرين المستوطنين اليهود في فلسطين .

سأكتفي في هذه اليومية بهذا القَدْر من المعلومات ..! 

وللحديث بقية 

عبد الرحمن البيطار 

شاطىء ماكنزي في لارنكا – ٢٢ آب ٢٠٢٦ 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *