كَتَبتُ هذه اليومية بصُورة مُتَقَطِّعة على مَدارِ اليومين الماضيين .فَعِندَما يَأتِ المساء ،وتَجلسُ مُنى على مَقعدها في غرفة الجلوس العلوية ، وتَنْهمك بمُشاهدة البرامج الاخبارية على قناة الميادين أو الجزيرة ، كُنتُ أَسْتَلُّ موبايلي ، وعلى شاشته أنْشَغِلُ في الكتابة ، وأُتابع بين الفَيْنَةِ والأُخرى ما يُدْلي به المُشاركون في تلك البرامج من آراء أو تعليقات ..!
كنتُ أَكْتُبُ ، وكانَ هٌواءٌ خَريفيٌ بارِدٌ نَشِطٌ يَخْتَرِقُ فتحات شبابيك الواجهتين الغربية والشمالية للغرفة ،ويَتَدَفّقُ منها حاملاً رسائل باردة يُذكرنا بشتاءِ المَوْسِم القادم . كانت برودته غير مريحة لدرجة أنني اضطررتُ إغلاق الباب الغربي وإبقاء فتحة صغيرة من شبابيك الواجهة الشمالية ليتسلل منها الهواء البارد الى الغرفة ليظل مناخها ملائماً ومريحاً ..!
قَبْل أيامٍ قليلة ، كنتُ أقرأ ترجمة لمَقالِ “أورين زيف” المنشور في (مجلة 972+) بتارخ ٩ أيلول ٢٠٢٦ ، والمقال بعنوان “جِدارُ الفَصْلِ الجَديد يُضَيِّقُ الخِناق على فِلِسطينيي الضِّفّة ” وقد تَرْجَمَ المقال الصديق الرائع علاء الدين أبو زينة التي تُثْري تَرْجماته فضاؤنا المعلوماتي والمَعْرِفي بمواد مُمَيّزة ومُهِمّة ، ونَشَرَت جريدة الغد تَرْجَمَتَه في عددها الصادر في يوم الاحد ٢٠ أيلول ٢٠٢٦.
والمقال يتحدث عن الجدار الجديد الذي شَرَعَتْ سُلطات الاحتلال الإسرائيلي الفاشي العنصري بإقامته قبل أسابيع قليلة في شمال الضفة .
وفي نظري ، فإن مشروع إقامة الجدار الجديد هو المشروع الأخطر في سلسلة المشاريع التي أقامتها دولة الاحتلال خلال نصف القرن الماضي ، ويَحمل المشروع هذه المَرّة مَخاطر وتهديدات كُبرى ليس فقط للفلسطينيين في الضفة بل للأُردن على وجه خاص، فهو يستهدف لا مجرد تكريس حالة الفصل العنصري كما في حال الجدار السابق ، بل القضاء الحاسم هذه المرة على مُقومات الحياة والصمود للفلسطينيين في الضفة الفلسطينية المحتلة لأجل إستكمال الشروط اللازمة لتنفيذ عملية التهجير والتطهير العِرْقي للفلسطينيين من الضفة الفلسطينية او للجزء الاكبر منهم ، وهو الهدف المرحلي الجديد الذي تسعى دولة الكيان الصهيوني تحقيقه في المدى الزمني القريب أو المتوسط القريب وذلك في سياق عملية تحقيق مشروعها الإستراتيجي الرامي لإقامة إسرائيل الكبرى على أراضي الاردن بكاملها أو أجزاء واسعة منها وأجزاء تمتد حتى نهر الليطاني أو لبنان ككل وأجزاء تشمل هضبة الجولان وصولاً إلى العاصمة دمشق والأراضي الواقعة غرب نهر الفرات والأراضي المصرية الواقعة شرق نهر النيل (بما فيها شبه جزيرة سيناء) وأخيراً أجزاء أخرى في المنطقة الشماليه الشرقية من السعودية ، وذلك بعد أنْ اسْتَكْمَلتْ احتلال كامل فلسطين والجولان بالاضافة الى أجزاء من الجنوب السوري واللبناني .
ويأت تنفيذ جدار التطهير العرقي الجديد ضمن مشاريع خطة أَطْلَقَتْ عليها دولة الكيان إسم ” الخيط القرمزي ” .
وكاتب هذا المقال هو “أورين زيف” وهو ناشط إسرائيلي مناهض للاستيطان ومُدافع عن حقوق الانسان ، وكان قد تعرض للاعتداء عليه من قبل المستوطنين أثناء محاولاته هو وناشطين آخرين كسر الصمت عن الجرائم وأعمال الإرهاب التي يرتكبها المستوطنون وسلطات الاحتلال في قرى ومدن الضفة الفلسطينية المحتلة .
لكن ما هي خطة ” الخيط القرمزي ” ؟
في تموز ٢٠٢٦ أعلنت وزارة الدفاع الإسرائيلية رسميًا أن مشروع الحاجز الأمني على الحدود الشرقية ( اي على امتداد كامل حدود دولة الكيان الصهيوني مع الاردن ) يتضمن منظومة متعددة الطبقات بطول يقارب (٥٠٠) كم، بتكلفة تقديرية نحو (١،٧) مليار دولار. وفي المقابل، أوضح ممثل للجيش أمام لجنة في الكنيست أن التمويل المؤكد كان لنحو (٨٠)كم فقط.
أمّا مُصطلح «الخيط القرمزي» ، فيشير إلى مشروع إسرائيلي جار ي تنفيذه ميدانياً في الوقت الحالي في شمال غور الأردن بالضفة الغربية المحتلة، وليس إلى خطة تشمل كل الأراضي الفلسطينية وقد أُُعلن عنه في عام ٢٠٢٥ ، وبدأ تنفيذه ميدانيًا خلال عام ٢٠٢٦.
المرحلة الحالية من المشروع هي لنحو (٢٢) كم من الجدار مصحوب بطرق عسكرية وخنادق وسياج ووسائل مراقبة وقد صدرت الاوامر العسكرية اللازمة للاستيلاء على الاراضي التي تقع في مساره في منطقة الاغوار الشمالية داخل الضفة الغربية ، وتمتد من منطقة عين شبلي جنوبًا إلى حاجز تياسير شمالًا، وبعرض يصل إلى نحو (٥٠) مترًا. ويقع على مسافة تقارب (١٣) كم غرب الحدود الأردنية، وليس على الحدود الأردنية نفسها وتقدمه اسرائيل كمشروع أمني، بينما تشير الوقائع الميدانية وتقارير منظمات وباحثين إلى أن مساره قد يؤدي إلى عزل أراضٍ فلسطينية واسعة وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها وتدمير مقومات الحياة لسكان القرى والبلدات الفلسطينية الواقعة في منطقة الاغوار الشمالية وحرمانهم من الوصول الى اراضيهم الزراعية وزراعتها وجني محاصيلها هذا بالاضافة الى التحكم بمصادر المياه ، ومنع الرعاة الفلسطينيين من الوصول الى مناطق الرعي لمواشيهم ، والقضاء على مصادر عيشهم ومواردهم .
وفي هذا الشهر ، أي أيلول ٢٠٢٦ ، لم يعد المشروع مقتصرًا على المقطع الأول البالغ نحو (٢٢) كم؛ فقد صدرت في تموز ٢٠٢٦ أوامر عسكرية إضافية ونشرت مخططات ، ارتفع بموجبها مجموع المقاطع المعلنة للمشروع الى نحو (٢٩)كم مع تقديرات بأن الأراضي الفلسطينية المعزولة قد تصل إلى نحو (١١٨) ألف دونم .
في مقاله ، تحدث ” أورين زيف ” عن الحاج توفيق قاسم، من سكان “خربة عاطوف” الفلسطينية الواقعة في شمال غور الاردن ، ودَوَّنَ حالة القهر والاضطهاد التي يعاني منها الحاج قاسم ، والتي تعبر عن المستقبل الذي ينتظر فلسطينيي الضفة الغربية في حال نجاح دولة الكيان في تنفيذ مشروع ” الخيط القرمزي ” ، وكلماته تنطق عن حالها :
بداية الإقتباس
“كنتُ قد التقيتُ في بداية العام راعي الماشية الفلسطيني ‘توفيق الحاج قاسم’ وقَطيعه الذي يَضُم (٥٠٠) رَأس من الأغنام -بَعضها مُزَيَّن بأشْرِطة مُلَوّنة- عند قمة ‘جبل طمّون’ في الضِّفّة الغربية المحتلة. وعلى مدى أكثر من (٥٠) عاماً، كان ‘الحاج قاسم’ يَسلك بانتظام الطّريق من قريته، ‘خِرْبِة عاطوف’ الواقعة في شمال غور الأردن، ويَصْعَد الجبل سَيْراً على الأقدام في رِحْلَةٍ تَستغرق ساعة ونصف الساعة، ليَصِلَ إلى مَساحة خَضراء شاسِعة ومَفتوحة حيث يَرْعى قَطيعَه لبِضْعِ ساعات ثُمَّ يَعود إلى مَنْزِلِه.
عندما قابلته في تلك المَرّة، كانت إسرائيل قد أعلنت مُسْبَقاً عن خُطط لإقامة ما تُسَمّيه “الخيط القُرْمُزي”، وهو حاجز فصل جديد داخل الضفة الغربية يُفترض أن يمتد في نهاية المطاف لنحو (٣٠٠) ميل، من مرتفعات الجولان المحتلة إلى البحر الأحمر، ما يعني فعلياً ضم عشرات الآلاف من الدونمات من الأراضي الفلسطينية.
وكانت الخطط جارية أيضاً لإقامة بؤرة استيطانية جديدة على القمة. ولكن لم يكن هناك في كانون الثاني (يناير) أي أَثَر للمُستوطنين على الجَبَل بَعْد. وقال لي ‘الحاج قاسم’ في ذلك الوقت: “هذا الجَبَل هو المكان الوحيد الذي أستطيعُ أنْ أتنفسَ فيه، والمَكان الوحيد الذي يُسْمَح لي فيه بالرَّعْي”.
الآن، بعد ثمانية أشهر، تَغَيَّرَ الوَضع على الأرض بصُورة جَذرية. دخلَ بناء الحاجز مَرْحلة التنفيذ المُكَثَّف. وأدّى ذلك -إلى جانب الضُّغوط المُستمِرّة التي يُمارسها المُستوطنون والجيش- إلى إجبار عَشرات العائلات على الرَّحيل. كما أصبَحَتْ تَجمعات فلسطينية كاملة عالِقة شَرْق الحاجز، تُكافِح لإدخال الغِذاء والمياه أو الوصول إلى القُرى والبلدات المُجاوِرة للحصول على الخدمات الأساسية.
ومِنْ بُؤرة إستيطانية جَديدة على ‘جبل طَمّون’ تُعْرَف باسم “تمون”، يَتجول مُستوطنون في الزّي العسكري في المنطقة الآن، ويُمارسون التّرهيب بحَقِّ السُّكان الفلسطينيين -بل إنَّ أحدهم يقود عَرَبة “هامفي” عسكرية. وهذه البُؤرة هي واحدة من (١٩) مُستوطنة أعلن وزير المالية، ‘بتسلئيل سموتريتش’ ، عن إقامتها العام الماضي -من بينها مُستوطنتا ‘غانيم’ و’كاديم’، وهُما مُسْتَوْطَنَتان في الضفة الغربية كانتا قد أُخليتا خلال ‘فك الارتباط’ الإسرائيلي عن غَزّة في العام ٢٠٠٥.
قال لي ‘الحاج قاسم’ عندما عُدْتُ في آب (أغسطس): “لقد تَغَيَّرَ كُلّ شَيء. نحنُ تحتَ الحِصار، عالِقونَ بالقرب من منازِلِنا. لا نَستطيع الصُّعود إلى الجَبَل؛ ولا يُمكننا رَعْي الأغنام إلا حَوْلَ المَنْزِل في شَريطٍ ضَيِّقٍ يَقع ضِمْن المَنطقة (ب)” -في إشارة إلى الجزء من أراضي الضفة الغربية الواقع إسمياً تحت السَّيطرة المُشتركة الإسرائيلية – الفلسطينية.
كانتْ آخر مَرّة تمكنَ فيها ‘الحاج قاسم’ من رَعْيِ قَطيعِه على الجَبَل في أوائل شباط (فبراير). وقال مُسْتَذكِرَاً: ‘وَصَلَ مُستوطنون يَرتدون الزّي العسكري. في هذه الأيام، مِنَ المُستحيل مَعْرِفة ما إذا كانوا من الجيش أم من المُستوطنين. وقد أمْسَكوا بي ذاتَ مَرّة وقالوا إنني مَمنوعٌ من الرَّعْيِ هناك، وأنَّ هذه الأرض تَعودُ مُلْكِيّتَها إلى ‘يعقوب’ [النّبي المَذكور في الكِتاب المُقَدَّس]’ .
كما تَعَرَّضَ إبنه الأكبر للاعتداء بعد بِضْعَة أشهر. وقال: ‘صَعَدَ إلى المراعي في أيار (مايو)، على بُعْدِ بِضْعِ مِئاتٍ من الأمتار فقط من المَنْزِل، فاعتدى عليه مُستوطنون كانوا يَستقلونَ سيارة ‘جِيبْ’ وضَرَبوه.
وأضاف ‘الحاج قاسم’: ‘أشعر بالاكتئاب والإحباط. أصبحنا الآن مُضطرينَ إلى شِراء العَلَف للأغنام، وهو شيءٌ نادراً ما كُنّا نَضطرُ إلى فِعْلِه في الماضي. هذه من أصعبِ الأمور -أنْ تُمْنَع مِنَ الوصول إلى أرضِك أنت’ .”
إنتهى الإقتباس
ورد في النص المقتبس اسماء بلدات وقرى وخِرَب ، ورأيت من المفيد ان القي أضواء عليها :
فَبَلدة “طَمّون” هي بَلدة فلسطينية عَريقة تقع في شرق الضفة الغربية، وتتبع إدارياً لـ محافظة “طوباس” والأغوار الشمالية وتُعَدُّ من أكبر وأهم التّجمعات السكانية والزراعية في المنطقة، ولها مكانة جغرافية ونضالية بارزة. وتقع على بعد حوالي (٥)كيلومترات جنوب مدينة “طوباس” ، ونحو (٢٣) كيلومتر شمال شرق مدينة “نابلس” و تمتاز البلدة بمساحة أراضٍ شاسعة جداً تصل إلى حوالي ( ٨١،٠٠٠) دونم (ما يعادل ١٥% من مساحة المحافظة)، وتمتد حدود أراضيها شرقاً وصولاً إلى نهر الأُردن وترتفع حوالي ٣٣٠-٣٧٠ متراً عن سطح البحر، وتقع على السفوح الشرقية لمرتفعات “نابلس”، حيث تطل مباشرة على غور الأردن .
وتُعتبر “طمون” من البلدات الزراعية الأساسية في فلسطين، ويَعتمد جُزء كبير من سكانها البالغ عددهم حوالي (١٧) ألف نسمة على الزراعة وتربية الماشية، وتَضُم أراضي البلدة معظم مساحة سهل البقيعة الشّهير، وهو أحد أخصب السهول الشرقية في الضفة الغربية ، كما تَشتهر البلدة بـ “الزراعة المَحْمِيّة”، حيث تضم آلاف الدونمات من البيوت البلاستيكية التي تُنتج الخضروات وتُغذي الأسواق الفلسطينية وحتى أسواق التصدير .
تُواجه “طَمّون” تحديات بالغة الصعوبة بسبب الأطماع
الإسرائيلية الاستعمارية الاستيطانية في منطقة الأغوار حيث صادرت سلطات الإحتلال الإسرائيلي وأغلقَت أكثر من نصف مساحة أراضي البلدة وحَوّلتها إلى “مَناطق عَسكرية مُغلقة” أو مَناطق لصالح المُستعمرات الصهيونية والقواعد العسكرية.
يُعاني المُزارعون في “طمون” من الحِرْمان من مَصادر المياه، ومَنعهم من استغلال أراضيهم الرَّعَوِيّة والزراعية وتَشهد البلدة إقتحامَات عَسكرية مُتَكَرِّرة بحُكم مَوقعها الاستراتيجي المُحاذي للحواجز العسكرية التي أقامتها قوات الاحتلال الاسرائيلي على مداخل الأغوار (مثل حاجز تياسير وبوابة عاطوف).
يَتبع لبلدة “طَمّون” عِدّة خِرَب وتَجمعات زِراعية ورَعَوِيّة هامة، من أبرزها:
- “خِرْبِة عاطوف”: وتُعَدُّ البوابة الشرقية نحو الأغوار وتقع شمال غور الاردن ، وتقع على بعد حوالي (١٥) كيلومتراً جنوب شرق مدينة طوباس، وتشتهر المنطقة بكونها واحدة من أهم التجمعات الزراعية والرعوية في الأغوار.
- خِرْبِة الرأس الأحمر.
- خِرْبِة حمصة وبصلية وأم الكبيش.
وتشكّل “خِرْبِة عاطوف” مع جارتها “خِرْبِة الرأس الأحمر” وحدة جغرافية وسكانية متكاملة يدير شؤونها مجلس قروي مشترك ، وتواجه “خِرْبِة عاطوف” أيضاً وسُكّانها تَضييقات مُستمرة من قِبل سلطات الإحتلال الإسرائيلي والمُستَعْمِرين الصهاينة تشتمل على مُصادرة الأراضي والمراعي لصالح أو بحُجِّة إقامة قواعد عسكرية ومُستَعْمَرات، إضافة إلى شَقِّ طُرُق إستيطانية إستعمارية عَسكرية عازِلة وخَلْق أزمات حادّة في إمدادات المياه.
في هذه اليومية ، سأتوقف عند عذا الحد .
وللحديث حتما بقية و…
عبد الرحمن البيطار
السبت المرافق ٢٦ أيلول ٢٠٣٦