خِلال النِّصف الأول من القرن العِشرين ، شَكَّلَتْ الثورة الوطنية الفلسطينية الكبرى التي اندَلَعَتْ في نيسان من العام ١٩٣٦ واسْتَمَرَّتْ حتى ٢٧ آذار ١٩٣٩ -وهو اليوم الذي استشهد فيه ألمع وأبرز قادة الثورة القائد عبد الرحيم الحاج محمد (أبو كمال) في معركة قرية ” صانور” جنوب جنين – واحِدة من أهم ثورات الشعوب في العالم ضد مستعمريها .
هذه الثورة التي تتوجت باضطرار الحكومة البريطانية في ١٧ أيار ١٩٣٩ الى إصدار “الكتاب الأبيض” (كتاب ماكدونالد) والذي جاء نُتاجاً مباشراً لثلاث سنوات من المقاومة القتال العنيف ضد المستعمر البريطاني والحركة الصهيونية في جميع أرجاء فلسطين عَجِزَت خلالها بريطانيا عن إخماد الثورة كلياً بالوسائل العسكرية وحدها، وأدركت أن استمرار الثورة يستنزف قواتها ، فقامت بإصدار الكتاب الابيض بعد فشل مؤتمر لندن الذي انعقد في ٧ شباط واستمرت جلساته حتى ١٧ آذار ١٩٣٩ وحضرته وفود عن كل من :
فلسطين ( ترأسه جمال الحسيني وشارك فيه ممثلين عن مختلف الاحزاب والقوى الفلسطينية ) والمملكة العربية السعودية ( ترأسه وزير الخارجية السعودي الامير فيصل بن عبد العزيز ) والمملكة العراقية ( ترأسه رئيس الوزراء العراقي نوري السعيد ) والمملكة المصرية ( مثلها الامير محمد عبد المنعم، وعلي ماهر ، وعبد الرحمن عزام ) وإمارة شرق الاردن ( ترأسه رئيس الوزراء الاردني توفيق ابو الهدى ) والمملكة المتوكلية اليمنية ( ترأسه الامير الحسين بن يحيى ) .
كما حضره عن الوكالة اليهودية في فلسطين والحركة الصهيونية العالمية وفد مُكَوّن من حاييم وايزمان و ديفيد بن غوريون .
وقد افتتح المؤتمر رئيس الوزراء البريطاني نيڤيل تشامبرلين وأدار المفاوضات والاجتماعات وزير المُستَعمرات البريطاني مالكوم ماكدونالد بمشاركة وزير الخارجية البريطاني اللورد هاليفاك .
تمسكَ الوفد الفلسطيني خلال جلسات المؤتمر بمَطالِب الشعب العربي الفلسطيني بالاستقلال التام ووقف هجرة اليهود الى فلسطين .
فشل المؤتمر في التوصل الى اتفاق بين الاطراف التي حضرت المؤتمر .
دفعت هذه التطورات الحكومة البريطانية وبصورة منفردة الى اصدار الكتاب الابيض في ١٧ أيار ١٩٣٩ والذي تَضَمَّنَ بنوداً استجابت بموجبها الحكومة البريطانية بصورة جزئية لمطالب الثورة حيث وضعت سقفاً لعدد المهاجرين اليهود المسموح لهم بالهجرة الى فلسطين خلال السنوات الخمسة التاليه ( بواقع خمسة عشرة الف مهاجر سنوياً وبما لا يزيد مجموعه عن ٧٥،٠٠٠ مهاجر ) كما وضعت أيضا قيوداً على انتقال ملكية الأراضي الى المهاجرين اليهود ، ووعداً بإقامة دولة مستقلة بعد عشر سنوات .
إعتُبِرَت الثورة الفسطينية الكبرى واحدة من أهم ثورات الشعوب ضد الاستعمار الغربي خلال النصف الاول من القرن العشرين والذي شَهد ثورات كبرى مثل الثورة الروسية على الحكم القيصري في العام ١٩١٧ والثورة العراقية ضد الاحتلال البريطاني في العام ١٩٢٠ والثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي في العام ١٩٢٥ ، وحركة الاستقلال الهندية ضد الاحتلال البريطاني والتي استمرت ما بين عامي ١٩١٩ و ١٩٤٧ ، وأخيراً الثورة الشعبية الصينية الكبرى خلال عامي ١٩٤٦ و ١٩٤٩ .
لنَعُد الآن لتقرير لجنة التحقيق الإنكليزية الأمريكية بشأن مشاكل يهود أوروبا وفلسطين ” الصادر في نيسان ١٩٤٦ ، وبالتحديد الى الملحق الخامس من التقرير ، والذي تناولت فيه اللجنة احوال الأمن العام في فلسطبن ، منذ العام ١٩٢٠ وحتى إصدار اللجنة لتقريرها في لوزان في العشرين من عام ١٩٤٦.
وكما سَبَقَ أنْ ذَكَرت ، فإني أرغب في هذه اليوميات أن يَطَّلِع القارئين ( وعلى الأخص ممن هم من الأجيال الشّابّة ) لهذه اليوميات على أحوال الأمن في فلسطين كما سَجّلها أعضاء اللجنة الإنكليزية الأمريكية أنفسهم في الملحق الخامس من تقريرهم وذلك في الاعوام السابقة مباشرة لعام النكبة الفلسطينية الكبرى ( نكبة عام ١٩٤٨) .
ويجدر بالقارئين لهذه اليوميات أن يتذكروا دوماً أن بريطانيا هي التي تسببت وهيأت منذ احتلالها لفلسطين في العام ١٩١٨ كل الشروط اللازمة لتمكين الوكالة اليهودية في فلسطين والحركة الصهيونية العالمية من تنفيذ خطة التطهير العرقي وطرد الفلسطينيين من ديارهم في العام ١٩٤٨ والاستيلاء على املاكهم ونكبتهم ، وهي النكبة التي زالت مستمرة منذ ذلك الوقت وحتى الآن .
وأخيراً فإن المادة المنقولة في هذه اليوميات لها قيمة تاريخية للقراء المهتمين والباحثين في الشأن الفلسطيني .
بداية الاقتباس
المُلْحَق الخامِس
فلسطين : الأمن العام
حالة الأمن العام الآن ( أي في فلسطين في مطلع العام ١٩٤٦) :
يُوجَد فى فلسطين مِلاكٌ (بكسر الميم) للبوليس ومَصلحه السُّجون يزيد على ١٥،٠٠٠ رجل ، باستثناء البوليس الإضافي ، ورجال البوليس هؤلاء يكونون عادةً مُسَلّحين ، ويُشاهَدون في كل مكان. وهناك في طولِ البلادِ وعَرضها ، ثَكَنات للبوليس يَزيد عَددها على ستين ثَكَنة ، يُمكن الدِّفاع عنها كحُصون في حالةِ الطّوارىء. وتُقيمُ بفلسطين قُوّة عَسكرية تُقَدَّر بفِرْقَتين ونِصْفِ الفِرْقة ، بالإضافة الى عَددٍ من وِحدات سِلاح الطيران ، وبعض القوات البحرية التي تَضْطَلِع بمُهِمّة خَفْر السّواحل وغيرها من الواجبات ، وقد أنْفَقَت حكومة فلسطين فى سنة ١٩٤٥/١٩٤٤ ما يزيد على ٤،٦٠٠،٠٠٠ جنيه فلسطيني على حفظ الأمن والنظام ، يُقابِلهُما ما يَقِل عن ٥،٦٠٠٠٠٠٠ جنيه فلسطيني أُنْفِقَت على المَصالح الحُكومية الأُخرى ، التي لَيسَت لها صِلَة مُباشرة بمُساهمة فلسطين في الحرب العالمية الثانية.
وقد اضْطَلَعَتْ حكومة فلسطين ، سعياً منها في المُحافظة على النظام ، بصَلاحيات واسعة النطاق للطوارىء ، بمُقتضى مَرْسوم الدِّفاع عن فلسطين، وأنظمة الطّوارىء التى صَدَرَت بمُقتضى هذا المَرْسوم، واستناداً إلى الصّلاحيات التى خُوِّلَت للحكومة منذ سنة ١٩٣٦ ، مَنَحت الحكومة والسّلطات العَسكرية صَلاحيات إستثنائية ، وقَيَّدَتْ حُرِّيّة الفرد تقييداً شديداً.
وفى سنة ١٩٣٦ ، حينما أخَذَت ثورة العرب ( الفلسطينيين ) تَزداد شِدّة وخُطورة ، أصدَرَت الحكومة أنْظِمه تُخولها الاستيلاء على الأبنية ، ووَسائل النّقل ، وفَرْض مَنْعِ التّجَوُّل ، والرّقابة على الصُّحُف ، وإبعاد غير المَرْغوب فيهم ، وامتيازات إستثنائية فيما يَتَعَلَّق بالقَبْض والتَّفتيش ، وأنشَأَتْ مُعتقلات لوَضع المَشبوهين السِّياسيين تحت رقابة فَعّالة ، وأصْدَرَت أنظِمة مُشَدّدَة تقضي بفَرْض غَرامات مُشتَرَكة ، بَمثابة عُقوبة ، على المناطق التي تُرتَكَب فيها جرائم لا يُعْرَف مُرتكبوها . وفي سَنة ١٩٣٧ ، صَدرَتْ أنظمة خَوَّلَت الحكومة صَلاحية إعتقال المُبعَدين السياسيين فى أي جُزءٍ من أجزاء الإمبراطورية ، وخَوَّلَتِ المَندوب السامي أنْ يَعتبر الجمعيات التى يرى أنَّ غاياتها وأهدافها مُخالفة للسياسة العامة ، جَمعيات غير مَشروعة. وتَأَلَّفَت مَحاكم عَسكرية للفَصل في الجرائم التى لها علاقة بالتخريب والتخويف ، وبإطلاق النّار على النّاس ، وحَمْلِ الأسلحة والمُفَرْقَعات ، وفَرَضَت عُقوبة الإعدام على مَنْ يَرْتَكِب أيا من هذين الجُرْمَين ، وفي سَنَتَي ١٩٣٨. و ١٩٣٩ نَظَرَت المَحاكم العسكرية في ٩٠٨ قضية ، وصُدِّقَ على ١٠٩ أحكام بالأعدام.
وقد لَجَأَت الحكومة مُؤَخّرَاً ، في وَجه تهديد اليهود للأمن العام مَرّة ثانية ، إلى أنظِمَة الطّوارى. ، وكان بعضها لا يزال مَعْمولاً به ، وبَعضها صَدَر مُجدداً ونّقِّحَ في سَنَة ١٩٤٥ وسَنَة ١٩٤٦ وبموجب هذه الأنظمة يمكن إصدار أمْر باعتقال أي شَخص بتَفويضٍ مِنْ قائد المَنطمة ، ولا تَصِحّ مُناقشة هذه الأوامر أمام المَحاكم النِّظامية ، وفي شهر كانون الأول سَنة ١٩٤٥ ، بَلَغَ عدد اليهود المُعْتَقلين ٥٥٤ شَخصاً ، وقد مارسَ المَندوب السّامي الصلاحية المُخَوَّلة له في إبعاد المُعْتَقلين فى شهر تشرين الاول سنة ١٩٤٤ ، بأنْ أَبْعَدَ ٢٥١ يهوديا إلى أريتيريا ، كما أمرَ بإرسال ٥٥ يهودياً آخر إلى المَكان ذاته في شهر كانون الأول سنة ١٩٤٥ ، وتُخَوِّل الأنظِمة السُّلطات صَلاحيات واسعة تُمَكِنّها من الإعتقال، والتفتيش ، والتَّحَرّي ، دونَ إستصدار مُذكرات بذلك. ويَجوز أنْ يُجْرَى التفتيش في غِيابِ صاحب المْلْك أو المَسِكَن ، إذا حَضَرَ مُختار المَنْطِقة أو شَخصان من ذَوي المَسؤولية ، وتَتَمَتّع المَحكمة العَسكرية سُلطات قَضائِيّة واسِعة ، وفي وُسْعِها أنْ تَحْكُمَ بالإعدام. وقد وُسِّعَ مَبْدَأ مَسؤولية الجَماعة ، وخُوِّلَت السُّلطات صَلاحيات فَرْض الغَرَامات المُشترَكة، بمَثابة إجراءات تأديبية، وتَقضي الأنظمة أيضاً بمُصادرة أموال أي شَخص يَرى المندوب السامي أنه إرتكبَ بَعض جَرائم مُعينة ، أو ساعدَ على ارتكابها
لَمْحَةٌ عَنْ أعمال العُنْف :
وفي أوائل عَهدِ الإنتداب بفلسطين ، جاءَ التهديد للنظام لدَرْجَةٍ كُبرى ، من جانبِ العَرَب ( الفلسطينيين ) .
وكانوا يَحتجون على الهِجْرَة اليهودية وعَدَم مَنحهم الإستقلال ، أمّا في السّنوات الأخيرة ( النصف الاول من عقد الاربعينات نمن القرن العشرين )،فقد كانت مُعارَضة اليهود للسّياسة المُعَبَّر عنها الكتاب الأبيض الصّادِر سنه ١٩٣٩ ، هي المَسؤولة عن إقلاق الرّاحة وأعمال العُنْف.
فمُنِذُ سنة ١٩٢٠ ، أدَّت مّعارضة عَرَب فلسطين للصّهيونِيّة، ورَغبتهم في الحُكم الذاتي، إلى تهديد الأمن العام. وأَفْضَتْ الدِّعاية التي بُثَّتْ للاتحاد مع سُوريا المُسْتَقِلّة ، في شَهر نيسان من تلك السنة ، الى وقوع إضطرابات في القُدس دامَتْ ثلاثة أيام ، قام فيها غَوْغاء من العَرَب ( الفلسطينيين ) بالهُجوم على اليهود بالعصي ، والحِجارة ، والمُدِي ، أمّا البوليس العربي ، فإمّا أنّه اتَّخَذَ مَوْقِفاً سِلبِيّاً أو اشترك في الشَّغَب ، وقد إسْتِدْعِيَتِ الجنود البريطانية ، وجُرِّدَ البوليس من السِّلاح ، وأُعيدَ النِّظام أخيراً إلى نِصابِه ، وأسْفَرَت هذه الاضطرابات عن قتل خمسة أشخاص من اليهود وأربعة من العرب ( الفلسطينيين ) وعن جَرِحِ ٢١١ شَخصاً من اليهود و ٢١ شخصاً من العرب ( الفلسطينيين )،.
وقد ساعَدَ فَتْح ابواب فلسطين للهِجِرة اليهودية في أواخر سنة ١٩٢٠، إلى نُشوبِ أعمال الُعنف من جديد ، ففى يَوْمٍ من شَهْرِ أيار سنة ١٩٢١ ، هاجمَ غوعاء من العرب ( الفلسطينيين )،اليهود المُقيمين في يافا ، وانقَضّوا على مَرْكز المُهاجرة الصهيوني ، وقَتلوا ١٣ شخصاً ، فاسْتُدْعِيَتْ الجنود البريطانية مَرّة أُخرى ، للاستعاضَة بهم عنْ رجال البوليس العَرَب ( الفلسطينيين )، الذين لمْ يَكُنِ في الإمكان الاعتماد عليهم ، بَيِدَ أنَّ الاضطرابات إنْتَشَرَتْ . وفى اليوم الثالث من شَهر أيّار نُهِبَت المُستعِمَرَتان اليهوديتان ‘كفار سابا’ ، و’عين حي’ ، وفى اليوم الخامس من شهر أيار هاجمَ قرية ‘بتح تفوا’ عِدّة آلاف من العرب ( الفلسطينيين ) المّسَلَّحين ، فى نظام شبه عَسكري ، ولم تَسْلَم ‘بتح تقوا’ من الدّمار إلا بوُصول عِدّة كتائب من الفُرْسان وفي اليوم السادس من شَهر أيّار حاصَرَ العرب ( الفلسطينيون )، ‘الخضيرة’ ، وحاولوا الهجوم على ‘رحوبوت’ . وخلال هذه الاضطرابات ، قُتِلَ من اليهود ٤٧ شخصاً وجْرِحَ ١٩٤٦ شخصاً ، مُعظمهم بأيدى العرب( الفلسطينيين )، ، كما قُتِلَ ٤٨ شخصاً وجُرِحَ ٧٣ شخصاً من العرب ( الفلسطينيين ) ، مُعْظَمهم بأيدى البوليس ، ومن جَرّاء الأعمال العسكرية.
انتهى الأقتباس
وللحديث بقية .
عبدالرحمن البيطار
عمان – ٢٨ أيلول ٢٠٢٦