كثيراً ما سَمِعْتها تُرَدِّدُ هذه العِبارة : ” أولادكم ليسوا لكم ..! “، ” أولادكم أبناء الحياة ..!” ،..
مُنى اختارت التعليم مِهْنَة لها وتفانت في مُمارَسَتِها وأبدعت ، وقد اختارت في مرحلة مبكرة من عمرها طريق النضال ، وهي قارئة ومُثقفة ، وإنسانة مُحِبّة ، تتميز بخِصالٍ كَثيرة على رأسها التفاني والإيثار ، والانتماء الواعي للوطن الصغير والكبير وللقيم الانسانية الخالصة ، تَمْقُت التَّعَصُّب ، وتَمتاز مُنى بكونها اجتماعية بامتياز ، تندمج بسرعة مع المحيط الذي تعيش أو تعمل فيه ، وتَخترق قلوب الناس
بتلك الابتسامة الناطِقة التي لا تُفارِق وَجهها ..!
مُناسبة هذا الكلام أنّي وَجَدتُ قبل يومين أثناء تَصَفُّحي للفيس بوك ، مُدَوّنة حَمَلَت كلمات جبران التي تُرددها مُنى ، والنص الذي يحضن تلك الكلمات ..! ، فاحتفظت بها ، وقرأتها عليها ،.. !فطَلبَتْ مِنّي أنْ أُرسلها لها ، وقد فَعَلتُ… !
أدْناه ، ..النّص الذي أرْسَلته لمُنى ، وقد رأيت إيراده في هذه اليومية ليُشاركني قُرّاءها مُتعة قِراءَته وما يَتَضَمَّنَه من معاني ، ورسالة ،.. وهي رسالة لِسانُ حالها يقول : تَذَكّر وأنت تُرَبّي طِفْلَك أنّك تُرَبّي إنسانًا سَيَعيش في زَمَنٍ قد لا يُشْبِه زَمَنَك، ولذلك لا يُمْكِنَك أنْ تَحْبِسَه داخلَ تَجارُبَك وقَناعاتَك ..!
“كتب جبران خليل جبران قبل أكثر من مائة عام…
(أولادكم ليسوا لكم )
أولادكم أبناء الحياة المُشتاقة إلى نفسها, بكم يأتون إلى العالم, ولكن ليسَ منكم.
ومع أنهم يَعيشون مَعكم, فهم ليسوا مُلكاً لكم.
أنتم تَستطيعون أن تمنحوهم مَحَبَّتَكم, ولكِنَّكُم لا تَقدرون أنْ تَغرسوا فيهم بذور أفكاركم, لأن لهم أفكارأً خاصةً بهم.
وفي طاقَتِكم أنِ تَصنعوا المَساكن لأَجسادِهِم
ولكنَّ نُفوسهم لا تَقْطُن في مَساكِنِكُم.
فهيَ تَقطنُ في مَساكنِ الغَد, التي لا تَستطيعونَ أنْ تَزوروها حتى ولا في أحلامِكُم.
وإنَّ لكُم أنْ تُجاهِدوا لكي تَصيروا مِثْلهم.
ولكِنًّكم عَبَثاً تُحاولون أنْ تَجعلوهم مِثْلَكم.
لأنَّ الحياة لا تَرْجع إلى الوراء, ولا تَلِذّ لها الإقامة في مَنْزِلِ الأمس.
أَنْتُم الأقواس وأولادكم سِهامٌ حَيّة قد رَمَتْ بها الحياة من أقواسِكُم . “
_جبران خليل جبران
في اليومية السابقة ( يومية ٢٨ أيلول ) تناولَ النص المُقتبس من الملحق المشار اليه اعلاه حجم قوة البوليس البريطاني في فلسطين ، وتناول كذلك ما أسماه التقرير بـ ” أحوال الأمن ” في فلسطين في عام ١٩٢٠ ، أي عن الأحداث التي حَصلت في نيسان من ذلك العام .
وفي هذه اليومية ، سيتناول النّص المُقتبس من الملحق الخامس الاحداث التي حَصلت في فلسطين ما بين عامي ١٩٢١ و ١٩٣٨، ومنها ثورة البُراق في العام ١٩٢٩ و الإضراب الأكبر في التاريخ الحديث ( ٢٠ نيسان – ١١ تشرين اول من عام ١٩٣٦ ) ثم الثورة الفلسطينية التي تلت الاضراب وحتى نهاية عام ١٩٣٨.
كما وأُريد أن أُشَدد على أنْ يبقى إدراك القارىء يَقِظاً وهو يَقرأ المقاطع المُقتبسة من التقرير وأن لا يغيب عن إدراكه أن التوصيفات والكلمات والعبارات والمصطلحات التي استخدمها اعضاء اللجنة الذين كتبوا التقرير هي من اختيارات أعضاء اللجنة الإنچليز أو الأمريكان، بما يعكس كيفية فهمهم للأحداث ..! وهي توصيفات تغفل حقائق التاريخ والواقع وتنطوي على تشويهات وتأويلات تعوزها الموضوعية والأمانة ..!
بداية الاقتباس
“وفي المُدة الواقعة بين سنة ١٩٢١ وسنة ١٩٢٨ ، خَيَّم السّلام على رُبوع فلسطين بوجه عام ، فقد كانت الهِجْرة اليهودية آنئذٍ ضَئيلة نِسبياً ، وكانت الحركة العربية الوطنية سَيِّئَة التنظيم ، مُنْقَسِمَةٌ على ذاتها ، بيدَ أنّه وقع في سنة ١٩٢٨، خِصامٌ بين اليهود والعرب حول حائط المَبكى (البُراق الشريف) فى القدس ، وهو مَقامٌ مُقَدَّسٌ لدى المسلمين واليهود على السّواء ، وازداد التوتر بين الجانبين مع مُضِيِّ الايام ، وقد لاحَ إحتمال إزدياد الهِجْرة اليَهودية وأخذتْ الحركة الصهيونية في أُوروبا وأمريكا تَشْحَذُ قُواها ، وانتعَشَتْ الحركة العربية السياسية. وفى اليوم الخامس من شهر آب سَنة ١٩٢٩ ، قام اليهود بمُظاهَرة في جانب حائط المَبكى (البُراق الشّريف) ، وفى اليوم التالي قام العرب بمُظاهرة مُقابلة لها ، وفى اليوم السابع عشر من شَهر آب، طَعَن عربيٌ شاباً يهودياً دَخَلَ حَديقَته يَبحث عن كُرَة قَدَم مَفقودة ، طَعْنَةً أوْدَتْ بحَياته ، واتخذتْ جَنازه هذا الشاب اليهودي مُناسبة للتّظاهر ضِدَّ العرب .
وفى اليوم الثالث والعشرين من شَهر آب ، أغارَ عرب مُسلحون بالمُدى والنَّبابيت ( العِصِي ) على مدينة القدس الحديثة ، وشَرَعوا في قَتْل اليهود ، وقُتِلَ في اليوم التالى فى الخليل ، ما يَرْبو على ٦٠ يهودياً ، وهُوجِمَ في الأيام التالية عدد من المُستعمَرات البهودية ، واضطرَّ البوليس إلى إطلاق النّار للحيلولة دون وقوع إعتداءات في نابلس ويافا. وهاجمَ العرب مَحَلّة اليهود في صَفَد فقَتلوا وجَرحوا ٤٥ شَخصاً ، وقد بَلغَت إصابات اليهود ١٣٣ قتيلاً و ٣٣٩ جريحاً ، كما دُمِّرَت سِت مُستعمَرات يَهودية ، وقِيلَ أنَّ ١١٦ عربياً قد ماتوا ، وقد قُتِلَ عددٌ وافرٌ مِنهم بأيدي البوليس ومن جَرّاء الأعمال العسكرية.
وقد امتازَتْ المُدّة الواقعه بين سنة ١٩٢٩ وسنة ١٩٣٦ بأعمال عُنْفٍ وَقَعَتْ بين آونةٍ وأُخرى .
ففي آب سنة ١٩٣٠ ، وَقَعَتْ فِتْنة بَسيطة في نابلس ، وقد شاهَدت سَنَة ١٩٣٠ و ١٩٣١ سِلسِلة من الإرهاب لليهود ، وأصبحتْ الجرائم الزراعية مُسْتَوْطِنَةٌ ، وحاولَ العرب أنْ يأخذوا على عاتِقهم مَنْع الهِجرة اليهودية غير المَشروعة ، وفي شَهر تشرين الأول سنة ١٩٣٣ ، قامت مُظاهرات ، ونَشَبَت فِتَنٌ ، مُوَجّهة ضِدّ الحكومة ، وضِدّ اليهود ، فى القدس ، ويافا ، وحيفا ، ونابلس ، وفي سِياق هذه الحوادث وما تبعها قُتِلَ من المَدَنيين ٢٤ شخصاً ، وجُرِحَ منهم ١٠٤ أشخاص . وفى شَهر تشرين الثاني سَنة ١٩٣٥ ، إكْتُشِفَت عِصابة عَرَبِيّة مُسَلّحة ( مجموعة عز الدين القسّام ) ، وقُضِيَ عليها بإجراءات إتخذها البوليس .
وقد إبتَدَأتْ الاضطرابات العَربية الواسعة المَدى التي وَقَعَتْ من سَنَة ١٩٣٦ حتى سَنَة ١٩٣٩ ، تأبيداً لطلب وَقف الهِجرة اليَهودِيّة ، وحَظْر بُيوع الاراضي لليهود ، ومَنْح الإستقلال ، في اليوم الخامس عشر من شهر نبسان سة ١٩٣٦ ، عِندَما أوقَفَتْ عِصابة من قاطعي الطُّرُق العرب عَشرة سيارات على طريق طولكرم – نابلس ، وسَلَبَتْ رُكّابها ، وقَتَلَتْ شَخصين ، والذي يَظْهَر أنَّ هذين الشّخصين إخْتيرا للقَتْل لأنهما كانا يَهوديين. وفي الليلة التالية قُتِلَ عَرَبيان بالقُرب من ‘بتح تقوا’ ، وفي اليوم السّابع عَشَر من شهر نيسان، أَدَّت جَنازة أحد هذين اليهوديين إلى قيام مُظاهرة ضِدَّ العرب بتل أبيب ، وبعد يَومين قام العرب فى يافا بهُجومٍ على اليهود وقَتَلوا ثلاثة أشخاص منهم ، قَبْل أنْ يَتمكن البوليس ، تُعَزِّزه الجنود ، من تفريقهم. وفى اليوم الحادى والعشرين من شهر نيسان أعلن زُعماء العرب الإضراب العام إحتجاجاً على الهجرة اليهودية وانتقالات الأراضي ، وسُرْعان ما رَفضَ العرب دَفْع الضّرائب ، وازدادتْ أعمال العُنف شِدَّة. وقد بَلَّغَتْ ‘اللجنة العربية العُليا’ الحُكومة أنَّ أعضاءها لا يستطيعونَ بَذْل نُفوذهم لإيقاف ما اعتبروه تعبيراً فُجائياً عن الشعور الوطني .
وفى شهر أيار وحزيران ، نُفِّذَ إضراب العَرَب عن طريق الإغراء والتخويف ، فأُغْلِقَ مَرْفأ يافا ، وَوَقَعَت بعض حوادث أُتْلِفَت فيها أموال اليهود ، وأُطْلِقَت النيران من الكمين على مُسْتَعمَراتهم ، ووَقعَ هُجوم مُتَقَطِّع على خُطوط سِكَك الحَديد ، وسُدَّتْ الطُّرُق بالحواجز ، وقُطِعَت اسلاك التلفون ، واعتصمت العصابات المسلحة التى عَزَّزَها رجالٌ قَدِموا من سوريا والعراق بالجبال. ثم ازدادت هذه العصابات
في الأشهر التالية ، قُوّة ، ونُظِّمَت بقيادة فوز الدين ( فوزي ) القاوقجي ، وزادت حوادث إتلاف أموال اليهود وقَتلهم ، وخُرِقَت أنابيب الزيت التي تَمتد إلى حيفا مَرّة بعد مَرّة ، وبُثَّت الألغام في الطُّرق بصورة مُنَظّمة ، وأُتْلِفَت خطوط سِكَك الحديد مِراراً وتِكراراً ، وحوالي مُنْتَصف شهر آب وَقَعَت بعض أعمال إنتقامية من جانب اليهود مُخالفين بذلك نُصُح زعمائهم المسؤولين ، وفي الشهر التالي إبتدَأَتْ قُوّة عسكرية كُبرى في أعمال واسعة المَدى ضِدَّ العصابات العربية ، ولكن عندما أعلنت ‘اللجنة العربية العليا’ فى اليوم الحادي عشر من شهر تشرين الأول إنهاء الإضراب ، لمْ تُسْتَعْمَل القوات البريطانية المُسلحة على الوَجه الكامل . فقد سُمِح للثوار المُعتَصِمين بالجبال ، فى كثير من الحالات ، بالتفرق. ولم تُبْذَل مَساعٍ جِدِّيةٍ لنَزْع السلاح من السُّكان العرب ، واستمرَتْ حوادث إطلاق النّار وتدمير الأموال،
وبعد فًَترة من السُّكون ، حينما كانت ‘اللجنة الملكية’ بفلسطين، وبعد أنْ خُفِّضَتْ الحامِيَه العسكريه، إضْطَرَبَ حَبْل الأمن العام من جَديد ، وفي خلال الخمسة أشهر الأولى من سَنَة ١٩٣٧ ، إقْتَصَرَت حوادث الخروج على القانون على المنطقة الشمالية ، وعلى منطقة القدس ، غير أنّه فى اليوم الثالث عشر من شهر حزيران من تلك السنة وَقَعَت مُحاولة فاشِلة لاغتيال المُفَتِّش العام للبوليس ، ومنذ ذلك الحين قامَ العرب بحَمْلة واسِعة ، من القَتْل والتّخويف والتخريب ، كانت أحياناً تُقابَل بالمِثْلِ من جانب اليهود ، وفى اليوم السادس والعشرين من شهر أيلول سنة ١٩٣٧ ، قُتِلَ وكيل حاكم لواء الجليل والبوليس الذى كان يَقوم على حراسته في الناصرة بأيْدٍ عربيه ، ورغم أنَّ الحكومة عَمَدَت إلى التشديد في خُطَّتِها ، التي انطوَتْ على حَلِّ ‘اللجنة العربية العليا’ ، وإلقاء القَبض على بعض أعضائها ، وتأليف مَحاكم عسكرية ، أَخَذَتْ العصابات العربية المُعْتَصِمَة بالجبال تزدادُ عدداً ، وازدادتْ حَوادث الإغتيالِ ، لا سِيّما إغتيال رجال البوليس ، ومُوظّفى الحكومة ، والمُعتدلين من العرب من ذوي المَكانة ، كما ازدادتْ حوادث تخريب أنابيب البترول والمواصلات البرقية.
وفي خلال سنة ١٩٣٨ زادتْ حَمْلة القَتْل ، والتّخريب العربيه شِدّة ، وازدادت حرب العصابات فى الجبال نُمُواً ، حَسْب أساليب مُنَظَمَة ، وقد لازَمها إرهاب مُتزايد في المُدن ، وأصبحت الطُّرُق غير مَأمونة ، وشُلَّت حياة البلاد الاقتصادية شَلَلاً خطيراً ، وكانت الأسلحة والنقود تُهَرَّب إلى فلسطين من الأقطار العربية المُجاوِرة ، وكان رجال العصابات ،والمعتالون يُجَنَّدون ويُجَهَّزون بالعَتاد في بيروت والشّام ثُمَّ يُرْسَلون للعَمل فى فلسطين ، وتَعَرَّضَ العرب الذين رفضوا مَد يَد المَعونه للثّوار ، للتخويف والخطف والقَتْل ، ولم يَشترك اليهود ، خلال الأشهر الخَمسه الأولى من السنة ، إلا في بضع أعمال إنتقامية في وجه إعتداءات العرب ، ولكن الأحوال تَغَيَّرت بعض الشىء فى أواخر شهر حزيران عندما أصدرت المحكمة العسكرية حُكْماً بادانة شاب يهودي إصلاحى كان قد أطلقَ النّار على باص عربي وقُبِضَ عليه وهو يحمل القنابل والمسدسات ، ونُفِّذَ حُكْم الإعدام فيه ، فحدثت مظاهرات إستنكارية ضِدَّ الحكومة فى تل أبيب والقدس ، وفى اليومين السادس والخامس والعشرين من شهر تموز أدّى إنفجار قنابل فى سوق الخُضار العربي في حيفا إلى وفاة ٧٤ شخصاً من العرب وإصابة ١٢٩ شخصاً منهم بجراح. وقام اليهود المُتطرفون بحوادث أُخرى من القاء القنابل فى القدس ويافا.
وما حَلَّ شَهر تموز سَنة ١٩٣٨ ، حتى كانت العصابات العربية قد أصبحت مُنَظّمة تنظيماً تاماً ، فأنشئت محاكم ، وصدرت طوابع للثوار ، وأصبحت مدينة القدس القديمة مَعْقلاً لهم تُنَظّم فيه أعمال العنف والقتل والتخويف ، وفى اليوم الرابع والعشرين من شهر آب ، قُتِلَ مساعد حاكم اللواء فى جنين ، وفي شهر أيلول ، عند ما بلغت قوة الثوار أَوْجها ، إزدادت حوادث الخَطف والتخريب المُنَظّم لعمارات الحكومة وأموالها ، والسّطو على مخازن الأسلحة الكائنة فى مراكز البوليس النائية ، ففي اليوم التاسع من شهر أيلول قامَت عِصابة كَبيرة بغَزو بئر السبع ، وفى أواخر الشّهر أُحْرِقَت عمارات البوليس والحكومة فى بئر السبع وأُتْلِفَت ، وعُزِّزَت حامية فلسطين في شهر تموز وفي أواخر شهر أيلول ، وما جاء آخر السنة حتى أدَّت العمليات العسكرية الواسعة النطاق إلى تخفيض عدد العصابات وجعل أعمالها ضَعيفة الأثر نِسبياً في الميدان ، غير أنَّ الإرهاب والتخريب إسْتَمَرّا دُون وازِع.
انتهى الاقتباس
لم ننته بعد ،… وللحديث بقية
عبد الرحمن البيطار
عمان – ٢ تشرين الأول ٢٠٢٦