Menu Close

يومية الثلاثاء الموافق ٦ تشرين الاول ٢٠٢٦ – مع حديث لم يكتمل مع الفقيد الباحث خالد عايد ، وعن الأحداث في فلسطين في العام ١٩٣٩ ، وحتى العام ١٩٤٤ كما سجلته لجنة التحقيق الإنكليزية الأميركية في الملحق الخامس من تقريرها المنشور في نيسان ١٩٤٦ 

إستيقظتُ هذا الصباح ،لأكتشفَ أنَّ أسْطُح الطُّرُق والمباني في عمان وقد غَسَلَتها مِياه الأمطار  ، فَتَذَكَرّتُ قولَ الفيلسوف والشاعر العربي أبي العَلاء المَعَرّي ؛

الأرضُ للطوفانِ مُشتاقةٌ     لَعلَّها من دَرَنٍ تُغْسَلُ

وقلتُ في نفسي : وأخيراً حَلَّ الخريف وهَلَّتْ تَباشير الشِّتاء..! 

وأنا أتناول ما وَردَ في المُلحَقِ الخامس من ” تقرير لُجنة التحقيق الإنكليزية الأميركية بشأن مشاكل يهود أُوروبا وفلسطين ” وبالتحديد ما أوْرَدَته اللجنة من سَرْدٍ ومعلومات عن أحوال الأمن في فلسطين خلال فترة الإحتلال / الإنتداب البريطاني لها والتي امتدت من تاريخ سقوط القدس في أيدي البريطانيين في ١١ كانون الأول ١٩١٧ وحتى تاريخ صُدور التقربر في العشرين من نيسان ١٩٤٦ ، أقول ،.. تَذكرتُ الصّديق الفقيد الراحل خالد عايد أبو هديب الذي رَحَلَ عَنّا في يوم الاربعاء الموافق ٢٧ أيار من عام ٢٠٢٠ ، وتذكرتُ بالتحديد وقبل أسابيع قليلة من رَحيلِه حديثاً دار ببننا بحضور رفيقتي مُنى – وبالمناسبة، هِيَ مَنْ عَرَّفَتني على خالد – وكًنّا حينها في حديقة المنزل جالسين ، أقول ، تَذكرتُ ذلك الحديث وكان حول الثورة العربية الفلسطينية الكبرى (١٩٣٦- ١٩٣٩) التي عَمَّت أرجاء فلسطين فيما بين عامي ١٩٣٦ و ١٩٣٩ ، وتذكرت أنّي قُلتُ له : 

لقد تَرْجَمْتَ يا خالد كُتُبًاً هامّةً جِدّاً عن ثورات الشعوب ، ونَقَلتَ الى العربية في عام ١٩٨٠ كتاب ‘روز ماري صايغ’  ” الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع إلى الثورة” والذي يتضمّن مقابلات أجرتها ‘روز’ بين عامي ١٩٧٥ و ١٩٨٧ مع عدد كبير الفلاحين الفلسطينيين الذين اقتلعتهم العصابات الصهيونية من أراضيهم عام ١٩٤٨ ، وهُجِّروا إلى لبنان، ونَشَرتَ في عام ١٩٨٤ كِتابكَ عن  “قطار الموت – معركة بيروت في سياق الإرهاب والتوسع الصهيوني” والذي تناولت فبه خروج المناضلين الفلسطينيين والعرب والأُمَمِيّين من العاصمة اللبنانية في أيلول ١٩٨٢ وذلك بعد اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لها في حزيران من العام نفسه ، كما وكتبتَ في عام ١٩٨٦ عن “الاستعمار الاستيطاني للمناطق العربية المُحتلة خلال عهد الليكود” الحاكم في دولة الكيان والذي لم يكن قد تجاوز من العمر السبع سنوات والذي استعرضت فيه اساليب الليكود في الاستيلاء على اراضي الفلسطينيين وتطور حركة الاستيطان في الضفة الغربية الفلسطينية وفي قطاع غزة خلال تلك الفترة ، وكَتبتَ أيضاً في عام ١٩٨٨ عن “الانتفاضة الثورية في فلسطين الأبعاد الداخلية” و…. و…. ولكن ، ماذا عن هذه الثورة العظيمة ( ١٩٣٦- ١٩٣٩) والتي تُعتبًر واحدة من أعظم ثورات الشعوب خلال النِّصفِ الأول من القرن الماضي ،.. إنّي با خالد ، أعتقدُ أنَّ هذه الثورة لم تَلْقَ من الباحثين الفلسطينيين أو العرب حَقّها الكافي من الدراسة والتقييم ..!؟ ،  

أطْرَقَ  خالد برَأسه مُفَكِّراً ،.. وأذكرُ أنه قال : كأنّكَ مَعي ، فأنا ومنذ فترة أُفَكِّرُ في هذا الأمر بالذّات ، لا بل أنني الآن ومنذُ بعض الوقت مُنْهَمِكٌ في إعداد بحث تحليلي شامل وعميق عن هذه الثورة ، باعتبارها بالفعل ثورة شَعبية عَظيمة ، مُفعمة بأحداث بالغة الاهمية والخطورة حَصَلَتْ ووجد شعبنا الفلسطيني نفسه في خضم معركة قاسية تصدّى خلالها لعدوين متواطئين : الاحتلال الانكليزي من جهة ، والاستعمار الاستيطاني الصهيوني من جهة أًُخرى والذي انتشرت مستعمراته في مناطق واسعة من فلسطين وأخذ يسيطر على قطاعات كبيرة من الاقتصاد الوطني الفلسطيني بمساعدة ىسلطات الانتداب، وفي ذات الوقت تعرض شعبنا خلال لانقسامات خطيرة ، ساهمت في تأجيجها سلطات الانتداب / الاحتلال البريطاني ، وكانت أهم مظاهرها ظهور ما سُمِّيَ وقتها ـ “فصائل السلام “المُضادة للثورة وذلك خلال النصف الثاني من عام ١٩٣٨ ، وتزامنت فعالياتها مع الهجوم الكبير الذي شنته بريطانيا على الثوار الفلسطينيين في المدن والبلدات والقرى الفلسطينية ..! 

وكان خالد في حديثه يُرَدّد ويقول أنه كان قد بدأ يتوصل الى كثير من الاستنتاجات حول هذه الثورة ، وهي ذات قيمة تاريخية كبيرة..! 

لا اعرف إنْ كان خالد قد أتمَّ بحثة حول هذه الثورة قبل رحيله من عَدَمه ، ولا أدرِ كذلك ماذا حَلًَ بأوراقه حول هذا الموضوع والتي كان قد أنجزها قبل رحيله ،….!؟ 

 

لنَعُد الآن إلى مَتْنِ المُلحق الخامس والذي كُنْتُ في اليوميات السابقة قد غَطّيتُ ما ورد فيه عن  أحوال الأمن في فلسطين حتى نهاية عام ١٩٣٨ . 

ولأن الشيء بالشيء يُذكر ، دعونا قبل ذلك أن نسترجع بعض تفاصيل الهجوم البريطاني الكبير الذي أشرتُ إليه أعلاه في معرض حدينا عن الراحل الفقيد خالد عايد .. ولا أُخفيكم ، فقد استعنتُ بِ “الچوچل” لاستحضار هذه المعلومات ..! 

كانت بريطانيا قد عزَّزَت قُوّاتها في فلسطين إبتداءً من أيلول ١٩٣٨ بعشرات الآلاف من الجنود البريطانيين الإضافيين والمُستقدَمين من عدد من مُستعمراتها ، ونَقَلَت فِرقَتين عَسكريتين كاملتين لتنفيذ عملية إجتياح وإعادة سَيطرة واسعة على المدن والبلدات والقرى الفلسطينية حيث تَولَّتْ الفِرْقة السّابِعة السّيطرة على منطقة القدس والجنوب بقيادة “الجنرال ريتشارد أوكونور” ،  وتَوَلَّت الفِرْقة الثامنة مْشاة السّيطرة على شمال فلسطين ومركزها حيفا والجليل.بقيادة الجنرال الشهير “برنارد مونتغمري” الذي أصبحَ لاحقاً بَطَلاً لبريطانيا في معركة العَلَمين العالمية الثانية .

وقد تورطت هذه القوات في ارتكابِ مَجازرَ وَحشِيّة أسْفَرتْ على إعادة إحتلال البلدة القديمة في القدس بعد أنْ شَنَّتْ قوات الإحتلال البريطانية بتَغْطِيَةٍ جَوِّيّة عَمَلِيّة حِصار واقتحام عَنيفة للبلدة في ١٨ تشرين الأول ١٩٣٨ . 

كما قامت هذه القوات بتَدمير وهَدم الأحياء  السكنية والتجارية في عدد من المدن والبلدات الفلسطينية،  وجَعَلَتْ من جنين وقرية قباطية  نموذجاً رادعاً ، فقد بدأ الهجوم على جنين في ٣ أيلول ١٩٣٨  إثر إقدام احد الثوار من أبناء قرية قباطية في ٢٤ آب ١٩٣٨  وهو  “أحمد علي أبو الرب” على اغتيال الحاكم العسكري البريطاني لقضاء جنين “والتر موفيت” داخل مكتبه مما أدى إلى وَفاته مُتأثراً بجراحه في ٢٦ آب ١٩٣٨ . 

كانت سلطات الانتداب / الاحتلال البريطاني قد وضعت منذ بدء الثورة في نيسان ١٩٣٦ ومع اشتدادها في العام ١٩٣٧ ، سياسة متكاملة للعقاب الجماعي للفلسطينيين بهدف عزل الثوار ومحاصرة الثورة واخمادها ، وفي سياق هذه السياسة وكرد فعل على عملية اغتيال الحاكم العسكري لقضاء جنين ،فقد اجتاحت قوات بريطانية ضخمة مصحوبة بمهندسي المتفجرات والديناميت بلدة جنين، وعمدت في يوم ٣ أيلول إلى نسف وتفجير نحو (٢٥٠) منزلاً ومبنى سكنياً في قلب البلدة مما أدى إلى تشريد مئات العائلات وتحويل أحياء كاملة إلى ركام.بمعاقبة المدينة. 

أما العقاب الجماعي الذي لحق بقرية قباطية ، ونظراً لأن منفذ عملية اغتيال الحاكم العسكري “موفيت” ينتمي لعائلة “أبو الرب” في قباطية، فقد قامت قوات الاحتلال البريطاني فور الاعلان عن مصرع الحاكم بفرض حصار مشدد على القرية مصحوب بحظر التجوال لأسابيع طويلة، هذا مع تنفيذ عمليات دهم وتفتيش همجية طالت كل منزل في القرية، كما قامت بهدم عشرات المنازل وتفجيرها بالكامل، واستمر الحصار وعمليات التنكيل بسكان القرية طيلة شهر أيلول والأشهر التالية وجرى أيضا إعتقال معظم رجال القرية واقتيادهم إلى معسكرات عسكرية حيث تعرضوا فيها للتعذيب الشديد والضرب المبرح، كما جرى كذلك تصفية وإعدام عدد من ثوار البلدة ميدانياً في جبالها المحيطة.

وطَبّق “مونتغمري” و”أوكونور”  سياسة مُحاصرة القُرى الفلسطينية بالكامل بالأسلاك الشائكة والدبابات، هذا مع جَمْع كافة رجال القرى التي اقتحموها في ساحات مفتوحة لأيام تحت الشمس دون ماء لفرز الثوار، ومُصادرة السِّلاح ونَهب المؤن ، وتُعتبر مجزرة قرية البَصّة (قضاء عكا) – واحدة من أبشع المَجازر التي ارتكبتها القوات البريطانية بحق البلدات والقرى الفلسطينية ، ففي يوم السبت الموافق للسادس من ايلول ١٩٣٨ مرّت مركبة عسكرية بريطانية تابعة لكتيبة “الرويال أولستر ريفلز” (RUR) على لغم أرضي زرعه الثوار قرب القرية، مما أدى إلى مقتل أربعة جنود بريطانيين ، وفور ذلك جرت عملية اجتياح للقرية ، وقامت قوات الاحتلال البريطاني بحرق وتدمير البلدة بأكملها. وبعد ذلك بأيام، جَمَع البريطانيون نحو (٥٠) رجلاً من أهالي القرية، واقتادوا ما لا يقل عن (٢٠) مدنياً منهم وحشروهم داخل حافلة ركاب وأَجبروا السائق تحت تهديد السلاح على السير فوق لغم أرضي زَرَعه الجنود البريطانيون أنفسهم لنَسف الحافلة، مما أدى إلى استشهاد جميع من كان بداخلها وتمزق أجسادهم. وعلاوة على ذلك، فقد أُجبر بقية سكان القرية على حفر حفرة جماعية لدفن جثث أقاربهم.

تمت هذه العمليات بدعم وتعاون كامل مع المنظمات الصهيونية حيث وَظَّفَت بريطانيا القوى البشرية اليهودية كـ “قوة مُساعِدة” لتعويضِ النّقص العَدَدي وإحباط الفلاحين الفلسطينيين وفي سياق ذلك ، قامت فرق الليل الصهيونية التي كانت قد أُسِّسَت عام ١٩٣٨ بقيادة الضابط الاستخباري البريطاني المتعصب للصهيونية أورد وينغيت في شن غارات ليلية إرهابية خاطفة على القرى الفلسطينية في الجليل ونصب كمائن للثوار وحماية خطوط أنابيب النفط وشكلت هذه العمليات المدرسة التدريبية الأولى التي تَعَلَّمَت فيها الهاغاناه تكتيكات الهجوم والتنكيل الميداني ، كما قامت سلطات الانتداب البريطاني بشرعنة  شرطة المستوطنات اليهودية وتسليح آلاف الشبان اليهود تحت غطاء الشرطة الإضافية لحماية المستعمرات، ووصل تعدادهم أواخر الثورة إلى أكثر من (٢٠) ألف مُجَنَّد مُسَلّح ومُمَوَّل بريطانياً، شاركوا في عمليات الإسناد الأمني وتأمين الطُّرق للجيش البريطاني .

أمّا سكان المستعمرات الصهيونية المنتشرة في الريف الفلسطيني فقد قاموا بتنفيذ عمليات تجسس وتجميع معلومات عن القرى والبلدات الفلسطينية ، وقامو بتقديم قوائم بأسماء الثُّوار، وأماكن تخزين السلاح، ومواقع قادة الفصائل في الريف، مما ساعد الطائرات والكتائب البريطانية على ضرب خطوط إمداد الثورة بدقة. 

تضافرت كل هذه العوامل العسكريةالمتوحشة (التعزيزات الهائلة، سياسات الأرض المحروقة، والتحالف الاستعماري الصهيوني) مصحوبة بما قامت به قوى الثورة المضادة التي نشطت في ذات الوقت لتنهك الثورة الفلسطينية وتكسر شوكتها عسكرياً بحلول منتصف عام ١٩٣٩

بعد هذه المقدمة المطولة ، دعونا نعود الى الملحق الخامس من ملاحق تقرير لجنة التحقيق الانكليزية الامريكية ، لنقرأ ما كتبته أقلام أعضاء اللجنة البريطانيين والأمريكيين  عن ما أسمته “أحوال الأمن” في فلسطين في العام ١٩٣٩ وعن التطورات التي حَصَلتْ فيها قبل إندلاع الحرب العالمية الثانية في مَطلع أيلول ١٩٣٩. 

بداية الاقتباس 

وفي خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة ١٩٣٩ ، إستمرتْ ثورة العرب ولكن نَشاطها أخذَ في التلاشي تدريجياً ، وانقسمت العصابات الكبيرة الى جماعات صغيرة ونشأت الخلافات بين القُوّاد .

وفى شهر آذار ( ١٩٣٩) قُتِلَ عبد الرحيم الحاج محمد في أثناء عمليات عسكرية ، وغادرَ فلسطين القُوّاد الرئيسيون الآخرون في الحال ، ولم يبقَ سِوى جَماعات صَغيرة من الخارجين على القانون أخذنَ في ارتكاب السَّرِقات ، وإزهاق الأرواح ، وإتلاف الأموال ، في القُرى الجَبَلِيّة ، بينما بقيتْ الإغتيالات تَقع في مناطق المدن. ومع أنّ الإرهاب العربىي الداخلي ، وقَطْع الطُّرُق ، إستمرا على نطاق واسع حتى أواخر السنة ، إلا أنّه ، مُنذ نُشوب الحرب العالمية الثانية ، لوحِظَ نُقصان في ارتكاب الجرائم التي تَصْطَبِغ بالصِّبغة السياسية .

وفي خلال ثورة العرب ، أي خلال المدة الواقعة بين أواسط سنة ١٩٣٦ ونهاية سنة ١٩٣٩ ،

بَلَغتْ الإصابات التي تثبت من وقوعها بنتيجة الإضطرابات ١٧٩١ قتيلاً ، و٣٢٨٨ جريحاً ، ويُقدر أن نَحواً من ألفي ثاثر من العرب ، على أقل تقدير ، قُتِلوا في سياق أعمال البوليس والجيش.

ومنذ سنة ١٩٣٩ ، لم تَتجدد الإضطرابات العربية ، وقد ذكرتْ السُّلطات العَسكرية للجنة أنَّ العرب إلتزموا الهدوء والسكينة خلال السنوات الأخيره. ومع ذلك ، ورغم تسلحهم المحدود ، وافتقارهم إلى التنظيم ، يُعتَبَرون مَصدر خَطر كامن على الأمن الداخلي ، ومِمّا يُؤيد هذا الخطر التطورات السياسية وغير السياسية الأخيرة ، وفي شهر تشرين الثانى سنة ١٩٤٥ ، أُلِّفَت ‘لُجنة عربيه عُليا’ جديدة أُعلِنَ أنَّ غايتها (الاضطلاع بالمسؤولية السياسية والوطنية باسم عرب فلسطين» . وتألفتْ جامِعَة الأُمم العربية في أُفقٍ واسع ، في شهر آذار سنة ١٩٤٥ ، ويَعتمد عرب فلسطين الآن ( أي في نيسان من عام ١٩٤٦) على الجامعة في تمثيلِ مَصالحهم السياسية ، ويُمكن الافتراض أنهم ، إذا ما نَشَبَ صِراع ، يَتطلعون إلى الدُّول العربية المُجاورة لمُساعَدتِهم مُساعدة مُسلحة. وفى اليوم الرابع والعشرين من شهر آذار سنة ١٩٤٥ ، هاجمَ عربٌ مُسلحون جماعة من اليهود كانوا يتجولون في المنطقة الواقعة غربي البحر الميت، مقتل يهودي واحد وجرح ثلاثة ، وانتعشتْ خلال شهري آب وأيلول سنة ١٩٤٥ ، النوادى العربية والجمعيات شأن الأندية والجمعيات التى لعبت دوراً هاماً في توجيه الثورة العربية خلال المدة الواقعة بين سنة ١٩٣٦ وسنة ١٩٣٨

بيدَ أنّه مُنذ سنة ١٩٣٩ ، جاء الخطر المباشر على الأمن العام من اليهود الذين رفعوا عَقيرتهم بالاحتجاج على سياسة الدولة المُنْتَدَبَة المُقَرَّرة في الكتاب الأبيض الذى صَدرَ فى تلك السنة. وعندما راجَتْ في شهر شباط سنة ١٩٣٩ ، إشاعات مُؤداها أنَّ الحكومة البريطانية ترغب في مَنح الإستقلال لفلسطين حيث تكون الأغلبية العربية سائِدة ، وَقعتْ حوادث إعتداءات بإلقاء القنابل فى سائر البلاد قُتِلَ فيها ٣٨ شخصاً ، وجُرِحَ ٤٤ شخصاً ، من العرب، وازدادت أيضاً مُشكلة الهجرة غير الشرعية، التى كانت موجودة منذ أمد طويل ، شِدَّةً. وفي اليوم السابع عشر من شهر أيار ، أي في الوقت الذى صدرَ فيه الكتاب الأبيض ، قُطِعَت خطوط المواصلات وأُحْرِقَت العَمارة التى تقيم فيها مديرية المُهاجَرة ، وهُدِمَت دوائر الحكومة في ثل أبيب ، ونُهِبَت المَخازن ، وفى اليوم التالى ، نُهِبَتْ المَخازن في القدس ، وقُذِفَ رجال البوليس بالحجارة ، وقُتِل كونستابل بريطاني. وابتدأتْ في الأسبوع التالي حَمْلِة إعتداءات من اليهود على العرب والحكومة ، وبعد فنرة قَصيره من الهدوء ، خلال مُنتَصَف شهر تموز ، إسْتَمَرّت هذه الاعتداءات حتى نَشَبَت الحرب ( في مطلع أيلول ١٩٣٩ ). ومِنْ أبرر مَظاهر هذه الحَملة وَضْع القنابل المَوْقوتة ، وارتكاب القتل في الأماكن المُنعَزِلة ، وتخريب التلفونات ، ومَحطه الإذاعة الفلسطينية وزوارق البوليس . ومع ذلك ، فقد اتفق اليهود بالإجماع عند نُشوب الحرب ، على طَرْحِ الخلافات القائمة بينهم وبين السياسة البريطانية جانباً ، وتَوقفَ الإرهاب البهودي بالكليه مُدّه من الزمن . وأُغلِقَت محطة الاذاعة غير المشروعة التى قامت بالعمل عِدَّة أشهر .

وقد أدّى نَشْر نظام إنتقالات الأراضي في أواخر شهر شباط سنه ١٩٤٠ . إلى اضراب يهودي عام . تلاه أُسبوع أُقيمَت فيه مَواكب ومُظاهرات أُخِلَّ فيها النظام ، وفي شهر كانون الأول سنه ١٩٤٠ ، خُرِّبَت دائرة المُهاَجَرة في حيفا بإلقاء القنابل عليها إحتجاجا على كارثه الباخِرة ‘باتريا’  ( في ٢٥ تشرين الثاني ١٩٤٠) ، وعلى إبعاد المهاجرين غير الشرعيين إلى جُزُر موريشوس. وفي أواخر شهر تموز سنة ١٩٤٢ ، بَرَزت عِصابِة شتيرن ، وهي عِصابِه من اليهود المُتَطرفين إشتَرَكَت في أعمال الإرهاب مُنذ سنه ١٩٤٠ ، وقامَت بسلسلة من جرائم السَّلب والقَتل في منطقة نل أبيب . 

وعلى أَثَر إنتصار الحُلفاء في شَمال أفريقيا في سنة ١٩٤٢ ، أخَذَتْ الإعتبارات السياسية تطغى على الحرب ، وفى شهر تشرين الثانى من تلك السنة أعرب الصهيونيون عن برنامج بلتيمور وازداد الاحتجاج على مُعارَضة الهِجْرة ، وانتقال الأراضي ، والسياسة التي تَسير عليها الدوله المُنْتَدَبَة في الشؤون الدستورية. وقد ذكرَ بن غوريون رئبس اللجنة التعيذية للوكالة اليهوديه في خِطابٍ ألقاه لتل حي فى اليوم العشرين من شهر آذار سنة ١٩٤٣ ، أنَّ إنتهاء الحرب لا يعني ، بحُكم الضرورة ، إنتهاء القتال لليهود ، بل على العكس من ذلك ، قد يكون بِدْء قِتالهم

وخلال شهر آذار سَنة ١٩٤٣ ، حَدثتْ زيادة مَلحوظة في عَدَدِ واتساعِ حَوادث سِرْقه الأسلحة والمْتَفجرات من المؤسسات العَسكرية ، وقد تَبَيَّنَ ، بعد ذلك بمُدّه قَصيرة ، أنَّ هنالك عِصابة تعمل على نِطاقٍ وأسع ، لها فروغ فى جميع أنحاء الشرق الأوسط ، وقد أدَّتْ الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والسلطات العسكرية في سبيل إيقاف هذه السَّرِقات إلى إثارة شُعور اليهود من جَرّاء مُحاكمة يَهوديين كانت لهما ضِلْع فى هذه السَّرِقات أمام المحكمة العسكرية ، وسَبَقَت «قضية الأسلحة» ، على حَدِّ ما عُرِفَتْ فيما بعد ، مُحاكمة جُنديين بريطانيين فارّين حُكِمَ على كل منهما بالسِّجن خمس عشرة سنه لاشتراكهما في هذه السَّرِقات ، وثَبتت إدانة اليهوديين ، وحُكِمَ على أحدهما بالحبس عشر سنواب وعلى الآخر بالحبس سبع سنوات ، وقد ذكرَ رئيس المحكمة عند النُّطْقِ بالقرار أنَّ المُحاكمة «قد دَلَّت على وُجود مُؤامرة خَطيرة واسعة الانتشار في فلسطين للحُصول على الأسلحة والذخائر من قُوّات جلالته» وأنَّ المُنَظّمة التي تُسائِدُ المُتَّهمين المذكورين يلوح أنَّ لديها أموالاً طائله تحت تصرفها وأنها ذات معرفة واسعة بالمسائل العَسكرية ، بما في ذلك التنطيم العسكري». وقد سَبَّبَت المُحاكمة إمْتِعاضاً شديداً لدى الشعب اليهودى ضد الحكومة التي يَترتب عليها ، حسب رأيهم ، أنْ تُدْرِكَ أنَّ لليهود حقاً أدبياً كي يتسلحوا ، ومِمّا زاد الموقف حرجاً إجراء المُحاكمة بصورة عَلَنِيّة ، وورود ذِكْر الهيئات اليهودية الرَّسمية في سياق الإجراءات ، وادعت الصحافة اليهودية أنَّ المُحاكمة ليست إلا حركة لاسامية «مُدَبَّرة» تَستهدف الحَطَّ من قَدْر السلطات اليهودية ، والانتقاص من مجهود اليهود الحربى . 

وشَهِدَت سنة ١٩٤٤ إزْدياداً في الإرهاب الذي قام به المُتطرفون اليهود المُنتمون إلى مُنطمة أرغون زفاي لئومي ، وعِصابة شتيرنْ ، وفي اليوم الثالث من شهر شباط سنة ١٩٤٤ ، فُوجىءَ يهوديان يَعبثان بحائط كاتدرائية سان جورج ، وتَبيّنَ من الأدوات التي خلّفاها وراءهما أنّهما كانا يَرميان إلى تركيب آلة شديدة الفَتْك عند مدخل الكاتدرائية ، وهو المَدخل الذي يَمُرُّ به المندوب السامي لتأدية صلاة الأحد. وفي اليوم الناني عشر من شهر شباط وفعت إنفجارات في دوائر المُهاجَرة في القدس ، وتل أبيب ، وحيفا ، ولَحِقَ بالأبنية أضرار كبيرة جسيمه . وفي اليوم الرابع عشر من شهر شباط أُطْلِقَت النّار على ضابط بوليس بريطاني ، وكونستابل بريطاني فَخَرّا صَريعين في شوارع حيفا . وفى اليوم الرابع والعشرين من شهر شباط إنفجرت قنابل في رِآسِة ( رئاسة ) البوليس بحيفا أسفرت عن وفوع إصابات في رجال البوليس . وفي اليوم السادس والعشرين من شهر شباط أُلْحِقَت أضرار بالغه فى دوائر ضريبة الدخل بالقدس ، وحيفا ، وتل أبيب ، من جرّاء إلقاء القنابل عليها ، ووقعت خلال شهر آذار حوادث قتل متفرقه هنا وهناك ، وفى اليوم الثالث والعشرين قُتِلَ ثمانية من البوليس البريطانى «رَمْياً بالرّصاص» وبقنابل أُلقِيَت عليهم ، أَلحَقَت أضراراً بالغة بعمارات البوليس في المُدن الأربع الرئيسية ، وعلى أثر هذه الإعتداءات الأخيرة فُرِض نظام مَنِع التّجول ، واستُعيدَت عُقوبة الإعدام لحمل الأسلحة وارتكاب الجرائم الأُخرى. وفي اليوم السابع عشر من شهر أيار هُوجِمَت محطة الاذاعة فى رام اللّه ، وجَرَت مُحاوله فاشِلة للإذاعة منها . وفى اليوم الرابع عشر من شهر تموز هُوجمَت رِآسة ( رئاسة ) البوليس في اللواء ، ومكتب ِالأراضي في القدس ، وأُلحِقَت بهما أضرار بالغة من جراء إلقاء القنابل عليها ، وإشعال النار فيها ، فوَقعَت إصابات بين أفراد البوليس ، وأُتلِفَت سِجلات الأراضي . وفي اليوم الثامن من شهر آب جَرَت مُحاولة لاغتيال المندوب السامي عندما كان وقرينته الليدى مكمايكل ، مُمتطين سيارة لحضور حفلة وداع أقامتها لهما بلدية يافا ، وعلى الأثر فُرِضَت عرامة قدرها خمسمائه جنيه على مُستعمرة جبعات شاؤول لتَخَلُّف سكانها عن مساعدة البوليس الذي حَقّق في هذه الجريمة. وفي اليوم الثاني والعشرين من شهر آب هُوجمت ثلاث عمارات للبوليس في يافا ، وتل أبيب ، وأسْفَر الهجوم عن مقتل بعض أفراد البوليس ، وفي اليوم السابع والعشرين من شهر أيلول هُوجِمَت أربعة مراكز للبوليس ، وأسفرَ الهجوم عن وقوع إصابات بين أفراد البوليس ، واغتيل في اليوم التاسع والعشرين من شهر أيلول ضابط بوليس أعلى وهو في طَريقِه إلى مَقَرِّ عَمَلِه. وفي اليوم الخامس من شهر تشرين الأول أُغيرَ على دائرة الصناعات الخفيفة والمخازن التابعة لها وسُرِقَ منها ما قيمته مائة ألف جنيه من الأقمشة. وفى اليوم السادس من شهر تشرين الثانى بَلَغَت مَوجة الإرهاب أشدها باغتيال اللورد موين ، الوزير البريطانى المُقيم في الشرق الاوسط على أيدى عْضْوَين من أعضاء عصابة شتيرن.

وفي اليوم العاشر من شهر تشرين الأول ، أي قبل اغتيال اللورد موين ، أصدرَ القائم بإدارة حكومة فلسطين ، والقائد العام لقوات الشرق الاوسط بلاغاً رسمياً مشتركاً ذَكرا فيه بصَراحة أنَّ الإرهابيين ، وأولئك الذين يَعطفون عليهم عملياً أو يتغاضون عنهم إنما يُعيقون مَجهود بريطانيا العظمى الحربي ويُساعدون العدو ، وناشدَ البلاغ «الشعب اليهودي عامة ، أنْ يبذل جُهده لمساعدة القوات القائمة على حِفْظِ القانون والنظام ، باستئصال هذا الشر النامي فب وسطها» ، واستطردَ البلاغ يقول «فد يكون للاستنكار اللفظي لهذه الفظائع من فوق المنابر وعلى صفحات الصُّحف أثره ، ولكن ذلك فى حد ذاته لا يكفي ، وأن ما يُطْلَب هو التعاون الفعلي مع القوات المُحافِظة على القانون والنظام ، ولا سِيّما تقديم المعلومات التي تُؤدى إلى إلقاء القبض على القَنَلة وشُرَكائهم» ، وقد ناشدَ البلاغ الشعب اليهودي ، في أشخاص زُعمائِه وهيئاته التمثيلية ، أنْ يُدركَ المسؤولية المُتَرَتِّبة عليهم ويضطلعوا بها فلا يَدَعوا إسم الشعب اليهودي في فلسطين (اليشوف) يُلَطَّخ بأعمال لا تعود على الشعب البهودي عامة بغير الخِزْيِ والعار» . وعلى أتر الاغتيال ، إتّخَذتْ الوكاله البهوديه التي استنكرت هذه الاعتداءات التي يقوم بها المتطرفون ، ترتيبات من شأنها أن تُؤدي الى التعاون مع الحكومة في حَملة ضد الإرهاب ، وقد كانت الحكومة تتلقى هذا القسط من المُساعدة حنى الأولة الأخيره نِسْبِيّاً .” 

انتهى الاقتباس 

طالت هده اليومية وآن الوقت لإنهائها . 

عبد الرحمن البيطار 

عمان – ٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *